خبر وتعقيب

الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران وآثارها السلبية على مصر

الخبر:

أعربت مصر عن بالغ القلق إزاء ما وصفته بـ”التصعيد العسكري الخطير” في المنطقة، محذرةً من اتساع رقعة المواجهات، ومدينةً استهداف إيران وحدة وسلامة أراضي دول عربية، وذلك في أعقاب رد طهران على الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي بإطلاق صواريخ على مدن إسرائيلية وقواعد أمريكية في الخليج.

وأكدت وزارة الخارجية أن الحلول العسكرية لن تؤدي إلَّا إلى مزيدٍ من العنف وإراقة الدماء، مشددةً على أن الدبلوماسية والحوار يظلان السبيل الوحيد لضمان الأمن والاستقرار.

وفي الداخل، سعت الحكومة إلى طمأنة المواطنين عبر تصريحات إعلامية وبيانات رسمية أكدت توافر السلع الاستراتيجية واستقرار إمدادات الطاقة ووجود خطط بديلة للحفاظ على حركة الصادرات.

في المقابل، حذرت تقديرات رسمية وإعلامية من تداعيات اقتصادية محتملة للحرب، بينها توقف إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى مصر، وتراجع حركة السفن في قناة السويس بسبب اضطراب التجارة العالمية، إضافة إلى احتمال خروج الاستثمارات قصيرة الأجل وارتفاع سعر الدولار. وتزداد هذه المخاطر كلما طال أمد الحرب واتسع نطاقها.

التعقيب:

تهدد الحرب على إيران الاقتصاد المصري الهش، وتتوقف شدة التداعيات على الاقتصاد بكل مستوياته على الأمد الذي قد تصل إليه الحرب. أما أسباب هذه التداعيات فهي استمرار اعتماد مصر على الأموال الساخنة كمصدر أساسي للتمويل، وعلى الغاز الإسرائيلي كمصدر للطاقة.

أبرز ثلاثة ملفات تثير المخاوف الاقتصادية في مصر هي الأمن الطاقي والأموال الساخنة وعائدات قناة السويس، خصوصًا في ظل هشاشة الاقتصاد المحلي واعتماده على أطراف خارجية في ملفات أساسية، مثل إسرائيل، في ملف الطاقة، واستثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومي فيما يخص التمويل.

أول أثر خطير للحرب، هو تأكُّد مخاطر اعتماد أمن مصر الطاقوي على إسرائيل، والذي تكرر للمرة الثالثة بعد حرب غزة التي بدأت في 2023م، وضرب إيران لأول مرة في يونيو 2025م، ثم ضربها في فبراير 2026م، في صورة إيقاف تل أبيب ضخ الغاز لمصر رغم اتفاق مدها لمصر به حتى عام 2030م بقيمة 35 مليار دولار.

هذا الوقف يُشكِّل ضغطًا مضاعفًا لأن مصر عادت منذ 2024م إلى وضع “مستورد صاف للغاز المُسال” لتغطية الفجوات، ما يعني أن أي انقطاع مفاجئ في الغاز القادم من إسرائيل يضع الحكومة أمام معادلة صعبة: تأمين وقود الكهرباء أولًا خلال الذروة، ثم الحفاظ على إمدادات القطاعات الصناعية الحساسة، مع مراعاة كلفة الاستيراد الفوري للغاز المُسَال عند الحاجة.

وتعتمد مصر على واردات الغاز من حقلي “تمار” و”ليفياثان” قبالة السواحل الإسرائيلية لتغذية الشبكة المحلية، إلى جانب دعم خطط إعادة التصدير عبر محطات إسالة الغاز، لذلك فإن أي انقطاع، حتى لو كان محدودًا زمنيًّا، قد ينعكس على توازن السوق المحلي بين الطلب والإمدادات، ويؤثر في مرونة إدارة الأحمال وتوفير الوقود لمحطات التوليد.

لذا أصدرت وزارة البترول والثروة المعدنية في مصر بيانًا عاجلًا، أكدت فيه رفع حالة الاستعداد القصوى لتأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلي، في إطار خطة تحرك استباقية لمواجهة التطورات الجيوسياسية المتسارعة بالمنطقة، وبدأ استيراد المزيد من الغاز المُسَال، وسط أنباء عن رفع طاقة الاستيراد 200%.

لكن حتى الغاز المُسَال لا يخلو بدوره من مخاطر، فمع التهديدات التي تُحيط بوقف إيران الملاحة في مضيق هرمز عند مدخل الخليج العربي، قد تتأثر شحنات الغاز المُسَال القادمة من قطر، وفي هذه الحالة، سوف تتجه مصر إلى السوق الفوري للغاز لتعويض ما ينقص من كميات بأسعار باهظة.

إغلاق المضيق سوف يؤثر أيضًا على واردات مصر من النفط الخام ومشتقاته (مثل السولار والبوتاجاز) القادمة من الكويت والسعودية، والذي يُستخدَم بديلًا للغاز في الصناعة، إلا أن المخزون الاستراتيجي من تلك المشتقات الموجود بمستودعات على مستوى الجمهورية، يمكنه تغطية العجز لمدة 20 يومًا فقط.

الأثر الثاني الضار هو تراجع إيرادات قناة السويس بنحو 1.5 مليار دولار، وهو ما سبق أن دفع الحكومة إلى التوسع في الاقتراض وبيع أصول عامة، في ظل دين خارجي بلغ 165 مليار دولار وفق تقديرات البنك المركزي.

فمن المتوقع أن تتأثر إيرادات قناة السويس تحت ضغوط تداعيات التغيير في المسارات الملاحية، عقب اضطرابات مضيق هرمز وعودة الاضطرابات بالبحر الأحمر نتيجة إعلان جماعة الحوثيين باليمن والداعمة لإيران، استئناف استهداف السفن بالبحر الأحمر ردًا على الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران، خاصة أن عوائد القناة تعتمد بشكل أساسي على رسوم العبور وليس على تقديم الخدمات اللوجيستية.

وقد أعلنت شركة “ميرسك” للملاحة، بالفعل تعليق عبور سفنها بقناة السويس ومضيق باب المندب، جراء تصاعد التوترات العسكرية بالمنطقة، على أن تلجأ إلى طريق رأس الرجاء الصالح، بعد أقل من شهرين من استئناف عبورها عبر القناة.

جدير بالذكر أن السنوات الثلاث الماضية شهدت تراجعات قوية لإيرادات قناة السويس، متأثرة بالاضطرابات الناجمة عن الحرب الاسرائيلية على غزة، حيث تراجعت من 8.7 مليار دولار في 2023-2024م إلى 3.6 مليار دولار في 2024-2025م.

أيضًا أعرب مسؤولو الغرف التجارية عن مخاوفهم من ارتفاع أسعار الشحن البحري والسلع الغذائية نتيجة زيادة تكاليف التأمين والشحن، ما يرفع فاتورة الواردات التي تمثل نحو 70% من احتياجات البلاد من السلع الأساسية و50% من المحروقات و90% من مستلزمات الأدوية.

الأثر الثالث يرتبط بوضع الأموال الساخنة في أوقات الأزمات، حيث يبدأ هروب تلك الأموال سريعًا، ما يعني ارتفاع أسعار الدولار والعملات الأخرى وانخفاض قيمة الجنيه، وهو ما بدأ بالفعل قبل وبعد اندلاع الحرب، حيث خرج من محفظة الأموال الساخنة 1.4 مليار دولار بالتزامن مع تصاعد احتمالات شن ضربة على إيران.

وبسبب ذلك، ارتفع سعر صرف الدولار من 46.7 جنيه في منتصف فبراير ليصل إلى 48.8 جنيه للشراء، بحسب أسعار البنك المركزي، وارتفع سعر الدولار بقيمة جنيه كامل، ويتوقع المُحللون أن تصل أسعار الصرف، في حالة استمرار موجة التخارج من الأموال الساخنة، إلى ما بين 51-52 جنيهًا للدولار.

هنا لابد أن نذكر أنه في فبراير 2022م، ومع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، خرجت 22 مليار دولار في غضون أسابيع، ما أدى إلى أزمة اقتصادية كبيرة، تسببت ضمن تبعاتها في تحريك سعر الصرف أربع مرات، إلى جانب مستويات غير مسبوقة من التضخم.

أيضًا قد تتسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية، حال استمرارها، في زيادة في الفواتير الدولارية لواردات مصر، سواء البترولية نتيجة الزيادة المحتملة في أسعار النفط والغاز الطبيعي، أو غير البترولية جراء ارتفاعات في تكاليف الشحن والتأمين عليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى