الخبر:
بعد زيارة استمرت عشرة أيام، من 1 إلى 11 ديسمبر 2025م، أعلن صندوق النقد الدولي، في 23 ديسمبر، توصُّله إلى اتفاق أوّلي على مستوى الخبراء مع الحكومة المصرية بشأن المراجعة الحاسمة لأجندة الإصلاح الاقتصادي، وإقرار المراجعتين الخامسة والسادسة، بما يتيح صرف تمويل بقيمة 2,5 مليار دولار ضمن برنامج دعم القاهرة في مسار تحرير الاقتصاد.
وفي حال موافقة المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على الاتفاق الأوّلي، سيتم الإفراج عن 2,5 مليار دولار من القرض الموسّع البالغ 8 مليارات دولار، إضافةً إلى 1,3 مليار دولار في إطار اتفاق أُبرم في فترة سابقة من العام.
وكان الصندوق قد أقرّ، في مارس 2024م، حزمة تمويل موسّعة بقيمة 8 مليارات دولار تمتد على قرابة أربع سنوات، لمصر التي تواجه إحدى أسوأ أزماتها الاقتصادية في تاريخها، وذلك مشروطًا بتنفيذ سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية. وفي مارس 2025م، وافق الصندوق على منح القاهرة قرضًا إضافيًّا بقيمة 1,3 مليار دولار.
جاء في بيان صندوق النقد الدولي أن “الاقتصاد المصري يُظهر مؤشرات على نمو قوي، إذ ارتفع النشاط الاقتصادي إلى 4.4% في السنة المالية 2024/2025م، وتحسّن ميزان المدفوعات بشكل ملحوظ، على الرغم من التطورات الخارجية السلبية، كما لاقت الجهود الأخيرة لتحسين تسهيل التجارة وتبسيط الإجراءات الضريبية ترحيبًا من القطاع الخاص.
وأضاف البيان أن سياسة نقدية متشددة ومناسبة أسهمت في خفض التضخم، في حين دعم الأداء القوي للإيرادات الضريبية الانضباط المالي، مؤكدًا ضرورة استمرار السياسة المالية في خفض الدين، مع إعطاء أولوية للإنفاق الاجتماعي لحماية الفئات الأكثر ضعفًا، إلى جانب تسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية، ولا سيما المتعلقة بدور الدولة، وبرنامج الخصخصة، وتحقيق تكافؤ الفرص.
التعقيب:
كان لافتًا أن بيان الصندوق استُهلّ بنبرة إيجابية غير معتادة، وهو تحوُّل فسّره موقع “إنتربرايز” بوصفه إشارة إلى توافق قادة الأعمال الذين التقاهم فريق الصندوق في مصر على أن الاقتصاد يسير في الاتجاه الصحيح.
وتختلف نبرة البيان المنسوب إلى رئيسة بعثة الصندوق، إيفانا فلادكوفا هولار، اختلافًا جذريًّا عن لهجة البيانات المتشددة التي صاحبت المراجعات السابقة، ولا سيما تلك التي أُقرت قبل عام واحد. إذ يفتتح البيان الحالي بجملة كان يصعب تخيُّلها قبل 18 شهرًا: “حققت جهود الاستقرار مكاسب مهمة، ويُظهر الاقتصاد المصري علامات على نمو قوي”، دون عبارات تحفّظ أو استدراكات معتادة.
حتى الانتقادات الواردة في البيان جاءت مخففة، إذ أشار الصندوق إلى أن نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي لا تزال متواضعة بالمعايير الدولية عند 12.2%، وأن انحسار التضخم “لم يُرسَّخ بعد بصورة كافية”، كما لفت إلى حاجة البنوك المملوكة للدولة إلى ممارسات حوكمة أكثر قوة واستدامة، وإلى ضرورة تسريع برنامج الطروحات الحكومية.
كما تضمّن البيان لهجة أقل حدّة تجاه برنامج الخصخصة، بما في ذلك الشركات التابعة للقوات المسلحة، مع التأكيد على ضرورة تسريع الإصلاحات التي تتيح للقطاع الخاص مساحة أوسع للنمو، تمهيدًا للانتقال إلى نموذج اقتصادي أكثر استدامة.
وحث الصندوق الحكومة على تسريع “جهود تقليص دور الدولة، بما في ذلك تحقيق تقدم أكبر في برنامج الطروحات، وبذل مزيد من الجهود لتحقيق تكافؤ الفرص، وتجنب إنشاء أو توسيع أنشطة الشركات المملوكة للدولة والهيئات الاقتصادية الأخرى”، بحسب البيان.
النتيجة المتوقعة للتوصُّل لهذا الاتفاق هي تدفق نحو 3.8 مليار دولار إلى خزينة الدولة المصرية عندما يوافق المجلس التنفيذي للصندوق على المراجعات في يناير 2026م (2.5 مليار دولار من المراجعتين الخامسة والسادسة لتسهيل الصندوق الممدد، و1.3 مليار دولار أخرى من المراجعة الأولى لتسهيل الصلابة والاستدامة)، ما يَعني حصول مصر على نحو 5.7 مليار دولار من إجمالي المدفوعات في إطار تسهيل الصندوق الممدد حتى الآن.
أهمية الاتفاق أن صندوق النقد الدولي يقدم جزءًا كبيرًا من التمويل مقدما، بما يمنح مجلس الوزراء المصري هامش أمان جيد في السيولة في بداية عام 2026م، غير أن هذا التطور يتزامن مع ارتفاع متوقع في أعباء خدمة الدين.
فقد رفع البنك المركزي المصري، في بيان نوفمبر 2025م، تقديراته لخدمة الدين الخارجي خلال عام 2026م إلى نحو 29.18 مليار دولار، تشمل الأقساط والفوائد، مقارنة بـ 27.87 مليار دولار سابقًا، مع زيادة في بند الفوائد بنحو 250 مليون دولار.
ومن هذا المجموع (29.18 مليار دولار)، يقدر الجزء الخاص لفوائد الدين الخارجي فقط في تقديرات البنك المركزي بحوالي 5.4 – 5.5 مليار دولار في عام 2026م، وهذا الرقم يمثل فقط فوائد الديون الخارجية، أي الفائدة التي تدفعها مصر لليوروبوند أو القروض الدولية وغيرها، وليس الأقساط (أصل الدين نفسه).
ووفق تقرير وزارة المالية، فإن فوائد الدين وحدها تجاوزت إيرادات الموازنة خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026م بنحو 50.4 مليار جنيه، وهو ما يعكس حجم الأعباء الكبيرة حتى قبل دخول عام 2026م بالكامل.
أي أن ارتفاع فوائد الديون يعني: زيادة ضغط على الموازنة العامة، وتقليص الموارد المتاحة للصرف على الصحة والتعليم والبنية التحتية، وحاجة أكبر إلى اقتراض جديد لسداد الفوائد، الأمر الذي يخلق حلقة دين متجددة، وزيادة الضغط على المالية العامة مع احتمال ارتفاع معدلات الفائدة العالمية.
العِبء المتوقع من الفوائد الخارجية في 2026م يُعد كبيرًا (5 مليارات دولار)، خصوصًا إذا أضيفت إليه فوائد الدين الداخلي المحلي وسائر الالتزامات الدولية (مثل صندوق النقد)، ما يجعل إجمالي فوائد الديون العامة أكبر بكثير.
المؤشرات الاقتصادية التي استند إلها الصندوق هي:
- تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 4.4% في العام المالي 2024-2025م، صعودًا من 2.4% في العام السابق، مع وصول نمو الربع الأول من العام المالي الحالي إلى 5.3%، وفقًا للبيان.
- تقلص عجز الحساب الجاري بفضل قوة تحويلات المصريين، وارتفاع عائدات السياحة، ونمو الصادرات غير النفطية، وارتفاع حيازات الأجانب من أذون الخزانة المصرية إلى نحو 30 مليار دولار، ووصول الاحتياطي الأجنبي إلى 56.9 مليار دولار، وهو رقم كان يبدو بعيد المنال نسبيًّا قبل وقت ليس ببعيد.
أشار صندوق النقد الدولي إلى “الهيئة المصرية العامة للبترول” على أنها مصدر للمخاطر المالية، لكنه قال إن “تحقيق استرداد التكلفة للمنتجات الخاضعة لآلية تسعير الوقود التلقائي”، أي أن زيادة الأسعار على الشعب قد حسنت أوضاع الهيئة، في إشارة لقرار زيادة سعر المواد البترولية، في أكتوبر الماضي، للمرة الثانية خلال العام الجاري.
وكان الصندوق قد أبدى قلقه في وقت سابق بشأن المتأخرات المستحقة لشركات النفط العالمية على الهيئة العامة للبترول قبل رفع الدعم على المحروقات وزيادة إيراداتها.
عندما توصل صندوق النقد الدولي إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعتين الأولى والثانية في مارس 2024م، كان البيان مكتوبًا بلغة “حالة الأزمة”، إذ بدأ بـ “تحديات اقتصادية كلية كبيرة أصبحت أكثر تعقيدًا في إدارتها”، وأشار إلى “زلات في السياسات” تحتاج إلى تصحيح، وأكد على البيئة “الصعبة” في كل منعطف.
وبحلول يونيو 2024م وفي المراجعة الثالثة، خفت الحدة قليلًا، لكنها ظلت مصحوبة بالكثير من التحوطات. وأقر الصندوق بأن “الجهود بدأت تؤدي إلى تحسن في التوقعات”، لكنه تحول فورًا إلى “المخاطر السلبية التي تحيط بالتوقعات الاقتصادية” ودعا إلى “تسريع” الإصلاحات.
وفي عام 2024م، تحدثت المراجعة الرابعة عن “ظروف خارجية صعبة”، و”بيئة اقتصادية محلية مليئة بالتحديات”، ودعت إلى “مزيد من الجهود”، و”مزيد من الإصلاحات”، و”جهود أكثر حسمًا” بشأن التخارج من أصول الدولة وتحقيق تكافؤ الفرص.
في تقريره حول المراجعة الخامسة والسادسة، في ديسمبر 2025م، لا تزال التحذيرات موجودة، لكنها لم تعد تتصدر المشهد، ما يخدم مصر نسبيًّا أمام المستثمرين ووكالات التصنيف.
لا يزال يتعين على مصر اجتياز مراجعتين أخريين: السابعة في مارس 2026م، وقد تتيح صرف 1.25 مليار دولار أخرى، فيما ستكون المراجعة الثامنة والأخيرة في نوفمبر 2026م، ومعها تحصل مصر على 1.25 مليار دولار إضافية.




