إصدارات

تعقيب على تقرير الحالة الدينية في مصر في عام 2025م

بقلم أ.د. وصفي عاشور أبو زيد، أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة، بكلية الإلهيات، جامعة ماردين، تركيا

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد،،

فهذا تعقيب على بحث: “الحالة الدينية في مصر 2025” للأستاذ محمد فتحي النادي، الباحث في الفكر الإسلامي، الذي جاء في الصفحات من 293-340، والذي نشر ضمن تقرير الحالة المصرية العدد الأول 2025م الذي أصدره منتدى الدراسات المستقبلية في اسطنبول، وجاء في 368 صفحة.

وسوف يتلخص هذا التعقيب في المحاور الآتية:

أولًا: الملخص التحليلي لمحور الحالة الدينية

 ثانيًا: تحرير مفهوم “الحالة الدينية” وضوابط دراستها

ثالثًا: الإطار المنهجي الحاكم للتقرير

رابعًا: تحليل مضمون التقرير: ما الذي ركّز عليه؟

خامسًا: الإيجابيات العلمية في التقرير

سادسًا: الملاحظات النقدية على التقرير

سابعًا: ما سكت عنه التقرير (الفجوات العلمية)

ثامنًا: قراءة تحليلية موازية للحالة الدينية في مصر(2025)

تاسعًا: توصيات لتطوير رصد الحالة الدينية القادم

عاشرًا: خاتمة تقويمية جامعة

أولًا: الملخص التحليلي لمحور الحالة الدينية

يقدّم تقرير الحالة الدينية في مصر لعام 2025م قراءةً تفكيكيةً لمكوّنات المشهد الديني، من خلال مقاربةٍ شاملةٍ تنظر إلى الدين بوصفه مجالًا مركّبًا تتداخل فيه المؤسسات الرسمية، والتيارات المجتمعية، والتحولات الفكرية المعاصرة، وينطلق التقرير من فرضية مركزية مفادها أنّ المشهد الديني في مصر خلال هذا العام قد شهد تعاظم حضور المؤسسات الدينية الرسمية، وفي مقدمتها الأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء، بوصفها الفاعل الأكثر تأثيرًا في توجيه الخطاب الديني وضبط مجاله.

ويُبرز التقرير أنّ هذا الحضور لم يكن حضورًا تقليديًّا فحسب، بل جاء في سياق تزايد اندماج الدين في بنية الدولة، حيث أصبحت المؤسسات الدينية تؤدي أدوارًا تتجاوز الإرشاد والتوجيه إلى المشاركة في دعم السياسات العامة، وتعزيز الاستقرار، والمساهمة في إدارة بعض الملفات الداخلية والخارجية ذات الطابع الديني أو الرمزي، ويشير إلى أنّ هذا التداخل بين الدين والدولة أفضى إلى نمط من “التديّن المؤسسي” الذي يتسم بدرجة عالية من المركزية والتنظيم.

وفي مقابل ذلك، يرصد التقرير تعدد الفاعلين داخل المجال الديني، حيث يتناول حضور الطرق الصوفية بوصفها أحد المكونات التقليدية ذات الامتداد الاجتماعي، مع استمرار دورها الروحي والاجتماعي، إلى جانب وجود الجمعيات الدينية التي تنشط في مجالات الدعوة والخدمة المجتمعية، ضمن أطر قانونية وتنظيمية خاضعة لإشراف الدولة، كما يشير إلى وجود تيارات أخرى، مثل بعض الجماعات أو الاتجاهات الفكرية، مع الإشارة إلى حساسيات تحيط ببعضها نتيجة علاقتها بالدولة أو بمواقف المؤسسات الرسمية منها.

ويتوسع التقرير في عرض المشهد الديني ليشمل التنوع الديني في مصر، متناولًا الأديان السماوية الأخرى، وعلى رأسها المسيحية بطوائفها المختلفة، وما يرتبط بها من قضايا التعايش والتنظيم المؤسسي، وكذلك الحضور المحدود لليهودية، كما يشير إلى بروز بعض الظواهر الفكرية المعاصرة، مثل تيارات الإلحاد واللادينية، بوصفها تحديات فكرية تواجه البنية الدينية التقليدية، وإن كانت محدودة الانتشار نسبيًّا.

وفي سياق تحليله العام، يخلص التقرير إلى أنّ المشهد الديني في مصر عام 2025 يتسم بخصيصة أساسية، هي هيمنة الإطار المؤسسي الرسمي على المجال الديني، سواء من حيث إدارة الخطاب، أو تنظيم الفاعلين، أو تحديد حدود المقبول والمرفوض، ويرى أنّ هذه الهيمنة قد أسهمت في تحقيق قدر من الانضباط والاستقرار في المجال الديني، لكنها في الوقت نفسه أفرزت حالة من التداخل بين الوظيفة الدينية والاعتبارات السياسية، مع استمرار وجود مساحات من الحساسية تجاه بعض المكونات أو القضايا.

كما يشير التقرير إلى أنّ الحالة الدينية لا يمكن فصلها عن السياقات الأوسع، حيث تتأثر بالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتنعكس فيها هذه التحولات بصورة أو بأخرى، سواء في أنماط التدين، أو في طبيعة الخطاب، أو في شكل العلاقة بين الدولة والمجتمع في المجال الديني.

