تقدير موقف

إيران وامتصاص الصدمة.. هل تتجه أمريكا وإسرائيل إلى حرب استنزاف؟

للتحميل والقراءة بصيغة PDF

مقدمة

تشهد منطقة الشرق الأوسط منذ 28 فبراير 2026م واحدة من أخطر جولات التصعيد العسكري منذ عقود، وذلك بعد بدء الضربات العسكرية الواسعة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف إستراتيجية حساسة داخل إيران ضمن عملية هدفها الأساسي هو إسقاط النظام الإيراني.

الضربة الأولى كانت بمثابة الصدمة؛ حيث نتج عنها حدث مفصلي، تمثل في إعلان مقتل المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي في بداية العمليات العسكرية، وهو ما اعتبرته واشنطن وتل أبيب بداية مرحلة انهيار النظام الإيراني.

لكن التطورات اللاحقة لم تسر وفق السيناريو الذي توقعه المخططون لفكر الإنهاء المبكر للحرب تحت وقع صدمة الاغتيالات في أعلى هرم قيادة الدولة الإيرانية؛ فبدلًا من انهيار سريع للنظام، نجحت طهران في احتواء الصدمة الأولية، وإعادة ترتيب هياكل القيادة، وتفعيل أدوات الرد العسكري على مستوى الإقليم وفي العمق الإسرائيلي.

وفي خطوة حاسمة لضمان استمرارية النظام، أعلن “مجلس خبراء القيادة” في إيران، في 8 مارس 2026م، تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا للجمهورية الإسلامية، في توقيت بالغ الحساسية.

ومع استمرار الضربات المتبادلة، وتوسُّع نطاق القصف الجوي والصاروخي المتبادل بين الجانبين، وتزايد انخراط جبهات إقليمية أخرى مثل دول الخليج ولبنان، تتزايد التساؤلات حول طبيعة المرحلة القادمة من الصراع:

هل ما يجري من تصاعد في العمليات سوف ينجح في فرض حسم سريع على إيران؟ أم أن المنطقة تتجه فعلًا إلى حرب استنزاف ممتدة بين محورين متصارعين؟

أولًا: أهداف تكتيك الصدمة، والإخفاق في تحقيق الحسم السريع

اعتمدت الولايات المتحدة وإسرائيل في الضربة الأولى على ما يمكن وصفه بعقيدة “الصدمة”، وهي عقيدة عسكرية تهدف إلى شل قدرة الخصم على اتخاذ القرار عبر توجيه ضربات مركزة وسريعة تستهدف مراكز القيادة والبنية العسكرية الحساسة ورؤوس النظام.

أهداف الضربة الأولى

يمكن تلخيص الأهداف الرئيسة للعملية العسكرية في عدة مستويات:

ضرب القيادة السياسية للنظام الإيراني:

استهداف القيادة العليا كان يهدف إلى إحداث فراغ سياسي يؤدي إلى صراع داخل مؤسسات النظام، بما في ذلك الحرس الثوري والمؤسسة الدينية.

شل القدرات العسكرية الاستراتيجية:

ركزت الضربات على مواقع إطلاق الصواريخ الباليستية ومنشآت عسكرية هامة ومراكز قيادة الحرس الثوري.

كسر هيبة الردع الإيراني:

كانت واشنطن وتل أبيب تسعيان إلى إظهار أن إيران عاجزة عن حماية قادتها وبالتالي شعبها وعمقها الإستراتيجي من الضربات المباشرة، وهو ما قد يؤدي إلى إضعاف الروح المعنوية وتماسك الداخل.

فرض مسار سياسي جديد:

الهدف النهائي كان دفع إيران إلى قبول شروط سياسية وأمنية جديدة تتعلق بنظامها الحاكم، وبرنامجها النووي والصاروخي، وحدود نفوذها الإقليمي.

لماذا لم يتحقق الحسم السريع؟

رغم شدة الضربة الأولى وصدمتها، إلا أن عدة عوامل حالت دون تحقيق الانهيار السريع للنظام الإيراني:

الطبيعة المؤسسية للنظام الإيراني:

النظام الإيراني ليس نظامًا فرديًّا هش البنيان، بل يقوم على شبكة مؤسسات معقدة تشمل: الحرس الثوري، مجلس الأمن القومي، مجلس خبراء القيادة، المؤسسة الدينية. هذه البنية سمحت بامتصاص الصدمة وكذلك القدرة على رد الضربات العسكرية.

جاهزية منظومة الردع العسكري:

تجلى ذلك في استمرارية إيران حتى الآن في إطلاق موجات من الصواريخ باتجاه إسرائيل والأهداف الأمريكية في المنطقة، بعضها وَصَل إلى أهداف إستراتيجية في عمق إسرائيل، كما نجحت في ضرب مواقع هامة مرتبطة بالإنذار المبكر للمنظومة الأمريكية في الشرق الأوسط.

توسع الجبهات الإقليمية:

دخلت جبهة جنوب لبنان على خط المواجهة مع إطلاق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل، وهو ما يعكس إمكانية توسع الصراع إلى جبهات متعددة.

هذه التطورات تشير إلى أن الحرب تعدت بمراحل فكر الضربة الخاطفة، إلى مرحلة صراع مفتوح متعدد الجبهات ويتصاعد تدريجيًّا.

ثانيًا: امتصاص الصدمة ومحافظة النظام الإيراني على تماسكه

أحد أهم الأسئلة في هذه الحرب هو: كيف تمكن النظام الإيراني من الصمود رغم الضربة التي استهدفت رأس الهرم السياسي؟ هذا السؤال يمكن الإجابة عليه من خلال النقاط التالية:

سرعة إعادة بناء القيادة:

أسرع النظام الإيراني إلى اتخاذ خطوة حاسمة بإعلان تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا للجمهورية الإسلامية، وهو نجل المرشد الراحل.

هذا القرار رسالة سياسية وعسكرية مفادها أن النظام مستمر وأن مؤسساته قادرة على إعادة إنتاج القيادة بسرعة.

دور الحرس الثوري:

يُعد الحرس الثوري الإيراني العمود الفقري للنظام، وقد لعب دورًا محوريًّا في إدارة المرحلة الانتقالية من خلال:

(أ) الحفاظ على السيطرة الأمنية داخل البلاد

(ب) إدارة العمليات العسكرية الخارجية

(جـ) منع حدوث أي اضطرابات داخلية

(د) دعم تماسك المؤسسة الدينية والسياسية

رغم خطورة الأحداث على الداخل الإيراني في مرحلة الصدمة الأولى، إلا أنه لم تظهر أي مؤشرات واضحة على انقسامات داخل المؤسسة الدينية أو السياسية في إيران.

بل على العكس، ساهمت الحرب في تعزيز الخطاب التعبوي داخل إيران، حيث جرى تصوير المواجهة باعتبارها حربًا عقائدية ووجودية للأمة الإيرانية بتاريخها العريق ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.

تعبئة الرأي العام:

من خلال الإعلام الرسمي والخطاب السياسي، عملت القيادة الإيرانية على تحويل الصدمة إلى عامل تعبئة وطنية، مستفيدة من التاريخ الطويل للمواجهة مع الغرب.

هذه القدرة على تحويل الضربة إلى عنصر تعبئة تمثل أحد أهم أسباب صمود النظام الإيراني حتى الآن.

ثالثًا: الانتقال من الرد إلى حرب الاستنزاف

مع مرور الأيام الأولى من الحرب، بدأت ملامح استراتيجية إيرانية مختلفة تظهر، تقوم على نقل الصراع من مرحلة الرد المباشر إلى مرحلة تسمى في مباديء القتال “الاقتصاد في القوة” والتوجُّه بذلك نحو الاستنزاف الطويل، من خلال ما يلي:

الحرب الصاروخية:

تواصل إيران إطلاق موجات متتالية من الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، في محاولة لإبقاء الجبهة الداخلية الإسرائيلية تحت الضغط.

توسيع الجبهات الإقليمية:

تعتمد إيران تقليديًّا على شبكة حلفاء إقليميين يمكنهم المشاركة في الصراع، ومن أبرز هذه الجبهات:

لبنان “حزب الله”، العراق، اليمن “جماعة الحوثي”، حيث أن القدرة على فتح عدة جبهات في وقت واحد يمثل أحد أهم أدوات الاستنزاف.

استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة:

كذلك تشمل أدوات الضغط الإيرانية استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، وتهديد الملاحة في الخليج، والضغط على أسواق الطاقة. هذه الأدوات تجعل تكلفة الحرب مرتفعة على الولايات المتحدة الأمريكية.

الحرب النفسية:

تعتمد إيران أيضًا على الحرب النفسية عبر إظهار قدرتها على الصمود، وإقناع خصومها بأن أي حرب طويلة سوف تكون مكلفة للغاية مما يضغط على الرأي العام الأمريكي والإسرائيلي.

رابعًا: معضلة الأهداف المعلنة والتصعيد والاحتواء لدى واشنطن وتل أبيب

مع استمرار الحرب دون تحقيق حسم سريع، تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل معضلة في مواجهة خيارات استراتيجية معقدة:

الخيار الأول:

(التصعيد العسكري)

حيث يحاول هنا الفكر العسكري للتحالف الأمريكي ــ الإسرائيلي تحقيق نصر حاسم يعوض فيه الإخفاق في تحقيق نصر خاطف في بداية الحرب، وذلك بتوسيع الضربات داخل إيران واستهداف البنية العسكرية بشكل أوسع واحتمالية تنفيذ عمليات برية محدودة اعتمادًا على ميليشيات معارضة إيرانية.

لكن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة، أهمها توسع الحرب إقليميًّا، وارتفاع الخسائر، وتزايد اضطراب أسواق الطاقة العالمية.

الخيار الثاني:

(إدارة الصراع دون حسم)

قد تختار واشنطن وتل أبيب إدارة الحرب ضمن سقف معين دون التوجُّه إلى حرب شاملة في الشرق الأوسط، لكن هذا السيناريو يعني عمليًّا الدخول في حرب استنزاف طويلة.

الخيار الثالث:

(العودة إلى المسار السياسي)

في حال استمرار التصعيد وارتفاع كلفة العمليات العسكرية، قد تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى إعادة فتح المسار السياسي، سواء عبر وساطات إقليمية أو قنوات تفاوض غير مباشرة.

فالحرب التي بدأت بالضربات الأمريكية-الإسرائيلية الواسعة على إيران تحولت سريعًا إلى مواجهة إقليمية متعددة الجبهات، مع ضربات إيرانية على أهداف في الخليج وتهديد خطوط الطاقة والملاحة، الأمر الذي رفع كلفة الصراع اقتصاديًّا وأمنيًّا على الولايات المتحدة وحلفائها.

وفي ظل هذه المعادلة، قد يتزايد ضغط دول الخليج لاحتواء الحرب ومنع اتساعها، خصوصًا مع تصاعد المخاطر على إمدادات الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن استمرار الحرب دون تحقيق الهدف الاستراتيجي المعلن، وهو إسقاط النظام الإيراني أو فرض تغيير جذري في توجهاته الأيديولوجية، قد يدفع واشنطن إلى البحث عن تسوية سياسية تعيد ضبط مسار الصراع.

ومع ذلك فإن أي مسار تفاوضي محتمل في المدى القريب لن يكون عودة إلى نقطة ما قبل الحرب، بل سيكون مفاوضات تحت سقف توازنات جديدة فرضتها العمليات العسكرية والردود المتبادلة، وفي ظل واقع ميداني أظهر قدرة إيران على امتصاص الضربة الأولى والاستمرار في القتال، وهو ما سوف يجعل شروط التسوية المقبلة أكثر تعقيدًا وصلابة من جولات التفاوض السابقة.

خاتمة

تكشف التطورات المتسارعة في المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهةٍ، وإيران من جهةٍ أخرى، عن تحوُّل تدريجي في طبيعة الصراع من محاولة فرض حسم سريع إلى صراع مفتوح الرهان فيه على عامل الزمن.

فالضربة الأولى التي استهدفت إحداث صدمة استراتيجية وإسقاط النظام الإيراني سريعًا لم تحقق أهدافها الحاسمة، إذ تمكنت طهران من امتصاص الصدمة وإعادة ترتيب هياكل القيادة السياسية والعسكرية سريعًا، في ظل انتقال السلطة إلى مرشد جديد واستمرار تماسك مؤسسات الدولة.

ومع استمرار الضربات المتبادلة، وتوسُّع نطاق المواجهة عبر مسارح متعددة في الإقليم، باتت ملامح مرحلة جديدة من الصراع أكثر وضوحًا، مرحلة تقوم على إدارة المواجهة ضمن سقف تصعيد محسوب، دون التوجُّه إلى حرب شاملة، ولكن مع استمرار الضغط العسكري والسياسي المتبادل.

وفي هذا السياق، يبدو أن المنطقة تدخل تدريجيًّا في نموذج حرب ممتدة، حيث يسعى كل طرف إلى إنهاك قدرات خصمه وإطالة أمد المواجهة بما يفرض معادلات جديدة على الأرض.

وعليه، قد لا يكون السؤال الحاسم في هذه المرحلة هو: مَن الذي انتصر في الضربة الأولى؟ بل مَن الذي يمتلك القدرة الأكبر على الصمود وإدارة الموارد والتعبئة وبقاء الإرادة في صراع قد يتحول تدريجيًّا إلى حرب إستنزاف؟

المصادر

الجزيرة نت، مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا لإيران خلفًا لوالده، 9 مارس 2026م.

الشرق للأخبار، تقرير: ترامب يعلق على اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا لإيران، 9 مارس 2026م.

يورونيوز عربي، تحليل: كيف تعامل الإعلام الغربي مع تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى لإيران؟، 9 مارس 2026م.

عرب 48، تحليل: إيران تتحدى واشنطن باختيار مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى واستمرارًا لنهج المواجهة، 9 مارس 2026م.

ALJAZEERA, Iran war updates: Trump says conflict may be ‘short-term’ as oil fears rise, 9 March 2026.

PBS News, Analysis: As Iran war deepens, Khamenei’s son named new supreme leader, 9 March 2026.

The Guardian, Analysis: Iran’s new supreme leader brings mystery to Middle East crisis, 9 March 2026.

Reuters, Iran bets on endurance, energy disruption to outlast US, Israel, 10 March 2026.

International Institute for Strategic Studies (IISS) – Iran war risks turning into a battle of endurance, 5 March 2026.

Modern Diplomacy, Known Unknowns and Unknown Unknowns: The U.S.-Israeli War on Iran, 10 March 2026.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى