تقدير موقف

اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان: الدوافع، والدلالات، وإمكانية التنفيذ

المقدمة

يبحث هذا التقدير في اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان، بوصفها محطة مفصلية في إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في منطقة الخليج والشرق الأوسط. فقد انتقلت العلاقات بين البلدين من إطار التعاون العسكري التقليدي إلى مستوى التحالف الدفاعي المُعلَن، بما يتضمنه من التزامات متبادلة وردع مشترك في مواجهة التهديدات الإقليمية.

يستعرض التقدير في محاوره المختلفة السياقات التي أحاطت بتوقيع الاتفاقية ودلالات توقيتها، والرسائل السياسية والأمنية التي تحملها لكلٍّ من الأطراف الإقليمية والدولية. كما يتناول دوافع كلٍّ من الرياض وإسلام آباد، وأسباب استبعاد قوى إقليمية أخرى من الدخول في مثل هذا التحالف. ثم ينتقل لقراءة مواقف الفاعلين الإقليميّين والدوليّين من الاتفاقية، وما تطرحه من احتمالات للتنفيذ أو الاقتصار على الردع الإستراتيجي.

ويخلص التقدير إلى تحليل أثر هذه الاتفاقية على المشهد الأمني في الشرق الأوسط، مع استشراف السيناريوهات المستقبلية المحتملة، سواءً بتفعيل الاتفاق بشكل كامل، أو الاكتفاء به كإطار ردعي، أو تحوُّله إلى اتفاق رمزي محدود.

1 – اتفاقية الدفاع المشترك

وقعت المملكة العربية السعودية وباكستان، في 17 سبتمبر 2025م، اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المشترك، والتي تهدف إلى تطوير جوانب التعاون الدفاعي بين البلدين، وتعزيز الردع المشترك ضد أي اعتدء. وتنصُّ الاتفاقية على أن أي اعتداءٍ على أي من البلدين هو اعتداءٌ على كليهما.

يتضمن الاتفاق – بحسب تصريح لوزير الدفاع الباكستاني، خواجه محمد آصف – استخدام القدرات النووية المتوفرة لدى باكستان في الدفاع عن السعودية، وهو ما أكَّده مسؤول سعودي كبير، بقوله إن هذه “الاتفاقية دفاعية شاملة تغطي جميع الوسائل العسكرية”.

الاتفاقية تنقل العلاقات العسكرية بين السعودية وباكستان من مربع التعاون الدفاعي التقليدي، والممتد منذ حوالي ثمانية عقود، إلى مربع التحالف العسكري؛ لأنها تشتمل على التزام مُعلَن بأمن البلدين، وتضمن الرد المشترك على أي اعتداء محتمل على إحدى الدولتين.

2 – التوقيت والدلالات

جاء توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان بعد أيام من اعتداء إسرائيل على قطر، ومحاولة اغتيال قيادات حركة حماس على أراضيها.

هذا الاعتداء أثار قلق دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، التي ترى أن توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية ليَطال منطقة الخليج يُعَد تهديدًا لأمنها، ويستدعي إعادة النظر في إستراتيجيات الدفاع عن الأمن القومي للمملكة، والتي تعتمد بشكل كبير على الضمانات الأمريكية والشراكات الغربية التي ثبتت هشاشتها في السنوات الأخيرة.

توقيع الاتفاقية في هذا التوقيت، يحمل دلالات كثيرة، منها ما يلي:

  • إدراك السعودية أن إسرائيل تمثل حاليًا تهديدًا أمنيًّا واضحًا لدول الخليج، بعدما تجاوزت الخطوط الحمراء واعتدت على قطر، ولم يَعد التطبيع مع الخليج هو الأهم لديها الآن.
  • اعتقاد السعودية بأن الاعتداء الإسرائيلي على قطر يمكن أن يتكرر ضدها، أو ضد الدول الخليجية الأخرى، وهو ما يهدد أمن الخليج.
  • اكتشاف السعودية أن العلاقات الدبلوماسية وبناء شبكات النفوذ والشراكات مع الغرب عبر الأموال والاستثمارات الضخمة لم تعد وسيلة موثوقة للدفاع عن أمنها القومي.
  • شعور السعودية بعدم الأمان بعد أن تعرَّضت قطر، وهي حليف وثيق للولايات المتحدة، للاعتداء الإسرائيلي، دون تدخل من واشنطن لحمايتها.
  • رهان السعودية على التعاون الإقليمي، واقتناعها بأنه لا يمكن لأي مواجهة مع أعدائها أن تتم إلا بشكل جماعي.
  • استياء السعودية من دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وعدم كبحها جماح العدوان الإسرائيلي الذي لم تعد له حدود.
  • إدراك السعودية أن الولايات المتحدة تقدم أمن إسرائيل على أمن حلفائها التقليديّين، الذين كانوا بعيدين عن دائرة الاعتداءات الإسرائيلية.
  • إيمان السعودية بضرورة تكوين شراكات جديدة توازن بها الشراكة مع الولايات المتحدة والغرب، بعدما ثبت أن أمريكا والغرب لن يتدخلا لصالحها في أي مواجهة مع إسرائيل.

3 – رسائل سعودية وباكستانية

بالإضافة إلى الدلالات التي تحملها الاتفاقية، فإن ثمَّة رسائل عديدة، ترسلها السعودية وباكستان من خلال هذه الاتفاقية. ومنها ما يلي:

  • أن السعودية لن تظل رهينة للشراكات الأمنية مع الولايات المتحدة والغرب، وسوف تسعى لشراكات متنوعة تضمن بها البقاء وعدم التعرُّض لأي تهديد.
  • أن الثقة في الولايات المتحدة كضامن لأمن الخليج تتآكل بعد الهجوم الإسرائيلي على الدوحة وعدم معاقبة إسرائيل على عدوانها.
  • أن السعودية سوف تدخل تحت مظلة الردع النووي الباكستاني، وعلى إسرائيل ألَّا تفكر في الاعتداء عليها، وإلَّا سوف تجد نفسها في حرب مع قوة نووية.
  • أن التحالفات الإقليمية قادرة على التصدي لأي تهديد، حتى في ظِل الدعم الأمريكي لإسرائيل، وعلى إسرائيل أن تأخذ هذه التحركات بعين الاعتبار قبل التفكير في أي اعتداء.
  • أن باكستان لم تعد وحدها في مواجهة التهديدات الهندية التي تتعرَّض لها في ظِل وجود حكومة يمينية متطرفة في نيودلهي.
  • أن باكستان لن تكون وحيدة في حالة تعرضها لاعتداء إسرائيلي، بعد أن تصاعدت التكهنات بأنها على قائمة الاعتداءات الإسرائيلية بعد ضرب إيران، وهو ما صَرَّح به رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حينما قال إن الدور بعد إيران سيكون على باكستان.

4 – الدوافع السعودية

اختارت السعودية باكستان لتعقد معها الاتفاقية بناءً على عدة دوافع، منها ما يلي:

  • الروابط العسكرية التاريخية بين السعودية وباكستان، وسِجِل التعاون العسكري الطويل، الذي يجعل جيش الباكستاني هو الأقرب للجيش السعودي في التدريب وتبادل الخبرات.
  • امتلاك باكستان للسلاح النووي، وهو ما يُدخِل السعودية تحت مظلة الردع النووي الباكستاني، ويوفر لها ردعًا إستراتيجيًّا لا يوجد في الدول الإسلامية إلَّا في باكستان.
  • كفاءة الجيش الباكستاني وخبرته التي صقلتها المواجهات المستمرة مع الهند، والتي ظهرت في المواجهة العسكرية الأخيرة، حيث أظهر كفاءة قتالية عالية ولم يترك للهند فرصة للاعتداء على الأراضي الباكستانية.
  • الاستفادة من الإمكانيات البشرية والمادية لدى الجيش الباكستاني، الذي يُعَد واحدًا من أكبر الجيوش على مستوى العالم، بما يملكه من قوة عسكرية تقليدية مميزة.
  • التعاون مع دولة بعيدة عن صراعات التنافس على زعامة المنطقة العربية، وتعترف للسعودية بالزعامة في العالم الإسلامي بفضل الأماكن المقدسة.
  • وجود توافق سياسي وديني وثقافي بين السعودية وباكستان، وعدم وجود تجارب صدامية أو خلافية بين البلدين، كما هو الحال بين السعودية وتركيا على سبيل المثال.
  • باكستان هي الأقرب جغرافيًّا للخليج من دول إسلامية أخرى تمتلك إمكانيات عسكرية كببرة، مثل ماليزيا وإندونيسيا وتركيا.

5 – الدوافع الباكستانية

صادفت الدوافع السعودية دوافع باكستانية شجعت إسلام آباد على التجاوب مع الرياض والتوقيع على اتفاقية الدفاع المشترك، من هذه الدوافع ما يلي:

  • الرغبة الباكستانية في الاستفادة من الإمكانيات المالية السعودية في الخروج من الأزمة الاقتصادية، عبر الأموال التي سوف تحصل عليها بواسطة هذه الاتفاقية.
  • الاعتماد على الإمكانيات المالية السعودية في تمويل المشاريع الدفاعية وتطوير الصناعات العسكرية الباكستانية التي سوف تزيد من قوة الجيش الباكستاني.
  • ضمان باكستان لوجود حليف مثل السعودية في حالة تعرضها لهجوم من جانب الهند التي تحكمها نخبة سياسية يمينية متطرفة، وتصاعد احتمالات الحرب الشاملة بين البلدين.
  • إيجاد تحالف سعودي باكستاني يزيد من قوة الردع الإستراتيجي الباكستاني في مواجهة إسرائيل التي يمكن أن تهاجم باكستان كهدف مُحتمَل بعد مهاجمة إيران.
  • استغلال الاتفاقية في تعزيز مكانة باكستان في العالم الإسلامي كمشاركة في حماية الأماكن المقدسة، وفي العالم، بعد أن تشارك في مهمة تتولاها الولايات المتحدة في المنطقة.

6 – لماذا باكستان وليس مصر؟

ثمَّة دول إسلامية كبرى يمكن للسعودية الدخول معها في تحالفات عسكرية، على رأسها إندونيسيا وماليزيا وتركيا وإيران ومصر، ولكن بُعْد إندونيسيا وماليزيا الجغرافي عن المنطقة والخلافات التاريخية وصراعات النفوذ بين السعودية وكل من إيران وتركيا، جعلت باكستان هي الأقرب لتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك، للدوافع التي ذكرناها.

ولكن لماذا تمَّ استبعاد مصر من أن تكون الطرف الثاني لمثل هذه الاتفاقية على الرغم من امتلاكها لواحد من أكبر جيوش المنطقة، وعلى الرغم أيضًا من الموقف المصري المُعلَن دائمًا بأن أمن الخليج العربي يُعَد جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وأن أي تهديد يَستهدِف أمن دول الخليج يَمسُّ مباشرة مصالح مصر القومية؟

ثمَّة أسباب عديدة جعلت السعودية تتوجه إلى باكستان وليس إلى مصر، منها ما يلي:

  • أن مصر لا تمتلك الردع النووي الذي يمكن أن يحافظ للسعودية على توازن القوى في مقابل إسرائيل وإيران.
  • أن مصر لديها اتفاقية سلام مع إسرائيل، ولا يمكن أن تنقض هذه الاتفاقية التي أخرجتها من الصراع العربي الإسرائيلي.
  • أن القرار السياسي والعسكري المصري مرهون برضا الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا يمكن للجيش المصري المرتبط بأمريكا في المعونات والتسليح أن يُقدِم على خطوة قد تعرضه لخسارة علاقته بواشنطن.
  • أن النظام المصري – الذي يُعلِن دائمًا تعهده بأمن الخليج – لم يُثبِت حقيقة هذا التعهد في حرب السعودية مع الحوثيّين في اليمن، ورفض المشاركة في الحرب لحسابات خاصَّة.
  • أن السعودية لا تثق في رأس النظام في مصر، وتخشى من تقلباته، وهو ما ظهر في قضية جزيرتي تيران وصنافير، التي يَرفض السيسي تسليمهما للسعودية حتى الآن.
  • أن السعودية تنظر إلى مصر على أنها المنافس لها على زعامة المنطقة الآن، واتفاقية دفاع مشترك تعني أن الرياض بكل ما تملكه من قوة غير قادرة على حماية نفسها وتلجأ إلى القاهرة لحمايتها.

7 – مواقف القوى الإقليمية والدولية

لا يمكن التعامل مع اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان باعتبارها شأنًا ثنائيًّا يقتصر على البلدين؛ فهي تأتي في مرحلة شديدة الحساسية على المستويين الإقليمي والدولي. كما أن تشابك تحالفات الدولتين وخصوماتهما يمنح هذه الاتفاقية أبعادًا تتجاوز الإطار الثنائي، لتنعكس آثارها على توازنات أوسع في المنطقة والعالم. وهو ما يجعل القوى الإقليمية والدولية تنظر إلى هذه الاتفاقية من مناظير مختلفة.

إيران: من المُرجَّح أن تنظر إيران إلى الاتفاقية بقلق وحذر؛ لأنها تعزز الردع السعودي، وتؤثر على موازين القوى بالخليج، لمصلحة السعودية. وربما تنظر إليها طهران على أنها اتفاقية موجهة إليها بشكل غير مباشر وليس إلى إسرائيل فقط. كما أن الاتفاقية تعزز الردع الباكستاني، على حساب إيران أيضًا، وهو ما يقوي وضع باكستان في مواجهة إيران التي تربطها بها علاقات متقلبة، وَصَلت إلى حد تبادل الغارات الجوية في 2024م.

الهند: تخشى الهند من تأثير الاتفاقية على موازين القوى في المنطقة؛ لأنها تُقوي عدوها التقليدي، وهو باكستان، على حسابها، لكن علاقاتها التجارية الواسعة مع السعودية سوف تحول دون اتخاذ أي مواقف ضد الاتفاقية، خاصَّة إذا اعتبرتها نيودلهي اتفاقية ردع إستراتيجي، وليست قابلة للتنفيذ على أرض الواقع. من جانبها، حرصت السعودية على طمأنة الهند، من خلال التأكيد على أن الاتفاقية ليست موجهة ضد أحد، وأن تقوية العلاقات مع الهند سوف تستمر.

مصر: هنأت مصر باكستان على توقيع الاتفاقية مع السعودية، ولكن هذا لا يعني رضا القاهرة عن هذه الاتفاقية التي تُضعِف الدور المصري التقليدي كحجر زاوية للأمن الإقليمي. كما أن هذه الاتفاقية مؤشر على تراجع دور مصر في ظِل حكم السيسي، وتُعَد إهانة للجيش المصري الذي بَدَا في مظهر العاجز عن القيام بما يمكن أن يقوم به الجيش الباكستاني. وربما يدفع ذلك مصر إلى محاولة اللحاق بالترتيبات الأمنية في المنطقة، والانضمام إلى التحالفات الجديدة.

إسرائيل: يُروِّج الإعلام الإسرائيلي إلى أن الاتفاقية استعراض للقوة، ورسالة ردع، وتعكس ضعف القدرة السعودية على التأثير على الولايات المتحدة، وأن الرياض مُجبَرة على التكيُّف مع اعتبارات واشنطن؛ لأن أوراق الضغط التي تملكها محدودة في مقابل الأوراق الإسرائيلية.

الولايات المتحدة: تدرك الولايات المتحدة أن قدرة السعودية على الخروج من تحت المظلة الأمريكية تكاد تكون منعدمة، ولهذا فمِن المستبعد أن تعارض هذه الاتفاقية الموقعة بين حليفين لها، مادامت في إطار التعاون المشترك الذي لا يهدد أمن إسرائيل، ولا يؤدي إلى خطوات حقيقية تخل بموازين القوى بالمنطقة، أو تغير طبيعة الردع النووي فيها.

الصين: هذه الاتفاقية مهمة للصين؛ لأنها تزيد من قوة حليفها التقليدي باكستان في مواجهة عدوها التقليدي وهو الهند. كما أنها تحمي أمن السعودية، الأمر الذي يحافظ على أمن مصادر الطاقة التي يعتمد عليها الاقتصاد الصيني.

8 – إمكانية تنفيذ الاتفاقية

التوقيع على اتفاقية دفاع مشترك في المنطقة العربية لا يعني بالضرورة أن الاتفاقية قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، وقد يتوقف الأمر عند استخدام هذه الاتفاقية كعامل ردع إستراتيجي، يجعل العدو يُحجِم عن مهاجمة إحدى الدولتين مخافة اشتراك الأخرى في صده والدخول معه في حرب، فيَجد نفسه أمام جبهتين وليس جبهة واحدة، وربما يجد نفسه أمام تحالف يجمع الدول الصديقة لإحدى الدولتين الموقعتين على اتفاقية الدفاع المشترك أو لكليهما معًا.

والتجارب التاريخية والمعاصرة تشير إلى أن الدول العربية لا تلتزم باتفاقيات الدفاع المشترك، وأولها “اتفاقية الدفاع العربي المشترك”، التي وُقعت في 1950م، ولم تُفعَّل رغم كثرة الحروب والتدخلات العسكرية في العالم العربي.

وعلى مستوى الخليج، هناك اتفاقية الدفاع المشترك، وقوات “درع الجزيرة”، التي من المفترض أن تدافع عن دول مجلس التعاون الخليجي إذا تعرضت إحداها للاعتداء، وهو ما لم يحدث في اعتداء إسرائيل على قطر.

ثمَّة أسباب لعدم التزام الدول العربية باتفاقيات الدفاع المشترك، أهمها ما يلي:

رعاية المصالح وتجنب الصدام: السبب الأول في عدم التزام الدول العربية باتفاقيات الدفاع المشترك هو ارتباط هذه الدول باتفاقيات وتحالفات تمنعها من اتخاذ قرارات سياسية وعسكرية مشتركة، خوفًا من تعرُّض مصالحها للخطر في حال تعارض الدفاع المشترك مع هذه الاتفاقيات والتحالفات. فمصر على سبيل المثال، لا تستطيع الدخول في حرب ضد إسرائيل دفاعًا عن دولة عربية تتعرَّض للاعتداء، لأسباب كثيرة، منها اتفاقية السلام مع إسرائيل، والعلاقات مع الولايات المتحدة.

رعاية المصالح وتجنب الصدام منعا دولةً نوويةً عظمى مثل روسيا من النصِّ على “الدفاع المشترك” في اتفاقية الشراكة الإستراتيجية الشاملة، التي وقعتها مع إيران، فاكتفت بالنصِّ على “التزام الطرفين بعدم تقديم أي دعم للمعتدي إذا تعرَّض أحدهما للعدوان”.

تعريف العدو المشترك: السبب الثاني هو الاتفاق على تعريف للعدو المشترك. لقد وَصَل تشتت الدول العربية الآن إلى حد انعدام وجود تعريف مشترك للعدو، وهو ما صَرَّح به الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، حسام زكي، الذي استبعد تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، لأن الدول العربية “ليس لديها تعريف لعدو مشترك يتم تفعيل الاتفاقية ضده”.

غياب العدو المشترك قد يؤدي أيضًا إلى تجميد اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان واقتصارها على جانب الردع؛ لأن العدو التقليدي للسعودية هو إيران وليس إسرائيل، التي كانت على وشك التطبيع معها قبل 7 أكتوبر، وقد تعود لمسار التطبيع إذا انتهت الحرب في غزة وسقطت حكومة نتنياهو. أما باكستان، فالعدو التقليدي لها هو الهند، والهند ليست عدوًّا للسعودية.

استقلالية القرار السياسي والعسكري: السبب الثالث الذي يحول دون الالتزام باتفاقيات الدفاع المشترك هو انعدام القدرة على اتخاذ قرار سياسي أو عسكري باستقلالية كاملة، لخضوع أحد طرفي الاتفاقية أو كليهما لهيمنة قوة دولية أكبر.

وتبعية النظام السعودي للولايات المتحدة لا تحتاج إلى دليل، أما باكستان فهي حليف رئيس للولايات المتحدة من خارج الناتو، والجيش الباكستاني شريك رئيس في الحرب الأمريكية على “الإرهاب”، ولديه علاقات وثيقة بواشنطن، ويتلقى منها مساعدات عسكرية وأمنية ضخمة، الأمر الذي يُشكِّك في إمكانية دخوله الحرب إلى جانب السعودية في حالة تعرضها لاعتداء إسرائيلي.

السؤال الذي يجب أن نطرحه الآن، هو: ماذا ستفعل باكستان إذا نشبت حرب بين السعودية وإيران؟ هل ستهاجم باكستانُ إيرانَ وتشتبك معها في حرب رغم وجود علاقات جيدة بين البلدين الآن؟ أم ستقف على الحياد؟ وهل تهاجم السعودية الهندَ إذا اشتبكت في حرب مع باكستان رغم العلاقات السعودية الهندية الواسعة أم ستقف على الحياد؟

وإذا افترضنا جدلًا أن باكستان سوف تحارب إلى جانب السعودية في حال تعرضها لاعتداء إسرائيلي، فهل تستطيع السعودية الانقلاب على الحليف الأمريكي واتخاذ قرار بالحرب إلى جانب باكستان إذا تعرضت لمثل هذا الاعتداء؟

هذه الأسئلة تجعلنا نذهب إلى القول بأن المتوقع لاتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان هو أن تظل في حدود الردع الإستراتيجي للدول التي يمكن أن تدخل في مواجهة معهما، وهي إسرائيل وإيران والهند، مع استبعاد تنفيذها على أرض الواقع.

9 – أثر الاتفاقية على الشرق الأوسط

يَرى محللون أن اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان تمثل تحولًا عميقًا في نظرة دول المنطقة إلى الضمانات الأمنية الأمريكية، خاصَّة بعد أن تمادت إسرائيل في عدوانها على الدول العربية والإسلامية، بمساعدةٍ غير مسبوقة من أمريكا.

هذا التحوُّل قد يؤدي إلى إعادة تشكيل المشهد الأمني في منطقة الشرق الأوسط، من خلال عقد اتفاقيات أمنية ثنائية، أو متعددة الأطراف، أو بناء شراكات جديدة بين الدول العربية والإسلامية، لحماية أمن الدول بشكل مستقل، بعيدًا عن المظلة الأمنية الأمريكية.

وهذه الاتفاقيات والشراكات الجديدة قد تؤدي بدورها إلى إيجاد نوع من توازن القوى في المنطقة، وربما تعزز عامل الردع الإستراتيجي في مواجهة إسرائيل، أو أي دولة تحاول الاعتداء على الدول العربية والإسلامية.

وإذا نظرنا إلى الاتفاقية بين السعودية (بما تملكة من رمزية دينية) وباكستان (كدولة نووية إسلامية كبرى) من منظور رمزي إسلامي، سنجد أنها قد تتيح الفرصة لإعادة إحياء خطاب الأمن الإسلامي الجماعي، الذي يمكن أن تكون نواته اتفاقيات ثنائية، ما تلبث أن تتوسع لتضم دول أخرى، وصولًا إلى منظومة أمنية إسلامية.

 في هذا السياق، لابد من رصد حركة التعاون الثنائي المتزايد بين الدول العربية والإسلامية بسبب العدوان الإسرائيلي وزيادة التوتر في المنطقة، والتي تجلَّت في اتفاقيات للتصنيع العسكري، بين دول مثل مصر وتركيا، وتركيا وإندونيسيا.

10 – السيناريوهات المحتملة

ثمَّة سيناريوهات محتملة لمستقبل اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان، وهذه السيناريوهات على النحو التالي:

سيناريو التفعيل الكامل:

  • التوصيف: تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بصورة كاملة.
  • عوامل التحقق: تعرُّض السعودية أو باكستان لاعتداء أو ضربة كبيرة تستهدف المنشآت الإستراتيجية، وتصاعد فقدان الثقة السعودية بالضمانات الأمنية الأمريكية، وامتناع الولايات المتحدة عن تقديم دعم عسكري ملحوظ للسعودية لصد أي عدوان.
  • الاستجابة للسيناريو: تحديد العدو المشترك، وتكثيف التعاون العسكري، والتدريبات المشتركة، والبدء في برامج تصنيع عسكري متقدمة، وإقامة قواعد باكستانية على الأراضي السعودية، ونشر وحدات من الجيش الباكستاني في السعودية، ونقل أسلحة إستراتيجية باكستانية (ربما نووية) إلى السعودية.
  • ملاحظة تحليلية: هذا السيناريو هو أسوأ ما يمكن أن يواجه المنطقة العربية؛ لأنه يرتبط بحرب كبرى بين إحدى الدولتين ودولة ثالثة، قد تكون دولة الاحتلال، أو إيران، أو الهند. وقد يؤدي ذلك إلى حرب إقليمية واسعة.

سيناريو التفعيل الجزئي:

  • التوصيف: تحويل اتفاقية الدفاع المشترك إلى إطار ردع فقط.
  • عوامل التحقق: عدم تعرُّض السعودية وباكستان لاعتداء خارجي كبير يستوجب إعلان الحرب على طرف ثالث، ورغبة السعودية في تجنب الصدام المفتوح مع القوى الإقليمية والولايات المتحدة، وتفهم واشنطن لمخاوف الرياض ورغبتها في وجود هامش للتعاون مع دول أخرى في إطار محدود وواضح.
  • الاستجابة للسيناريو: عدم وجود مؤشرات على تعاون نووي، وعدم نشر دائم للقوات، والتركيز على الجانب الاستخباراتي والجوانب الدفاعية، والبُعد عن أي تحركات يمكن أن تثير حفيظة القوى الإقليمة والدولية أو يمكن تفسيرها على انها ذات طابع هجومي.
  • ملاحظة تحليلية: هذا السيناريو هو المُرجَّح، نظرًا لتعقيدات المشهد في المنطقة، وعدم قدرة الطرفين على التحرُّك خارج إرادة الولايات المتحدة والمخاطرة بأي إجراء يثير مخاوف القوى الإقليمية والدولية منهما.

سيناريو الجمود:

  • التوصيف: بقاء الاتفاقية بشكل رمزي، وتحولها إلى أداة إعلامية وسياسية.
  • عوامل التحقق: الضغط الأمريكي على السعودية وباكستان لوقف التعاون وتجميده، وحدوث تغييرات في باكستان أو السعودية تجعل إحدى الدولتين غير قادرة على الالتزام بالاتفاقية، وتحسن العلاقات السعودية الأمريكية والسعودية الإسرائيلية.
  • الاستجابة للسيناريو: عدم وجود مظاهر واضحة لتنفيذ الاتفاق على أرض الواقع، تشير لحدوث نقلة من التعاون التقليدي إلى التعاون في شكله الجديد. وبقاء المظلة الأمنية الأمريكية، وتعهد واشنطن بضمان أمن السعودية وعدم تعرضها لأي اعتداء إسرائيلي، وعودة السعودية إلى مسار التطبيع مع إسرائيل. 
  • ملاحظة تحليلية: هذا السيناريو ينقل الاتفاقية من المربع العسكري إلى المربع السياسي، لتتحول إلى ورقة ضغط في يد السعودية، في مقابل مساعدات مالية محدودة لباكستان. وهذا سيؤدي لفقدان المصداقية في الاتفاقية.  

تقدير عام

اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان تعكس تحوّلًا إستراتيجيًّا في نهج الرياض نحو تنويع تحالفاتها الدفاعية بعيدًا عن الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تمنح باكستان دورًا أوسع في أمن الخليج والمنطقة. ورغم الرسائل القوية للردع الإقليمي، تبقى إمكانية التنفيذ العملي محدودة بفعل القيود الجيوسياسية، والعلاقات الدولية المعقدة، وتبعية الطرفين لقوى كبرى. لذلك، يُرجَّح أن تظل الاتفاقية في إطار الردع الإستراتيجي، مع إمكانات محدودة للتدخل الفعلي على الأرض، لكنها تمثل مؤشرًا واضحًا على اتجاه الشرق الأوسط نحو تحالفات إقليمية جديدة واستقلالية نسبية في الأمن.

الخاتمة

تكشف اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان عن إدراكٍ متزايدٍ لدى الرياض بضرورة البحث عن بدائل عملية للتحالفات التقليدية، وعن رغبة إسلام آباد في استثمار موقعها النووي والعسكري لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية. غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في نصوص الاتفاقية أو رسائلها السياسية، بل في قدرتها على الصمود أمام ضغوط القوى الكبرى وتشابك مصالح الأطراف الإقليمية.

إن مستقبل هذه الاتفاقية سيظل مرهونًا بميزان دقيق بين الردع والقدرة على التنفيذ، وبين الحاجة إلى بناء تحالفات جديدة والارتباط الوثيق بالمظلة الأمريكية. وفي ظِل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، فإن الاتفاقية قد تصبح إما مدخلًا لتغيير قواعد اللعبة الأمنية في الشرق الأوسط، أو مجرد ورقة ضغط ظرفية لا تتجاوز حدود الإعلان السياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى