تقدير موقفغير مصنف

الحرب في منطقة الشرق الأوسط: قراءة أولية في مسار الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران

للتحميل والقراءة بصيغة PDF

مقدمة

تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة تصعيد غير مسبوقة مع بدء المواجهات العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهةٍ، وإيران من جهةٍ أخرى، في تطور خطير ينقل الصراع من نطاق الحرب المحدودة والاشتباكات بالوكالة إلى مستوى المواجهة المفتوحة.

التطور الأخطر والذي أضاف بعدًا استراتيجيًا حادًا في مسار العمليات خلال يومها الأول تمثل في إعلان رسمي من طهران عن مقتل المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي، متأثرًا بإصابته جراء الضربات التي استهدفت المجمع القيادي في العاصمة الإيرانية.

يهدف هذا التقدير إلى قراءة طبيعة الضربة الأمريكية – الإسرائيلية الأولى وأهدافها الفعلية بعد اتضاح نتائجها، وتقييم قدرة إيران على امتصاص الصدمة القيادية والعسكرية معًا، واستشراف السيناريوهات المحتملة لمسار العمليات في ضوء التطورات الميدانية والسياسية حتى اللحظة.

المحور الأول: طبيعة الضربة الأمريكية – الإسرائيلية وأهدافها

شنت الولايات المتحدة وإسرائيل في تمام الساعة 9:45 بتوقيت إيران، يوم 28 فبراير 2026م، عملية عسكرية واسعة النطاق ضد إيران، أطلق عليها الجانب الأمريكي اسم عملية “غضب الملحمة” بينما أسمتها إسرائيل “زئير الأسد”.

استخدم في الضربات داخل العمق الإيراني مزيج من الصواريخ الأمريكية والطائرات المُسيَّرة ومقاتلات سلاح الجو الإسرائيلي، وأطلقت سفن البحرية الأمريكية صواريخ توماهوك، كما استخدم في الهجوم صواريخ بعيدة المدى في إصابة الأهداف لم يُكشَف عن هويتها بعد.

العملية شاركت فيها القوات الجوية الإسرائيلية بنحو 200 طائرة مقاتلة استهدفت أكثر من 500 موقع عسكري في وسط وغرب إيران.

شملت الضربات 24 محافظة إيرانية من أصل 31، مع تركيز مكثف على طهران، أصفهان، قم، كرج، كرمانشاه، وتبريز.

ركزت الضربات على منصات إطلاق الصواريخ الباليستية، ومصانع إنتاج المُسيَّرات، ومنظومات الدفاع الجوي لتقليص قدرة إيران على الرد.

كذلك تمَّ استهداف مقار سيادية في طهران، شملت مكتب المرشد الأعلى علي خامنئي، ووزارة الدفاع، ومقرات المخابرات، ومجمعات تابعة للحرس الثوري.

1. أهداف الضربة داخل إيران

الضربة المشتركة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل استهدفت مواقع استراتيجية هامة للغاية في طهران ومدن إيرانية رئيسة، بما في ذلك القصر الرئاسي ومجمع المرشد الأعلى، في إطار عمليات هدفت إلى تقويض قدرات القيادة والسيطرة الإيرانية، وإضعاف البنية الصاروخية، وتعطيل منشآت حساسة مرتبطة بالبرنامج النووي.

إعلان مقتل المرشد لاحقًا يشير إلى أن الضربة تجاوزت في أهدافها الردع التكتيكي إلى محاولة إحداث تأثير استراتيجي طويل الأمد في بنية النظام الإيراني.

2. حجم التأثير العملياتي الفعلي

شهدت طهران وعدة مدن رئيسية انفجارات متزامنة، طالت مراكز قيادة، مخازن صواريخ، ومنشآت عسكرية حساسة.

 التقارير المتداولة تشير إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، إضافةً إلى أضرار كبيرة في البنية التحتية العسكرية.

غير أن استمرار إطلاق الصواريخ الإيرانية بعد الضربة الأولى بعدة ساعات يَدل على أن القدرات الصاروخية لم يتم شلها بالكامل، وأن منظومة القيادة البديلة كانت قادرة على العمل وإتخاذ القرار.

بالفعل التأثير كان كبيرًا على المستوى الرمزي والسياسي، لكنه لم يصل إلى مستوى الانهيار العملياتي الكامل.

3. هل حققت الضربة أهدافها العسكرية؟

يمكن القول إن الضربة حققت نجاحًا تكتيكيًّا واضحًا خلال مسار العمليات، خاصَّة في إرباك مركز القيادة الإيراني وإلحاق خسائر مادية وبشرية مؤثرة للغاية.

غير أن استمرار الرد الإيراني، واتساع نطاقه ليشمل قواعد أمريكية في الخليج وأهدافًا إسرائيلية، يؤكد أن إيران لم تفقد قدرتها على المبادرة.

إن إعلان مقتل المرشد منح الضربة الأولى بعدًا استثنائيًّا، لكنه في الوقت ذاته حوَّل الصراع إلى معادلة أكثر تعقيدًا، حيث باتت المعادلة صفرية بامتياز. والآن ترى طهران أن المواجهة العسكرية تحوَّلت إلى صراع وجودي.

المحور الثاني: الموقف الإيراني بعد الضربة الأولى

1. هل امتصت إيران الصدمة؟

رغم حجم الحدث، أظهرت إيران قدرة على التعافي المؤسسي السريع، حيث تمَّ تفعيل آليات انتقال القيادة وفق الأطر الدستورية، وتولى كبار المسؤولين إدارة المرحلة الانتقالية، فيما برز دور الحرس الثوري كضامن للاستقرار الداخلي.

الرد الصاروخي السريع يشير إلى أن الضربة الأولى رغم أثرها السلبي الكبير على المستوى القيادي، إلا أنها لم تؤدى إلى انهيار في القوات أو النظام السياسي، بل على العكس، بَدَا أن الحدث استثمر لتعزيز خطاب التعبئة والوحدة للجبهة الداخلية الإيرانية.

2. جاهزية الرد الصاروخي الإيراني

شمل الرد الإيراني ضرب قواعد عسكرية أمريكية في قطر والكويت والإمارات والبحرين، إضافة إلى إطلاق صواريخ باتجاه أهداف إسرائيلية.

هذا الأداء بعد وقت قصير نسبيًّا من الخسائر الكبيرة في القيادة الإيرانية سياسيًّا وعسكريًّا يعكس جاهزية عالية في البنية الصاروخية والطائرات المُسيَّرة، وقدرة على إدارة الرد ضمن نطاق محسوب وخطط عملياتية معدة مسبقًا.

اللافت أن الرد الإيراني جاء مدروسًا من حيث اختيار الأهداف العسكرية، ما يشير إلى رغبة في تثبيت الردع دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة في هذه المرحلة حتى الآن.

3. هل فقدت واشنطن وتل أبيب عنصر المفاجأة؟

سرعة إعادة تنظيم اتخاذ القرار وكذلك الرد الإيراني بعد الضربة الأولى، يدلان على أن عنصر المفاجأة تحقق جزئيًّا فقط.

صحيح أن استهداف القيادات وحجم الخسائر أحدث صدمة كبيرة، إلا أن استمرار الأداء العسكري يؤكد أن هذا السيناريو كان حاضرًا في الحسابات الإيرانية.

المحور الثالث: السيناريوهات المتوقعة لمسار العمليات

بناءً على المعطيات الميدانية المتسارعة حتى صباح 1 مارس 2026م، تعد هذه السيناريوهات الثلاثة هي الأوقع على المدى القريب مع تحديد نسب الاحتمالية المتوقعة بناءً على مسار العمليات العسكرية الجارية:

السيناريو الأول:

“الانتقام الشامل” والإنتقال إلى الصراع الإقليمي المفتوح

يقوم هذا السيناريو ذو الاحتمالية العالية على انتقال المواجهة من مستوى “الرد العقابي المحدود” إلى مستوى الحرب متعددة الجبهات، بحيث تسعى طهران إلى فرض معادلة ردع جديدة عبر توسيع مسرح العمليات جغرافيًّا ورفع تكلفة الاستهداف إلى الحد الأقصى.

في هذا المسار، الهدف الإيراني هو إعادة تثبيت صورة النظام كفاعل قادر على المبادرة بعد الضربة الأولى، وكسر فرضية شل القيادة الإيرانية عبر الضربات الدقيقة الأمريكية – الإسرائيلية.

لذلك من المرجع تفعيل عقيدة “وحدة الساحات” في الشرق الأوسط بوصفها الإطار العملياتي الإيراني المركزي، حيث يمنح الحرس الثوري تفويضًا واسعًا لأذرعه في العراق واليمن ولبنان لتنفيذ هجمات متزامنة، بما يؤدي إلى تشتيت أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية والأمريكية واستنزاف قدراتها.

الفكر العسكري لهذا السيناريو يتمثل في تحويل الجغرافيا إلى أداة ضغط، حيث توسيع نطاق التهديد الصاروخي ليشمل عمق إسرائيل والقواعد والأهداف والمصالح الأمريكية في الخليج وفي شرق المتوسط أيضًا.

كذلك استهداف الملاحة البحرية في الخليج العربي وبحر العرب وخليج عدن ومضيق باب المندب كرسالة مباشرة إلى الاقتصاد العالمي.

إدخال الميليشيات الحليفة في معادلة التصعيد يهدف لإرباك حسابات الرد المقابل ومنع تركيز الضربات على الداخل الإيراني فقط.

المؤشر الحاسم الذي ينقل السيناريو من مستوى التصعيد المحسوب إلى مستوى الحرب الإقليمية المفتوحة يتمثل في نجاح إيران – ولو مؤقتًا – في تعطيل أو إغلاق مضيق هرمز عبر الألغام البحرية والزوارق الهجومية غير المأهولة أو الانتحارية.

عند هذه النقطة، لا يصبح التصعيد عسكريًّا فحسب، بل اقتصاديًّا عالميًّا، مع ارتفاع حاد في أسعار النفط واهتزاز أسواق الطاقة، ما يفرض ضغوطًا دولية على مسار الحرب.

خلاصة هذا المسار أن طهران في حال تبنيه بالكامل تراهن على أن توسيع ساحة المعركة سيمنع خصومها من حسمها سريعًا، ويحول المواجهة إلى صراع استنزاف طويل.

السيناريو الثاني:

الانهيار من الداخل للنظام الايراني

يعتمد هذا السيناريو ذو الاحتمالية المتوسطة على فرضية أن مقتل المرشد أحدث صدمة نفسية وتنظيمية أفقدت النظام قدرته على التعبئة العامة.

حيث يتركز الضغط العسكري الأمريكي – الإسرائيلي على تكتيك “قطع الرؤوس” عبر استهداف القيادات البديلة السياسية والعسكرية الإيرانية مع استمرار الضربات المركزة، مما يشجع الشارع الإيراني على العصيان المدني الشامل.

وقد يؤدي هذا المسار إلى حدوث انشقاقات علنية في الجيش النظامي ورفض تنفيذ أوامر القمع، بالتزامن مع توقف مفاجئ للردود الصاروخية الإيرانية نتيجة اختراق أنظمة القيادة والسيطرة وتدمير منصات اطلاق الصواريخ الباليستية.

السيناريو الثالث:

“إحتواء القيادة الإيرانية الجديدة”

إعادة تموضع النظام تحت الضغط والدفع نحو المفاوضات

هذا السيناريو ذو الاحتمالية المنخفضة يفترض أن النظام الإيراني، رغم الضربة المعنوية والأمنية القاسية المتمثلة في اغتيال المرشد، لا ينهار ولا يتخذ قرار نحو مواجهة إقليمية شاملة، بل يتجه إلى استراتيجية احتواء عسكري محدود للضربات، وكذلك احتواء سياسي داخلي لإعادة إنتاج تماسك وسيطرة النظام الإيراني، بالتوازي مع فتح مسار تفاوضي غير مباشر مع الجانب الأمريكي بشروط جديدة.

في هذا المسار، لا يكون الهدف الإيراني الانتقام الشامل، بل منع الانهيار والحفاظ على تماسك بنية الدولة العميقة، خصوصًا الحرس الثوري ومجلس صيانة الدستور ومؤسسة القيادة الإيرانية.

القيادة الجديدة – وهي مجلس قيادي انتقالي – قد تميل إلى رد محسوب يحفظ ماء الوجه دون المغامرة بالدخول في حرب مفتوحة كبرى.

وفي هذا المسار العملياتي المحتمل: يتم تنفيذ ضربات صاروخية محدودة ومدروسة ضد أهداف ذات قيمة رمزية أو عسكرية ثانوية، مع الحرص على إبقاء خطوط الاتصال الخلفية مفتوحة عبر وسطاء إقليميّين مثل سلطنة عمان، ودولة قطر، أو قنوات أوروبية أخرى.

مع تجنب تفعيل شامل لـ “وحدة الساحات”، والاكتفاء بإشارات دعم من الميليشيات دون الانخراط في تصعيد غير قابل للضبط، مع تعزيز الإجراءات الأمنية داخليًّا، وإعادة هيكلة سريعة في هرم القيادة الدينية والسياسية والعسكرية لسد أي فراغ ناتج عن الاغتيالات.

في هذا السياق، قد يتحول اغتيال المرشد إلى متغير كبير يستخدم لإعادة تشكيل شروط التفاوض مع الجانب الأمريكي، خصوصًا في الملف النووي ورفع العقوبات وضمانات بقاء النظام بشكل يقارب النموذج الفينزويلي – من وجهة النظر الأمريكية – وهو ما أشار إليه الرئيس الأمريكي ترامب من احتماليات التوجة للتفاوض بعد إغتيال المرشد الإيراني.

خاتمة

المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهةٍ، وإيران من جهةٍ أخرى، لم تعد جولة تصعيد عابرة ضمن أسلوب الاشتباك التقليدي الذي ساد في السنوات الماضية، بل تمثل تحولًا نوعيًّا في طبيعة الصراع وأدواته وسقف أهدافه السياسية.

نحن أمام لحظة تاريخية مفصلية تعيد تعريف معادلات الردع والسيطرة في الشرق الأوسط، وتؤسس لمرحلة جديدة يتداخل فيها العسكري بالسياسي والاقتصادي بصورة غير مسبوقة منذ عقود.

الضربة الأولى فرضت خسائر استراتيجية باهظة على إيران، سياسيًّا وعسكريًّا وترافقت مع تطور بالغ الحساسية تمثل في إعلان إيران مقتل المرشد الأعلى، وهو حدث يطال جوهر بنية النظام الإيراني.

ومع ذلك، أظهر النظام قدرة أولية على امتصاص الصدمة ومنع الانهيار الفوري، مستندًا إلى تماسك مؤسساته الأمنية والعسكرية واستمرار القدرة على الرد العسكري.

مستقبل هذه المواجهة العسكرية التاريخية سوف يتحدد وفق معادلة دقيقة: مَن ينجح مِن طرفي الحرب في تحقيق أهدافه الاستراتيجية دون فقدان السيطرة على مسار الصراع، سيكون هو من يضع قواعد التوازنات الجديدة في الشرق الأوسط.

المصادر

  • الجزيرة نت، تطورات المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، 1 مارس 2026م.
  • الشرق للأخبار، قراءة في الضربة الأولى وأثرها على ميزان الردع الإقليمي، 1 مارس 2026م.
  • العربي الجديد، إيران بين امتصاص الصدمة والردّ المضاد: ما التالي؟، 1 مارس 2026م.
  • سكاي نيوز عربية، ضربات متبادلة وتصاعد التوتر في الخليج، 1 مارس 2026م.
    • Al Jazeera English – Live: US and Israel strike Iran; Tehran responds, 1 March 2026.
    • Reuters – US-Israel strikes on Iran trigger regional escalation fears, 1 March 2026.
    • BBC News – What we know about the US-Israel attacks on Iran, 1 March 2026.
    • The Guardian – Iran vows retaliation after US-Israel strikes. 1 March 2026.
    • The New York Times – U.S. and Israel Launch Coordinated Strikes on Iran, 1 March 2026.
    • The Washington Post – Regional fallout grows after strikes on Iran, 1 March 2026.
    • Reuters – Iran’s Ali Khamenei, who based iron rule on fiery hostility to US and Israel, dies at 86, 1 March 2026.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى