ترجماتغير مصنف

هورن ريفيو: الاقتصاد العسكري المصري والمنطق السياسي للحكم العسكري في مصر

في السادس والعشرين من ديسمبر 2025م، نشر موقع “هورن ريفيو“، وهو منصة بحثية ودار نشر مستقلة رائدة تتخذ من أديس أبابا مقرًا لها، وتتخصص في تقديم تحليلات معمقة ورؤى استراتيجية حول القضايا السياسية والدبلوماسية والأمنية الحرجة التي تؤثر على القرن الإفريقي والمشهد السياسي العالمي، مقالًا بعنوان: “الاقتصاد العسكري المصري والمنطق السياسي للحكم العسكري في مصر” لـ “بيثيلهم فكرو”، الباحثة في موقع “هورن ريفيو”.

تقول الباحثة إنه من أجل فهم الاقتصاد العسكري في مصر، لا بد من النظر إليه ليس فقط كسلسلة من الاستثمارات المنعزلة، بل كمكون أساسي في أجندة الحوكمة في البلاد. فالجيش في مصر هو قوة تنظيمية رئيسية في الدولة، حيث يفوق حجم  المؤسسة العسكرية حجم باقي المؤسسات في الدولة.

وبذلك، يُعظّم الاقتصاد العسكري النتائج الاقتصادية بطريقة تُشير في الواقع إلى دوافع سياسية من وراء ذلك وليست اقتصادية فقط. حيث يؤكد التقرير أن الاقتصاد العسكري في مصر، كخيار حوكمة، قد تَشكّل بفعل حالة عدم الاستقرار السياسي في البلاد وضعف المؤسسات الأخرى.

وتتساءل الباحثة حول إمكانية تطور الاقتصاد العسكري في مصر لدعم القدرة التنافسية على المدى الطويل، وتقول إن هذا السؤال يبقى مطروحًا، وهو سؤال سيُحدد مسار مصر الاقتصادي والسياسي لما بعد العقد الحالي.

وفيما يلي يقدم منتدى الدراسات المستقبلية ترجمة كاملة للتقرير الذي نشره موقع “هورن ريفيو“، لـ ” بيثيلهم فكرو”، الباحثة في المنصة، وذلك على النحو التالي:

الاقتصاد العسكري المصري والمنطق السياسي للحكم العسكري في مصر

حرص الجنرال عبد الفتاح السيسي منذ توليه السلطة (بعد انقلاب عسكري قاده على الرئيس المنتخب محمد مرسي) عام 2013م على إحداث تحول جذري في كيفية إدارة الدولة المصرية، ليس فقط في المجالين الأمني ​​والسياسي في البلاد، بل أيضًا في بنية الاقتصاد المصري نفسه.

فما كان يبدو كمجرد جيب اقتصادي عسكري معزول، تطور خلال العقد الماضي إلى نموذج مهيمن لرأسمالية الدولة، حيث لم يعد الدور الذي يقوم به الجيش المصري يقتصر على كونه مؤسسة دفاعية فحسب، بل إنه قد أصبح المحرك الاقتصادي الرئيسي للنظام في البلاد.

ويعكس هذا التحول أولويات الجنرال السيسي السياسية، ويمثل نظامًا ناشئًا لنوع من الحوكمة الاقتصادية يُعطي الأولوية للسيطرة والهيمنة العسكرية على حساب النمو المستدام والشامل للاقتصاد المصري.

ويكمن جوهر هذا التحول الكبير في حسابات استراتيجية مهمة: فالجيش لم يعد بعد مجرد أداة للإكراه فقط، بل أصبح أداة للتحكم الاقتصادي في البلاد. ففي السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، كانت أنشطة الجيش التجارية في مصر تقتصر إلى حد كبير على المحسوبية الداخلية والامتيازات والمزايا الإضافية للكوادر العسكرية وضبَّاط وقادة الجيش، والتي لم تُحدِث بدورها تغييرًا جذريًّا في موازين الاقتصاد الوطني المصري.

كانت هذه المشاريع الاقتصادية (التي يديرها الجيش) في معظمها بمثابة “جيب” معزول عن الديناميكيات الأوسع للاقتصاد المصري، وكان الهدف الأساسي منها ضمان ولاء النخب العسكرية (إلى حد كبير).

إلا أن الأمر تغير تمامًا في عهد عبد الفتاح السيسي، حيث تم توسيع هذا النموذج وتعميقه (في الاقتصاد المصري)، مما وضع الجيش في صميم التخطيط والتنفيذ والتملك لمفاصل الاقتصاد الوطني المصري.

ولطالما دافع الجنرال السيسي عن هذا التوسع مستخدمًا لغة وتعبيرات “الكفاءة” و”القدرة الوطنية”. وبينما يتم تصوير المؤسسات المدنية عادةً على أنها مؤسسات “فاسدة”، و”خاملة”، و”غير قادرة على تحقيق النتائج”، ففي المقابل، يتم تصوير المؤسسة العسكرية على أنها قوة “منضبطة”، و”تكنوقراطية”، و”قادرة على التنفيذ” على نطاق واسع وبسرعة فائقة.

وينسجم هذا الخطاب مع سردية سياسية أوسع نطاقًا، مفادها أنه: بينما يتوجَّب على الدولة أن تسارع بإظهار إنجازات ملموسة على الأرض، فإن الواقع أن الجيش وحده هو مَن يملك القدرة على تحقيقها. إنه منطق يُعلي من شأن فرض “النظام” و”الرؤية” الخاصَّة (المرتبطة بإظهار الزهو والعُجب) على حساب “الحوكمة التشاركية” أو “الابتكار الاقتصادي”.

وأبرز مثال على ذلك هو مشروع العاصمة الإدارية الجديدة لمصر، وهو مشروع ضخم يقع شرق القاهرة وتُقدَّر تكلفته بعشرات المليارات من الدولارات، وقد رَوَّج له الجنرال السيسي نفسه بأنه يُعَدّ دليلاً على قدرات الدولة.

ولكن عملية إنشاء وتطوير تلك الـ “العاصمة الإدارية الجديدة” إنما تم تحت إدارة مؤسسات عسكرية تابعة للجيش المصري وبتمويل من القروض الخارجية (التي أثقلت كاهل البلاد)، والتي يمكن اعتبارها تجسيدًا واضحًا لكل من “القدرات” و”نقاط الضعف” للنموذج العسكري (في الهيمنة والسيطرة على الاقتصاد الوطني).

وعلى الرغم من رمزيتها المهيبة، وأبراجها الشاهقة، وشوارعها الواسعة، واستثماراتها الضخمة في البنية التحتية، فإن الغموض يبقى هو سيد الموقف حيال المبرّر والجدوى الاقتصادية وراء إنشاء هذا المشروع الضخم.

وكما يُقال في مثل هذه المواقف في أغلب الأحيان، فإن العديد من مثل تلك المشاريع الضخمة “تستنزف رؤوس الأموال” باسم “الرمزية” (الكاذبة)، لكنها في واقع الأمر تفشل في توفير فرص عمل طويلة الأجل أو درّ عائدات ذات بال من العملات الأجنبية.

حيث دأبت جهات (مالية) دولية، وحتى من داخل القطاع الخاص المصري، على تحذير الحكومة والضغط عليها لضرورة تجنب الإفراط في اعتماد الدولة على استنزاف احتياطيات النقد الأجنبي جرّاء سياساتها الاستثمارية الضخمة، من هذا القبيل.

وفي معرض الدفاع عن الجنرال السيسي، يقول مناصروه إن تغيير البنية التحتية يتحتم أن يتم بحزم شديد وقبضة حديدية (من خلال شركات الجيش)؛ حيث يجادلون بأن البيروقراطية المصرية غير قادرة على تنفيذ استثمارات البنية التحتية بالسرعة الكافية.

في حقيقة الأمر، فإن ثمّة جانب من الحقيقة في أن الفساد والبيروقراطية المفرطة داخل أروقة الحكومة قد أعاقا النمو في البلاد على مدى فترة طويلة.

لكن مع التدخل العسكري (في مفاصل الاقتصاد)، ليس فقط في مجال البنية التحتية، بل في قطاعات صناعية هامة كإنتاج الحديد والصلب والإسمنت وكذلك في شؤون الزراعة وحتى تجارة التجزئة وغيرها، فإنه يبدو أن ثمّة مشكلة جوهرية تتمثل في أن سلطة الدولة إنما تخنق المشاريع بدلًا من دعمها.

لقد بلغ نفوذ الجيش وتغلغله في المجتمع حدًّا جعل الشركات التابعة له تنافس شركات القطاع الخاص بشكل مباشر، في الوقت الذي يحصل الجيش فيه على أفضل الامتيازات (التي لا تتوفر للقطاع الخاص) على غرار: الإعفاءات الضريبية والمعاملة المالية الخاصة، والتي لا تحظى بها بالطبع الشركات الأخرى التابعة للقطاع الخاص.

إن هذا التنافس في الحقيقة لا يُعدّ مجرد أثر جانبي (للهيمنة العسكرية على الاقتصاد)، بل هو سمة طبيعية للنظام القائم، تحت قيادة السيسي. وقد وصف البعض النمو الاقتصادي الناتج عن ذلك، والذي حققته شركات الجيش، بأنه نوع من “رأسمالية” الدولة، حيث يتم تحقيق “النفوذ” من خلال كيانات ضخمة مثل صندوق “تحيا مصر”، و”صناديق الثروة السيادية”، و”المصانع العسكرية”، على حساب “القطاع الخاص”.

ووفقًا لبعض الخبراء، فقد أدى ذلك السلوك إلى استنزاف “رأس المال” الوطني، وانخفاض قيمة سعر الصرف، وتشوهات كبيرة في القطاعات الاستراتيجية، مما خلق توترًا بين الهيئات العالمية التي دأبت على اقتراح المضي قُدُمًا في الخصخصة في حالة دول مثل مصر من أجل تحقيق التقدم الاقتصادي، في ظل قلة ما يمكن تحقيقه في عملية الخصخصة العسكرية.

وترتكز المبررات السياسية لهذا الدور الموسَّع لهيمنة النشاط الاقتصادي للجيش على شقين اثنين، هما:

أولاً، يعمل الجيش كـ “عامل استقرار” للنظام القائم في سياق سياسي لا يمكن فيه اعتبار تماسك النخب أمرًا محسومًا أو مفروغًا منه. فمن خلال دمج الضبَّاط في الشبكات الاقتصادية الواسعة ومنحهم السيطرة على القطاعات المُربحة، يخلق النظام الحاكم مصالح راسخة لتلك النُخَب تتوافق مع ضرورة بقائه والحفاظ عليه.

ثانياً، يُشكِّل الوجود الاقتصادي للجيش أداةً لإضفاء الشرعية على نظام الحكم محليًّا ودوليًّا: إذ تُصبح المشاريع دليلًا على الكفاءة، ويتم تسويق “مصر السيسي” على أنها مفتوحة للاستثمار وقادرة على تحقيق إنجازات تحويلية.

إلا أن هذا في واقع الأمر يُخفي حقيقة أن البنية التحتية الظاهرة لا يمكن ترجمتها بشكل تلقائي إلى نمو واسع النطاق أو تحسينات في الإنتاجية.

لقد بات تأثير هذا الاقتصاد السياسي الذي تم عسكرته، جليًّا بالفعل، في واقع الحال. وكذلك الشكاوى التي طالما عبر عنها المستثمرون من القطاع الخاص، من العائلات المصرية العريقة، إلى العواصم الإقليمية، بشأن عدم تكافؤ الفرص (في ظل هيمنة الجيش على الاقتصاد).

وهناك مستثمرون مصريون من هؤلاء قاموا بالفعل بتنويع استثماراتهم في دول مجاورة أخرى، حيث يشعرون بأن استقرار السياسات فيها أكثر موثوقية من تلك المتوفرة في بلادهم.

ومن جهة أخرى، فإن البيانات الاقتصادية المحلية، من التضخم إلى البطالة وغيرها، تشير إلى مشاكل لا تستطيع تلك المشاريع الضخمة معالجتها.

وفي النهاية، فإنه من أجل فهم الاقتصاد العسكري في مصر، فلا بد من النظر إليه ليس فقط كسلسلة من الاستثمارات المنعزلة، بل كمكوّن أساسي في أجندة الحكم الحالية.

فالجيش في مصر أصبح قوة تنظيمية رئيسية في الدولة، تفوق في حجمها حجم باقي مؤسسات الدولة. وبذلك، يحقق الجيش أقصى قدر من العوائد الاقتصادية، وذلك إنما يشير في جوهره إلى دوافع سياسية، لا اقتصادية فحسب.

ولذلك، فإنه ينبغي فهم الاقتصاد العسكري المصري لا باعتباره حالة شاذة، بل كخيار حوكمة قد تشكل في واقع الأمر بفعل “عدم الاستقرار السياسي” و”ضعف مؤسسات الدولة”.

لقد حقق هذا النموذج العسكري في الواقع فرض “النظام” و”الرؤية” (الخاصَّة) في خضم منعطف حاسم، وسط ضعف مؤسسات الدولة، لكن ذلك إنما جاء على حساب “المرونة” و”الاحتواء” للجميع.

ويبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كان هذا النموذج قادرًا على التطور لدعم القدرة التنافسية على المدى الطويل، وهو سؤال سيؤثر على المسار الاقتصادي والسياسي لمصر لفترة تتجاوز العِقد الحالي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى