في الثاني عشر من مارس 2026م، نشرت وكالة “بلومبيرج” الأمريكية – المؤسسة العالمية الرائدة في مجالات الإعلام، الأخبار المالية، والبيانات والتحليلات الاقتصادية، والتي تُعد مصدرًا موثوقًا للتقارير الدقيقة حول أسواق المال، السياسة الدولية، والطاقة، والتي تغطي أخبار النزاعات الإقليمية حول العالم وتأثيرها على الأسواق – تقريرًا بعنوان: “تداعيات الحرب الإيرانية تسلط الضوء على مدى صمود مصر” للصحفية “ميريت مجدي“، مراسلة وكالة بلومبيرج لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
يقول التقرير إنه بعد ارتفاع تدفقات الأموال الخارجة من السندات في مصر فإن صمود الاقتصاد المصري يبقى على المحك نتيجة التداعيات المتسارعة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وعلى الرغم من حقيقة أنه مع نهاية يوم الاثنين، 9 مارس 2026م، كانت قد خرجت نحو 7 مليارات دولار خارج البلاد اعتبارًا من منتصف شهر فبراير، بحسب مجموعة إي إف جي هيرميس، الشركة الرائدة في مجال إدارة الأصول بأسواق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلا أن التدفقات الخارجة على أي حال تبدو أقل بكثير من مبلغ الـ 20 مليار دولار الذي أدت إلى خروجه من البلاد الحرب الروسية الأوكرانية، في بداية نشوبها.
يؤكد التقرير أن الديون المصرية كانت دائمًا الخيار المفضل للمستثمرين الأجانب في السنوات الأخيرة نظرًا لارتفاع أسعار الفائدة المعدَّلة وفقًا لمستوى التضخم، والتي تُعد من بين المعدلات الأعلى عالميًّا.
وكانت حيازات الأجانب من أذون وسندات الخزانة قد بلغت نحو 32 مليار دولار قبيل الأزمة، بحسب تقديرات “سيتي بنك”، وهو أحد أكبر المصارف في العالم، حيث تأسس عام 1812م، وهو الذراع المصرفي لمجموعة سيتي جروب، ويعمل في أكثر من 100 دولة حول العالم.
وفيما يلي يقدم “منتدى الدراسات المستقبلية“ ترجمة كاملة للتقرير الذي نشرته وكالة “بلومبيرج” الأمريكية، للصحفية “ميريت مجدي“، مراسلة وكالة بلومبيرج لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وذلك على النحو التالي:
تداعيات الحرب الإيرانية تختبر مدى صمود الاقتصاد المصري
كانت الأصول المصرية من بين أكثر الأصول تضررًا في منطقة الشرق الأوسط جراء الحرب الإيرانية، وهو اختبار ضغط كبير على الإصلاحات الشاقة التي يدعمها صندوق النقد الدولي والتي من المفترض أنها تستهدف تحقيق الحماية من الأزمات المستقبلية.
وعلى الرغم من بُعد مصر جغرافيًّا عن المناطق التي تستهدفها الصواريخ في دول الخليج العربي، فقد خرجت مليارات الدولارات من استثمارات المحافظ، وانخفضت أسعار السندات، وهبطت العملة المحلية إلى مستوى قياسي في الانخفاض. كما تُفاقم الأسعار المتصاعدة للطاقة الضغط على الميزانية، وتُهدد بزيادة فواتير الطاقة للسكان الذين يُعانون أصلًا من سنوات من التضخم المرتفع.
وجدير بالذكر أن مصر كانت قد واجهت مخاطر مماثلة من قبل. فقد كشف غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022م عن اعتماد القاهرة بشكل مزمن على الأموال الساخنة، وأدى إلى وقوع أزمة في العملة. وتفاقمت الأزمة أيضًا مع اندلاع الحرب التي شنتها إسرائيل على حركة حماس في قطاع غزة في أكتوبر 2023م (في أعقاب الهجوم التي شنته الأخيرة على المستوطنات في علاف غزة في السابع من أكتوبر)، مما أدى إلى شلّ عائدات قناة السويس التي لم تتعافَ من ذلك حتى الآن.
ولكن خطة الإنقاذ العالمية التي بلغت قيمتها 57 مليار دولار والتي جاءت من خلال دولة الإمارات العربية المتحدة وصندوق النقد الدولي قدَّمت آنذاك مخرجًا للأزمة. أما الآن، ففي ظِل امتلاك احتياطيات قياسية من العملات الأجنبية وتوفر عزم واضح على اتخاذ خطوات حاسمة لمواجهة الأزمة، يبقى السؤال مطروحًا: هل كان كل هذا الاستعداد كافيًا (للنجاة من الأزمة الحالية)؟
في هذا الخصوص، قال فاروق سوسة، محلل مجموعة “جولدمان ساكس” لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: “تضع الحرب الدائرة في المنطقة حاليًا التزام مصر بالسياسة التقليدية على المحك”. حيث تصف مجموعة جولدمان ساكس مصر في هذه الحالة بأنها “معرضة للخطر ولكنها أكثر مرونة” من ذي قبل.
ولطالما كانت مصر التي يبلغ عدد سكانها حوالي 110 ملايين نسمة عرضة للاضطرابات الأوسع نطاقًا بسبب اعتمادها على واردات الغذاء والطاقة، وقلة مواردها الطبيعية، وامتلاكها شبكة أمان اجتماعي واسعة النطاق. ومع ذلك، فقد ساعدها موقعها المحوري الهام في منطقة الشرق الأوسط المضطربة على تأمين دعم مالي غير مسبوق قبل عامين من الآن.
وقد سارعت السلطات في مصر خلال الأسبوع الماضي إلى طمأنة الناس، مؤكدةً استقرار أسعار السلع الأساسية ومتعهدةً بزيادة الأجور. كما اتخذت الحكومة كذلك “إجراءات استثنائية” شملت تقليص الإنفاق غير الضروري ورفع أسعار الوقود لأول مرة منذ أشهر.
وكان صندوق النقد الدولي، الذي ضاعف برنامج قروضه لمصر إلى أكثر من 8 مليارات دولار في أوائل عام 2024م، قد جعل مرونة أسعار العملة المحلية أمام الدولار وخفض الدعم (المقدم للمواطنين) شرطين أساسيين لتقديم القرض ومضاعفته بعد ذلك، مؤكدًا أن ذلك كفيلٌ بأن يساعد مصر على مواجهة الصدمات الخارجية.
وبهذا المعنى، حقق الجنيه المصري ما كان متوقعًا منه تقريبًا. فقد انخفض بنحو 8% منذ بداية الحرب على إيران، مسجِّلًا أسوأ أداء عالمي له بين العملات، ما يعكس على ما يبدو قوى العرض والطلب. ويأتي هذا على عكس ما كان يحدث في الأزمات السابقة، حين كان البنك المركزي المصري يدعم الجنيه المصري ويستنزف احتياطياته من العملات الأجنبية.
وقال محمد أبو باشا، رئيس قسم التحليل الاقتصادي الكلي في بنك الاستثمار “إي إف جي هيرميس”، الذي يعمل في مجال البورصة، السندات المالية، إدارة السندات، الخدمات الاستثمارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إن سعر الصرف المرن كان بمثابة “عامل امتصاص للصدمات”. وأضاف: “إنه يحمي الاحتياطيات الأجنبية الحالية، ويضمن توافر سيولة العملات الأجنبية، ويوفر نقاط دخول جديدة للمستثمرين المستقبليين”.
ولطالما كانت الديون المصرية خيارًا مفضلًا للمستثمرين الأجانب في السنوات الأخيرة نظرًا لانخفاض أسعار الفائدة المعدلة وفقًا لمستوى التضخم، والتي تُعد من بين الأعلى عالميًّا. حيث تشير تقديرات “سيتي بنك” إلى أن حيازات الأجانب من أذون وسندات الخزانة بلغت حوالي 32 مليار دولار قبيل الأزمة. ولكن لا توجد أي أرقام حديثة متاحة للجمهور في هذا الخصوص.
وحتى الآن، تبدو تدفقات الأموال الساخنة الخارجة من مصر أقل بكثير من تلك العشرين مليار دولار من الأموال الساخنة والتي حفزت على خروجها من مصر الحرب الروسية الأوكرانية. وأفادت مجموعة “إي إف جي هيرميس” أنه مع نهاية يوم الاثنين، 9 مارس 2026م، كان قد خرج من البلاد نحو سبع مليارات دولار، وذلك منذ منتصف شهر فبراير.
وتشير تقديرات “سيتي بنك” الأمريكي إلى عودة 1.5 مليار دولار في اليوم التالي، بعد أن ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إمكانية انتهاء الصراع سريعًا. وعلى إثر ذلك، استعاد الجنيه المصري بعضًا من قيمته أمام الدولار خلال يومي الثلاثاء والأربعاء.
وقالت رزان ناصر، محللة الشؤون السيادية في شركة “تي رو برايس”، التي تدير أصولًا عالمية بقيمة 1.8 تريليون دولار تقريبًا: “بالنظر إلى حجم الاستثمارات الكبيرة، فمِن الطبيعي أن نشهد تدفقات مالية خارجة من البلاد خلال هذه الفترة المضطربة مع مساعي تقليل المستثمرين للمخاطر”. وأضافت: “تواجه مصر هذه الصدمة من وضع أفضل بكثير مقارنةً بالأزمات الإقليمية والعالمية السابقة”.
وقد انخفضت السندات المصرية المقومة بالدولار بنسبة 2% منذ بدء الحرب، بينما بلغ متوسط الانخفاض في الأسواق الناشئة معدل 1%. وتراجع مؤشر بورصة مصر (EGX30) بنسبة 4.1% حتى الآن هذا الشهر.
السياسة التقليدية
ومع ارتفاع أسعار النفط – والتي تجاوزت 100 دولار للبرميل مجددًا في وقت مبكر من صباح يوم الخميس، 12 مارس 2026م – لم تتردد الحكومة في تحميل المستهلكين التكاليف المتزايدة. فقد ارتفعت أسعار الوقود بنسبة تصل إلى 17% اعتبارًا من يوم الثلاثاء، 10 مارس، وهي أكبر زيادة تحدث بهذا المعدل منذ سنوات.
وقال محلل مجموعة جولدمان ساكس لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فاروق سوسة إن المواقف الحالية بشأن الجنيه المصري والوقود هي علامات على “الالتزام بالسياسة التقليدية”.
وكانت مصر قد عزّزت من احتياطياتها المالية مؤخرًا، مدعومةً بالصفقات السياحة الخليجية وشرائح قروض صندوق النقد الدولي. وقد بلغ صافي الاحتياطيات الأجنبية 52.7 مليار دولار الشهر الماضي، أي بزيادة قدرها 30% تقريبًا عما كانت عليه عند بدء الحرب الأوكرانية. وفي الوقت نفسه، ارتفع صافي الأصول الأجنبية للبنوك التجارية إلى 14.5 مليار دولار في يناير، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2012م.
ومع ذلك، فلا يمكن أبدًا تجاهل الضربة المحتملة للميزانية في مصر ومحاولات إعادة تنشيط وإحياء الاقتصاد من خلال حالة انتعاش مدفوعة بالتصدير والاستثمار من القطاع الخاص.
وبحسب رئيس قسم التحليل الاقتصادي الكلي في بنك الاستثمار “إي إف جي هيرميس” محمد أبو باشا، فإن ارتفاع أسعار النفط والغاز العالمية سوف يزيد الضغط على الميزانية، ومعدل التضخم، والحساب الجاري في مصر. وسوف يتوقف مدى هذا الضغط على تقلبات أسواق الطاقة وطول أمد النزاع، مما يجعل من الصعب قياس تأثيره بدقة.
وقال فاروق سوسة، محلل مجموعة جولدمان ساكس لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: “إذا كان الأمر بالغ الأهمية ويهدد بزعزعة توقعات التضخم، فإن الأنظار ستتجه بطبيعة الحال إلى كيفية رد فعل البنك المركزي المصري على ذلك من حيث معدل أسعار الفائدة”.
وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يوم الثلاثاء إن السلطات على اتصال ببعض المؤسسات الدولية التي كانت قد تعهدت سابقًا بتقديم دعم للميزانية في محاولة لتسريع صرف القروض.
وجدير بالذكر أن مصر، التي تقترب من نهاية برنامجها مع صندوق النقد الدولي الممتد لـ 46 شهرًا، لم تقترح أي تسهيلات جديدة عند انتهاء البرنامج الحالي، ولم تطلب أي تمويل إضافي، وفقًا لمصدر مطلع على الأمر، طلب عدم الكشف عن هويته نظرًا لحساسية الموضوع.
وترى مجموعة جولدمان ساكس أن التمويل الإضافي من صندوق النقد الدولي غير ضروري حاليًا. وقال فاروق سوسة، المحلل بالمجموعة: “يجب أن يكون التأثير على ميزان المدفوعات قابلًا للإدارة دون الحاجة إلى دعم خارجي في معظم السيناريوهات”.
وسيؤدي خفض صادرات الغاز الإسرائيلي إلى مصر، والذي اتُخذ بسبب مخاوف أمنية عقب الضربات الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية في 28 فبراير 2026م، إلى زيادة فاتورة الاستيراد للغاز الطبيعي. وقد اشترت مصر بالفعل شحنتين من الغاز الطبيعي المسال هذا الأسبوع.
ولا يزال من غير الواضح كيف سيتأثر مصدران رئيسيان للعملات الأجنبية في مصر – وهما التحويلات المالية الخارجية (القادمة من المصريين بالخارج) والسياحة.
وأدى ازدياد الثقة بالجنيه المصري إلى تحويلات مالية قياسية من المصريين المغتربين إلى بلادهم خلال العام الماضي، مع أن معظم إجمالي التحويلات البالغ 41.5 مليار دولار أمريكي لعام 2025م جاء من العاملين في دول الخليج. وحتى الآن، لا توجد أي مؤشرات على عودة أعداد كبيرة من المصريين المقيمين في تلك المنطقة، والبالغ عددهم نحو 5 ملايين، بأعداد ملحوظة.
كما تستعد مصر لمواجهة أي تداعيات على قطاع السياحة الحيوي، الذي شهد رقمًا قياسيًّا بلغ 19 مليون زائر في عام 2025م. وقد حقق ذلك حوالي 13.5 مليار دولار من الإيرادات خلال الأشهر التسعة الأولى، وفقًا لأحدث بيانات البنك المركزي المصري المتاحة.
وقد أعلنت غرفة السياحة الأسبوع الماضي أن بعض الإلغاءات “متوقعة وطبيعية في ظل هذه الظروف”. ولم يتأثر القطاع بشكل كبير بحرب غزة المجاورة، حيث ساهم افتتاح متحف الآثار الضخم الذي بلغت تكلفته مليار دولار في نوفمبر في زيادة عدد الزيارات الأجنبية. ولم تتغير تحذيرات السفر الدولية لمصر منذ بدء النزاع الأخير.
وقالت رزان ناصر، محللة الشؤون السيادية في شركة تي رو برايس: “أرى أن الضغوط يمكن السيطرة عليها”، مشيرةً إلى وجود احتياطيات من النقد الأجنبي لدى مصر.
وكما صرح رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي للصحفيين الأسبوع الماضي، فإن السؤال الرئيسي الذي لا يستطيع أحد الإجابة عليه هو: إلى متى ستستمر الحرب؟
(ملحوظة: ساهم في إعداد التقرير مع الصحفية “ميريت مجدي”، مراسلة وكالة بلومبيرج لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الصحفيون: كريم كركايا، وعبد اللطيف وهبة، وطارق الطبلاوي.)