وبناءً على ذلك، يقدم التقرير صورةً عامة لمشهد ديني يتسم بـ التعدد في مكوناته، والمركزية في إدارته، والتداخل في أدواره، في ظل سعي الدولة إلى إحكام السيطرة على المجال الديني وتوجيهه، مقابل استمرار وجود تنوع مجتمعي وفكري يعكس تعقيد هذا المجال وتشابك عناصره.

ثانيًا: تحرير مفهوم “الحالة الدينية” وضوابط دراستها

إنّ الحديث عن “الحالة الدينية” لا ينبغي أن يُفهم على أنه توصيفٌ سطحيٌّ لمظاهر التدين أو تعدادٌ لمؤسسات الخطاب الديني، بل هو – في حقيقته – مدخلٌ كاشف عن بنية التدين في المجتمع، ومستويات حضوره، وأنماط تشكّله، وعلاقته بمصادره ووظائفه ومآلاته، ومن ثمّ فإنّ تحرير هذا المفهوم يُعدّ شرطًا منهجيًّا سابقًا على أي قراءةٍ أو تقويم.

فالحالة الدينية – في معناها العلمي المركّب – هي:

مجموع التجلّيات العقدية والتعبدية والسلوكية والمعرفية والمؤسسية للدين في مجتمعٍ ما، في زمنٍ محدد، بما يشمل الخطاب والممارسة، والمرجعية والتلقي، والتأثير والامتداد؛ فهي ليست مقتصرة على الدين بوصفه نصًّا أو مؤسسة، بل تتسع لتشمل الدين بوصفه “حياةً” تتجسد في الأفراد والجماعات، وفي المجالين الخاص والعام.

وقد عرّف التقرير الحالة الدينية بأنها “مجموع ما يكون عليه الفرد أو المجتمع من عقائد وأخلاق وسلوكيات”، وهو تعريف واسع في دلالته، غير أنّ المعالجة التطبيقية في التقرير لم تستوعب هذا الاتساع، إذ مالت إلى التركيز على البعد المؤسسي أكثر من سائر الأبعاد.

وتتوزع هذه الحالة – من حيث التحليل – على مستويات متداخلة، لا يستقيم النظر إليها إلا باستحضارها مجتمعة:

أولها: المستوى العقدي والمعرفي، ويتعلق بما يسود من تصورات عن الدين، ومصادر التلقي، ودرجة الارتباط بالمرجعية الشرعية، وما يطرأ على ذلك من تحولات في الفهم والتأويل.

وثانيها: المستوى التعبدي والسلوكي، ويشمل أنماط الالتزام بالشعائر، وتجليات القيم الدينية في السلوك الفردي والجماعي، وما يعتريها من ثبات أو تغير.

وثالثها: المستوى الخطابي والدعوي، ويتصل بمضامين الخطاب الديني، ووسائطه، والجهات المنتجة له، ومدى اتساقه مع الأصول الشرعية، أو خضوعه لاعتبارات أخرى.

ورابعها: المستوى المؤسسي والتنظيمي، ويشمل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وأدوارها في توجيه الدين أو تمثيله أو ضبطه.

وخامسها: المستوى الاجتماعي والثقافي، حيث تتجلى أنماط التدين الشعبي، والعادات المرتبطة بالدين، والتفاعل بين الدين وبقية مكونات الثقافة.

وسادسها: المستوى الرقمي والإعلامي المعاصر، وهو من أبرز المستجدات، حيث بات الفضاء الرقمي أحد أهم ميادين تشكّل الوعي الديني وإعادة توزيع السلطة الرمزية في المجال الديني.

ومن هنا يتبين أن دراسة الحالة الدينية لا تستقيم إذا اقتصرت على بعدٍ واحد – كالمؤسسات الرسمية أو السياسات العامة – لأن ذلك يُفضي إلى اختزال الظاهرة في أحد تجلياتها، وإغفال بقية مكوناتها.

أما الضوابط:

فيأتي في بداية ضوابط دراستها: أن تقوم على الجمع بين الداخل والخارج؛ أي بين تحليل الدين من حيث هو خطابٌ ومضمون، ومن حيث هو واقعٌ وسلوك، فلا يُكتفى بالقراءة السياسية أو السوسيولوجية، ولا يُغفل التحليل الشرعي والمعرفي الداخلي للخطاب.

ومن ضوابطها كذلك الاعتماد على المؤشرات الكمية والكيفية معًا، بحيث يُدعّم التحليل بالبيانات الميدانية، ولا يظل أسير الانطباعات العامة، مع مراعاة التمييز بين الاتجاهات المستقرة والظواهر العابرة.

كما ينبغي أن يُراعى فيها الميزان التقويمي المنضبط، الذي يفرّق بين الوصف والتحليل من جهة، والحكم والتقويم من جهة أخرى، مع استحضار مقاصد الشريعة في حفظ الدين وبنائه، لا مجرد النظر إليه من زاوية الضبط الوظيفي أو التوظيف السياسي.

وبهذا التحرير يتبيّن أن “الحالة الدينية” مفهومٌ مركّب، لا يُحسن تناوله إلا بمقاربة متعددة الأبعاد، تستوعب النص والواقع، والمؤسسة والمجتمع، والثبات والتحول، وعلى هذا الأساس سيكون النظر في التقرير محلّ الدراسة، تقويمًا لما أصاب فيه، واستدراكًا لما قصر عنه، في ضوء هذا الميزان المحرَّر.

ثالثًا: الإطار المنهجي الحاكم للتقرير

بعد تحرير مفهوم “الحالة الدينية” وضبط مستوياته ومعايير دراسته، يحسن الوقوف على الإطار المنهجي الذي صدر عنه التقرير محلّ النظر؛ إذ إنّ طبيعة النتائج لا تنفك عن طبيعة المنهج، وما يُرى من ترجيحاتٍ أو استنتاجاتٍ إنما هو ثمرة زاوية النظر وأدواتها.

ويظهر من خلال قراءة هذا المحور أنّ التقرير قد انبنى – في الجملة – على مقاربة وصفية تحليلية ذات نزعة سياسية–مؤسسية، تنظر إلى الدين من حيث موقعه في بنية الدولة، ووظيفته في إدارة المجال العام، وحدود حضوره ضمن سياسات الضبط والتوجيه، وهي مقاربةٌ معتبرة في دراسات الحالة، غير أنّها تمثل بعدًا من أبعاد الظاهرة، لا كلّها.

فمن حيث زاوية النظر، يغلب على التقرير التركيز على الدين بوصفه مجالًا مُدارًا، أكثر من كونه مجالًا متشكّلًا من داخل المجتمع؛ إذ تتجه المعالجة إلى تتبع أدوار المؤسسات الرسمية، وحدود تدخل الدولة، وطبيعة العلاقة بين الدين والسلطة، مع إبراز مفهوم “الضبط” و”التوجيه” بوصفهما مفتاحين تفسيريين للمشهد، وهذا الاختيار المنهجي يفسر كثيرًا من النتائج التي انتهى إليها التقرير، كما يفسر في الوقت ذاته ما أغفله أو لم يتوسع فيه.

وأما من حيث طبيعة المقاربة، فإن التقرير يعتمد التحليل الكيفي القائم على القراءة التفسيرية للظواهر، دون إسناد كافٍ ببيانات كمية أو مؤشرات إحصائية دقيقة، مما يجعله أقرب إلى “التحليل التفسيري” منه إلى “الرصد المعياري المبني على قياس”، وهذا لا يقدح في أصل العمل، لكنه يحدّ من قوة تعميماته، ويجعل بعض نتائجه قابلة للمراجعة أو التقييد.

كما يُلاحظ أن التقرير يتعامل مع “الحالة الدينية” بوصفها جزءًا من منظومة الحالة العامة للدولة، فيربطها بالسياقات السياسية والاجتماعية، وهو مسلكٌ صحيح من حيث الأصل، غير أنّه لم يُوازَن بما يكفي بـ تحليل داخلي للخطاب الديني ومضامينه، الأمر الذي جعل القراءة تميل إلى الخارج أكثر من الداخل، وإلى الوظيفة أكثر من البنية.

ومن جهة أخرى، يغلب على التقرير اعتماد المنهج التجميعي العام الذي يعرض مكونات المشهد الديني عرضًا إجماليًّا، دون تفكيكٍ عميق لكل مكوّن على حدة، سواء من حيث بنيته الداخلية أو تحولاته النوعية، وهو ما يجعل التحليل – في بعض مواضعه – أقرب إلى “الخريطة العامة” منه إلى “الدراسة التفصيلية الدقيقة“.

كما أن التقرير لم يصرّح – بصورة منهجية واضحة – بـ محددات التعريف الإجرائي للحالة الدينية، ولا بالأدوات التي اعتمدها في اختيار الظواهر محل الرصد أو ترتيبها، مما يترك مساحة للاجتهاد في فهم معاييره الضمنية، ويؤثر على درجة الشفافية المنهجية المطلوبة في مثل هذه الدراسات.

وعلى الجملة، يمكن القول إن الإطار المنهجي الحاكم للتقرير يتسم بـ:

  • غلبة المنظور السياسي–المؤسسي
  • الاعتماد على التحليل الكيفي التفسيري
  • التركيز على الخارج (الدولة والمؤسسات) أكثر من الداخل (الخطاب والممارسة)
  • الطابع الإجمالي في العرض مقابل محدودية التفكيك التفصيلي

وهذا الإطار – على ما فيه من وجاهة في جانبٍ من جوانبه – يحتاج إلى استكمالٍ وتوازن، ليكون أقدر على استيعاب الطبيعة المركبة للحالة الدينية، كما تم تحريرها آنفًا، وهو ما سيظهر أثره بجلاء في تحليل مضمون التقرير وتقويمه في العناصر اللاحقة.

رابعًا: تحليل مضمون التقرير: ما الذي ركّز عليه؟

إذا انتقلنا من النظر في الإطار المنهجي إلى تفكيك مضمون التقرير ذاته، أمكن القول إنّ محور الحالة الدينية قد دار – في جملته – حول فكرة مركزية جامعة، هي: إبراز صورة المجال الديني في مصر بوصفه مجالًا تُهيمن عليه المؤسسات الرسمية، وتضبطه الدولة عبر آليات متعددة، مع وجود تعددية في الفاعلين، لكنها تعددية محكومة بإطار تنظيمي وسياسي عام.

وقد تجلّى هذا التركيز في عدة مسارات كبرى شكّلت بنية العرض في التقرير:

فأول ما يلفت النظر عناية التقرير بـ المؤسسات الدينية الرسمية، حيث جعلها في صدارة المشهد، وعدّها الفاعل الأبرز في تشكيل الحالة الدينية؛ فالأزهر، ووزارة الأوقاف، ودار الإفتاء، تظهر في التقرير بوصفها مراكز إنتاج الخطاب الديني، وأدوات توجيهه، ووسائط ضبطه، وقد ركّز التقرير على إبراز دور هذه المؤسسات في إدارة المجال الديني، وفي إسناد بعض التوجهات العامة للدولة، بما يعكس تصوّرًا للدين بوصفه عنصرًا من عناصر الاستقرار المؤسسي.

وثاني هذه المسارات هو التركيز على فكرة الضبط والتنظيم، حيث يتكرر في عرض التقرير – صراحة أو ضمنًا – توصيف المجال الديني بأنه مجال “مُدار”، يخضع لإشراف الدولة، وتُنظَّم فيه الأنشطة الدينية والدعوية ضمن أطر قانونية ومؤسسية محددة، ويُبرز التقرير هذا البعد من خلال الإشارة إلى تنظيم العمل الدعوي، والإشراف على المساجد، وضبط الجمعيات الدينية، بما يعكس تصورًا يربط بين الدين والنظام العام.

وثالثها إبراز تعدد الفاعلين الدينيين، حيث لم يقف التقرير عند المؤسسات الرسمية، بل أشار إلى وجود مكونات أخرى في المشهد، مثل الطرق الصوفية، والجمعيات الدينية، وبعض التيارات الفكرية، غير أنّ هذا التعدد عُرض في سياق عام، يُظهره بوصفه تنوعًا واقعًا داخل إطارٍ جامع، لا بوصفه تعددية مستقلة بذاتها، إذ ظلّ التركيز قائمًا على حدود هذا التعدد وعلاقته بالإطار المؤسسي الأوسع.

ورابعها التوسع في عرض التنوع الديني في مصر، حيث تناول التقرير الأديان السماوية الأخرى، وعلى رأسها المسيحية، من حيث وجودها المؤسسي، وقضاياها المرتبطة بالتنظيم والتعايش، كما أشار – وإن بإيجاز – إلى اليهودية، وإلى بعض الظواهر الفكرية الحديثة كالإلحاد واللادينية، بوصفها تحديات فكرية مطروحة في المشهد.

وخامسها إبراز التداخل بين الدين والسياسة، وهو من أبرز ما ركّز عليه التقرير؛ إذ أشار إلى حضور الدين في بعض الملفات العامة، وإلى توظيف المؤسسات الدينية في سياقات تتصل بالسياسات الداخلية أو بالعلاقات الخارجية، بما يعكس طبيعة العلاقة المركبة بين الدين والدولة في السياق المصري.

وقد عبّر التقرير عن هذا التوجه صراحة، حين أشار إلى سعيه إلى “الوقوف على حدود حماية الدولة للدين، وكذلك على أنماط توظيف الدولة للدين”، وهو ما يكشف عن مركزية هذا البعد في بناء التصور العام للحالة الدينية.

وعند تأمل هذه المسارات مجتمعة، يتبيّن أن التقرير قد بنى معالجته على محورين رئيسين:
محور المؤسسة والضبط، ومحور التعدد والتنوع، مع ترجيحٍ واضح للمحور الأول في تفسير المشهد وتوجيه القراءة.

وقد عكس تقسيم التقرير ذاته – كما يظهر في فهرسته – نزوعًا تصنيفيًا يركّز على الفاعلين والمؤسسات والتيارات، أكثر من تركيزه على مستويات التدين وتحولاته، وهو ما يفسّر طبيعة نتائجه واتجاهاته، ويكشف عن غلبة المنظور الخارجي في قراءة الحالة الدينية على حساب تحليلها من داخلها.

وقد صرّحت مقدمة التقرير بهذا التوجه صراحة؛ إذ انطلقت من “تفكيك الفسيفساء الطائفية والدينية، مع السعي إلى تحديد الحجم الحقيقي لكل مكوّن وقياس مدى نفوذه داخل المجتمع والدولة”، وهو ما يؤكد أن البناء التصنيفي لم يكن عرضًا شكليًا، بل خيارًا منهجيًا حاكمًا للتقرير.

ومن ثمّ، فإن الصورة التي يقدّمها التقرير للحالة الدينية هي صورة مجالٍ دينيٍّ مركزيّ التنظيم، مؤسسيّ الإدارة، متعدّد في مكوناته، لكنه محكوم بإطار عام تضبطه الدولة وتوجّهه، وهي صورة تعكس جانبًا معتبرًا من الواقع، غير أنها – كما سيظهر لاحقًا – لا تستوعب كل أبعاده، ولا تُبرز جميع دينامياته الداخلية، مما يفتح الباب لمزيد من التحليل والتقويم في العناصر التالية.

خامسًا: الإيجابيات العلمية في التقرير

على الرغم مما سيُذكر لاحقًا من ملاحظاتٍ نقدية، فإنّ الإنصاف العلمي يقتضي إبراز ما تضمّنه التقرير من جوانب قوةٍ تُحسب له، وتُعدّ إضافةً معتبرة في سياق رصد الحالة الدينية؛ إذ لا يستقيم النقد إلا بعد تثبيت مواضع الصواب، وإعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه.

فمن أبرز ما يُحسب للتقرير أنّه سعى إلى إدراج الحالة الدينية ضمن إطارٍ كليٍّ شامل، يربطها ببقية مكونات الحالة العامة للدولة، فلا يعزلها عن سياقاتها السياسية والاجتماعية، وهو توجهٌ منهجي صحيح؛ لأن الدين – في المجتمعات المعاصرة – لا يُفهم بمعزل عن البنى الحاكمة والتفاعلات المحيطة به.

كما يُحسب له أنه قد نبّه إلى مركزية المؤسسات الدينية الرسمية في تشكيل المشهد الديني، وأبرز أدوارها في توجيه الخطاب وتنظيم المجال، وهو توصيفٌ له وجاهته في ضوء التحولات التي شهدها المجال الديني في مصر خلال السنوات الأخيرة، حيث تعاظم حضور هذه المؤسسات، واتسعت وظائفها، وهذا الرصد يُعدّ خطوة مهمة لفهم أحد المفاتيح الكبرى في تحليل الحالة الدينية المعاصرة.

ومن إيجابياته كذلك أنه لم يقتصر على الفاعل الرسمي، بل التفت – ولو إجمالًا – إلى تعدد الفاعلين الدينيين، من صوفيين وجمعيات دينية وتيارات فكرية، وأشار إلى وجود تنوع داخل المجال الديني، وهو ما يجنّب التقرير الوقوع في الاختزال الأحادي، ويمنح القارئ تصورًا عن تعددية المشهد، وإن كانت هذه التعددية لم تُفكّك تفكيكًا كافيًا.

ويُضاف إلى ذلك عنايته بإبراز التنوع الديني في المجتمع المصري، من خلال تناوله للأديان الأخرى وقضايا التعايش والتنظيم، وهو بعدٌ مهم في دراسة الحالة الدينية؛ لأنه يكشف عن طبيعة العلاقة بين مكونات المجتمع، ومدى تأثيرها في الاستقرار أو التوتر.

كما يُحسب للتقرير أنه قد أشار إلى بعض الظواهر الفكرية المعاصرة، كالإلحاد واللادينية، بوصفها تحديات فكرية مطروحة، وهو تنبيهٌ مهم، يدل على وعيٍ بوجود تحولات فكرية تتجاوز الأطر التقليدية، وإن كان يحتاج إلى مزيد من التعمق والتحليل.

ومن جوانب القوة كذلك أنّ التقرير قد اتسم – في الجملة – بـ محاولة بناء قراءة تفسيرية للمشهد، لا الاكتفاء بسردٍ وصفي للأحداث؛ حيث سعى إلى الربط بين الظواهر، واستخلاص دلالات عامة، مثل فكرة “الضبط المؤسسي” و”مركزية الإدارة الدينية”، وهو مسلكٌ يرفع التقرير من مستوى الرصد إلى مستوى التحليل.

كما يظهر في التقرير قدرٌ من الاتساق الداخلي في العرض، حيث تتكامل عناصره ضمن تصور عام للمشهد، ولا يبدو مفككًا أو متناقضًا في بنيته، مما يعين القارئ على متابعة الفكرة المركزية وفهم مسارها.

وخلاصة هذه الإيجابيات أنّ التقرير قد قدّم إطارًا أوليًّا معتبرًا لفهم الحالة الدينية من زاوية مؤسسية تحليلية، وأتاح للقارئ مدخلًا عامًا إلى بنية المشهد، ومكوناته الأساسية، وهو ما يجعله عملًا ذا قيمة، يمكن البناء عليه، واستثماره في تطوير دراسات أكثر عمقًا وشمولاً واتساعًا.

سادسًا: الملاحظات النقدية على التقرير

إذا تقرّرت جوانب القوة في التقرير، فإنّ تمام النظر يقتضي الكشف عمّا شابَهُ من قصورٍ منهجي أو مضموني، لا على جهة الانتقاص، بل على جهة الاستدراك العلمي الذي يُكمّل البناء ويهذّب مساره، وقد تبيّن – في ضوء الميزان المفهومي المتقدم – أنّ التقرير يعتريه عدد من الملاحظات، يمكن ردّها إلى ثلاثة مستويات: منهجية، ومضمونية، واستدلالية.

فمن حيث الملاحظات المنهجية، يُلاحظ على التقرير أنّه قد غلّب زاوية النظر السياسية–المؤسسية على غيرها من الزوايا، فجعل الدين يُقرأ أساسًا من خلال علاقته بالدولة وأدواتها، وهو وإن كان بعدًا معتبرًا، إلا أنّ الاقتصار عليه يُفضي إلى اختزال الظاهرة الدينية في بعدها الوظيفي، وإغفال كونها بنيةً حيّة تتشكل من داخل المجتمع، وتنبض بمعانٍ إيمانية ومعرفية لا تختزل في التنظيم والإدارة، وكان الأولى أن تُوازن هذه المقاربة بمقارباتٍ أخرى تُعنى بالداخل الديني ذاته.

كما يُؤخذ عليه اعتماده شبه الكامل على التحليل الكيفي الانطباعي، دون إسنادٍ كافٍ ببيانات كمية أو مؤشرات قابلة للقياس، مما يجعل بعض استنتاجاته أقرب إلى التفسير العام منها إلى الحكم المدعوم بالأدلة المعيارية، وكان من شأن إدخال أدوات القياس – ولو في حدودها الممكنة – أن يعزز من صلابة النتائج، ويقلل من مساحة التقدير الذاتي، وهو ما يتّسق مع ما صرّح به التقرير من سعيه إلى “رصد الواقع الديني رصدًا موضوعيًا يُعين على فهم عقلية المجتمع”، غير أنّ هذا الرصد – على أهميته – ظل أقرب إلى العرض التجميعي منه إلى التحليل التفسيري المتعمّق.

ومن جهة أخرى، يفتقر التقرير إلى تصريحٍ منهجي واضح بالتعريف الإجرائي للحالة الدينية، ولا بالمعايير التي تم على أساسها اختيار الظواهر أو ترتيبها، مما يترك القارئ أمام بناءٍ تحليلي لا تظهر حدودُه المنهجية بدقة، وهو ما يضعف من شفافية العمل، ويجعل بعض أحكامه عرضة للتأويل.

وأما من حيث الملاحظات المضمونية، فإنّ أبرز ما يُؤخذ على التقرير هو أنّه قد ركّز على الدين بوصفه خطابًا مؤسسيًّا مُدارًا، وأغفل بدرجة كبيرة تحليل الدين بوصفه تجربة معيشة في المجتمع؛ فلم يتوقف بما يكفي عند أنماط التدين الشعبي، ولا عند التحولات السلوكية والقيمية، ولا عند الفروق بين طبقات المجتمع في التديّن، وهي كلها مفاتيح أساسية لفهم الحالة الدينية في عمقها.

كما لم يُعطِ التقرير عناية كافية بـ تحليل مضمون الخطاب الديني نفسه؛ من حيث مضامينه، وتحولاته، ومدى اتساقه مع الأصول الشرعية أو مقاصدها، بل بقي الخطاب في التقرير حاضرًا بوصفه وظيفة تؤديها المؤسسات، لا بوصفه مادةً تحتاج إلى تفكيكٍ وتقويم.

ويُضاف إلى ذلك ضعف التناول التفصيلي لـ الفاعلين غير الرسميين، حيث ذُكروا في سياق عام دون تحليل بنيتهم الداخلية، أو تأثيرهم الحقيقي، أو مسارات تحولهم، مما يجعل صورة التعدد الديني في التقرير أقرب إلى التعداد منها إلى الدراسة.

كما يُلاحظ غيابٌ شبه كامل لتحليل الفضاء الرقمي والديني المعاصر، على الرغم من كونه أحد أهم ميادين تشكيل الوعي الديني اليوم، حيث تتشكل المرجعيات، وتُعاد صياغة السلطة الرمزية خارج الأطر التقليدية، وهو غياب يُعدّ فجوةً مؤثرة في توصيف الحالة الراهنة.

وأما من حيث الملاحظات الاستدلالية، فإنّ التقرير يميل في بعض مواضعه إلى التعميم انطلاقًا من شواهد جزئية أو غير مُدعّمة كفاية، كما أنّ بعض استنتاجاته الكبرى – كفكرة “الهيمنة” أو “الضبط الشامل” – لم تُبنَ على مؤشرات مركبة تجمع بين الكم والكيف، بل على قراءة تفسيرية يغلب عليها الطابع الاستنتاجي.

كما أنّ التقرير لم يميّز بما يكفي بين الظواهر المستقرة والظواهر الطارئة، ولا بين الاتجاهات طويلة المدى والتقلبات المرحلية، مما قد يؤدي إلى تضخيم بعض الظواهر أو التقليل من شأن أخرى، دون ميزان زمني واضح.

وخلاصة هذه الملاحظات أنّ التقرير – على ما فيه من جهدٍ معتبر – قدّم قراءة جزئية للحالة الدينية من زاوية محددة، وأغفل جملة من الأبعاد التي لا يكتمل فهم المشهد بدونها، الأمر الذي يستدعي استدراك هذه الجوانب، وتوسيع دائرة النظر، وهو ما سنعمل على بيانه في العناصر اللاحقة، سواء في الكشف عما سكت عنه التقرير، أو في تقديم قراءة موازية أكثر تركيبًا وتوازنًا.

سابعًا: ما سكت عنه التقرير (الفجوات العلمية)

إذا كان النقد السابق قد تعلّق بما حضر في التقرير من معالجاتٍ ومنهجيات، فإنّ من تمام النظر الكشف عمّا غاب عنه أو لم يُستوفَ فيه القول؛ إذ إنّ الفجوات العلمية لا تقل دلالةً عن الأخطاء، بل قد تكون أبلغ أثرًا في توجيه النتائج وبناء التصورات، ومن خلال قراءة هذا المحور في ضوء الميزان المفهومي المتقدم، يمكن رصد عددٍ من المساحات التي سكت عنها التقرير، أو مرّ بها مرورًا عابرًا لا يفي بحقها من التحليل.

فأول هذه الفجوات وأبرزها غياب التحليل العميق لـ التدين الشعبي، وهو الميدان الأوسع حضورًا وتأثيرًا في تشكيل الحالة الدينية، فالدين في الواقع لا يتجلى فقط في المؤسسات والخطابات الرسمية، بل يتجسد – بدرجة أكبر – في عادات الناس، وممارساتهم اليومية، وأنماط التلقي غير الرسمي، وكان من اللازم الوقوف على طبيعة هذا التدين، وتحولاته، ومصادر تشكّله، ومدى اتساقه أو انفصاله عن الخطاب المؤسسي.

وثانيها غياب التناول المنهجي لـ الدين في الفضاء الرقمي، حيث باتت المنصات الرقمية – من وسائل التواصل إلى المنابر الإلكترونية – ساحة مركزية لإنتاج المعرفة الدينية وتداولها، بل لإعادة تشكيل المرجعية والسلطة الرمزية، ولم يعد بالإمكان فهم الحالة الدينية المعاصرة دون تحليل هذا الفضاء: من هم الفاعلون فيه؟ وما طبيعة خطابهم؟ وما حجم تأثيرهم مقارنة بالمؤسسات التقليدية؟

وثالثها ضعف العناية بـ التدين الشبابي، وهو من أهم المؤشرات على اتجاهات المستقبل؛ إذ تتشكل لدى فئة الشباب أنماطٌ جديدة من التدين، تتراوح بين المحافظة والتجديد، وبين الالتزام واللامبالاة، بل وبين الإيمان والشك، وكان من الأجدر رصد هذه التحولات، وتحليل دوافعها، وعلاقتها بالتحولات الاجتماعية والثقافية الأوسع.

ورابعها غياب تحليلٍ كافٍ لـ مضمون الخطاب الديني من الداخل؛ من حيث بنيتُه المعرفية، وأولوياته، ومدى استجابته لقضايا العصر، وعلاقته بمقاصد الشريعة؛ فالتقرير – كما سبق – تعامل مع الخطاب بوصفه وظيفة مؤسسية، دون أن يغوص في محتواه، وهو ما يُفقد الدراسة أحد أهم مفاتيح الفهم والتقويم.

وخامسها إغفال دراسة المدارس والتيارات العلمية والدعوية، سواء داخل الإطار الرسمي أو خارجه؛ إذ إنّ المشهد الديني لا يتشكل فقط عبر المؤسسات، بل عبر اتجاهات علمية وفكرية لها امتداداتها وتأثيرها في تشكيل الوعي الديني، وكان من المهم رصد هذه الاتجاهات، وتحليل تفاعلاتها، وبيان أثرها في بنية التدين العام.

والمقصود بالمدارس والتيارات العلمية والدعوية ليس الجماعات أو المؤسسات فحسب، بل المناهج التي يُفهم بها الدين ويُقدَّم للناس، كالتقليد الأزهري، والتيار السلفي، والحركي، والتجديدي، والدعوة الرقمية المعاصرة. وهذه الاتجاهات – بما لها من حضور وتأثير – تُسهم في تشكيل الوعي الديني وأنماط التدين، فلا يُفهم المشهد الديني فهمًا دقيقًا إذا اقتصر النظر فيه على مؤسسات الضبط والإدارة دون تحليل هذه المدارس التي تُنتج الفهم وتوجّه التلقي.

وسادسها غياب البعد المقارن، سواء مقارنة زمنية تُظهر تطور الحالة الدينية عبر السنوات، أو مقارنة مكانية تُبرز الفروق داخل المجتمع (بين الحضر والريف، أو بين الطبقات الاجتماعية)، وهو ما كان من شأنه أن يمنح التحليل عمقًا واتساعًا، ويخرجه من إطار “اللقطة الساكنة” إلى “الرؤية المتحركة”.

وسابعها ضعف الاعتماد على المؤشرات الكمية والبيانات الميدانية، التي تُعدّ ركيزة في دراسات الحالة؛ حيث لم يُدعَّم التحليل باستطلاعات رأي أو إحصاءات معتبرة تقيس أنماط التدين أو تحوّلاته، مما يجعل كثيرًا من الأحكام بحاجة إلى سندٍ تجريبي يعززها.

وثامنها غياب النظر في البعد المقاصدي والقيمي للدين، حيث لم يُبحث أثر الحالة الدينية في تحقيق مقاصد الشريعة في حفظ الدين وبنائه، ولا في ترسيخ القيم الأخلاقية والاجتماعية، وهو بعدٌ جوهري؛ لأن الدين لا يُقاس فقط بدرجة تنظيمه، بل بمدى فاعليته في الهداية والإصلاح.

وبذلك يتبين أنّ التقرير – على ما فيه من جهدٍ معتبر – قد ترك مساحاتٍ واسعةً من الحالة الدينية دون معالجةٍ كافية، وهي مساحات تمثل في حقيقتها مفاتيح لفهم أعمق وأدق للمشهد، ومن هنا تأتي الحاجة إلى استدراك هذه الفجوات، واستحضارها في أي قراءةٍ موازية، أو في تطوير التقارير اللاحقة، حتى تكتمل الصورة، ويستقيم الميزان.

ثامنًا: قراءة تحليلية موازية للحالة الدينية في مصر (2025م)

إذا كان التقرير قد قدّم صورةً للحالة الدينية من زاويةٍ مؤسسية يغلب عليها بعد الضبط والتنظيم، فإنّ استكمال النظر يقتضي تقديم قراءة موازية تستوعب بقية الأبعاد التي تشكّل هذا المشهد المركّب، وتعيد توزيعه على مستوياته الحقيقية، بعيدًا عن الاختزال في بعدٍ واحد.

وعند التأمل في معطيات الواقع المصري خلال عام 2025، يمكن القول إنّ الحالة الدينية لا تُختزل في إطارٍ مؤسسي مركزي، بل تتشكل عبر ثلاثة مسارات كبرى متداخلة، لكلٍّ منها منطقه الخاص، وتأثيره الممتد، وعلاقته المتغيرة بغيره:

أولها: المسار المؤسسي الرسمي، وهو المسار الذي تديره الدولة عبر مؤسساتها الدينية الكبرى؛ حيث يتسم بدرجة عالية من التنظيم والانضباط، ويسعى إلى توحيد الخطاب، وضبط المجال الدعوي، وربط الدين باعتبارات الاستقرار العام، وقد نجح هذا المسار – إلى حدٍّ معتبر – في تحقيق قدر من المركزية والانضباط، غير أنّ تأثيره يظلّ – في كثير من الأحيان – محصورًا في المجال المنظم، دون أن يستوعب جميع تجليات التدين في المجتمع.

وثانيها: المسار المجتمعي الشعبي، وهو الأوسع انتشارًا، والأكثر تنوعًا، حيث يتجلى الدين في حياة الناس اليومية، من خلال العادات والتقاليد، والالتزام الشعائري، والتصورات العامة عن الحلال والحرام، وهذا المسار لا يخضع بالكامل للضبط المؤسسي، بل يتأثر بعوامل متعددة: اقتصادية، وتعليمية، وثقافية، وإعلامية، ويشهد هذا المستوى – في السنوات الأخيرة – تحولات مركبة، تتراوح بين المحافظة على أنماط تقليدية من التدين، وبين بروز مظاهر من التسيّب أو التديّن الشكلي، في ظل ضغوط الحياة وتغير القيم.

وثالثها: المسار الرقمي المعاصر، وهو المسار الأسرع نموًّا وتأثيرًا، حيث انتقل جزء كبير من التلقي الديني إلى الفضاء الرقمي، وأصبحت المنصاتُ الإلكترونية مجالًا لإنتاج المعرفة الدينية وتداولها، بل لإعادة تشكيل المرجعية الدينية ذاتها، وفي هذا المسار تتعدد الأصوات، وتتباين الاتجاهات، ويضعف الاحتكار المؤسسي للخطاب، مما يفتح المجال لفرص التجديد من جهة، ويُنتج في الوقت نفسه تحديات تتعلق بالفوضى المعرفية وضعف الضبط العلمي من جهة أخرى.

وهذه المسارات الثلاثة لا تعمل في عزلة، بل تتقاطع وتتداخل؛ فالمؤسسة تحاول التأثير في المجتمع، والمجتمع يعيد تشكيل الخطاب، والفضاء الرقمي يربط بينهما أو يُباعد، ومن ثمّ فإنّ الحالة الدينية في مصر عام 2025م يمكن توصيفها بأنها حالة تعددٍ في مصادر التأثير، مع ميلٍ إلى المركزية في الإدارة، وتنامٍ في المساحات الخارجة عن الضبط التقليدي.

ومن جهة أخرى، يظهر في هذه المرحلة نوع من الازدواجية في التدين؛ حيث يجتمع الالتزام الشعائري مع ضعف الامتثال القيمي في بعض المستويات، أو يتجاور الخطاب الديني المحافظ مع ممارسات اجتماعية لا تنسجم معه، وهو ما يعكس فجوة بين “الدين المقول” و”الدين المعيش”، وهي فجوة تحتاج إلى تحليل أعمق من مجرد توصيفها.

كما يُلحظ أن المشهد يشهد بروز تحولات هادئة في الوعي الديني، خاصة لدى الشباب، تتجه نحو البحث الفردي، وإعادة النظر في بعض المسلّمات، والانفتاح على مصادر متعددة للمعرفة، وهو ما يفتح بابًا للتجديد، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات تتعلق بضبط هذا المسار علميًا ومنهجيًا.

وفي مقابل ذلك، لا يزال للدين – بمستواه العام – حضور راسخ في وجدان المجتمع المصري، يتجلى في استمرار التعلق بالشعائر، واحترام المرجعية الدينية، واستدعاء القيم الدينية في الخطاب العام، وهو ما يدل على أن البنية الدينية العميقة للمجتمع لم تتفكك، وإن كانت تُعيد تشكيل نفسها في سياقات جديدة.

وخلاصة هذه القراءة الموازية أنّ الحالة الدينية في مصر خلال عام 2025م ليست حالة “هيمنة مؤسسية” فحسب، ولا حالة “تفكك مجتمعي” كما قد يُفهم من بعض القراءات، بل هي حالة مركّبة تتعايش فيها المركزية والتعدد، والاستقرار والتحول، والضبط والانفلات النسبي، في سياق اجتماعي وثقافي متغير، وهذا الفهم المركّب هو الأقرب إلى استيعاب الواقع، والأقدر على توجيه القراءة النقدية والتوصيات المستقبلية.

تاسعًا: توصيات لتطوير رصد الحالة الدينية القادم

إذا كان ما تقدّم قد كشف عن جوانب القوة والقصور، وعن الفجوات التي لم يستوعبها التقرير، فإنّ الانتقال إلى البناء يقتضي تقديم جملة من التوصيات التي من شأنها تطوير رصد الحالة الدينية في التقارير القادمة، بحيث تكون أكثر شمولًا، وأدق منهجًا، وأعمق تحليلًا.

ومن أبرز ما ينبغي التنبيه إليه ضرورة بناء تقاليد بحثية مستمرة في رصد الحالة الدينية، بحيث لا تظل هذه الجهود متقطعة أو موسمية، وقد أشار التقرير نفسه إلى هذه الإشكالية، حين نبه إلى “عدم استمرارية تقارير الحالة الدينية بمصر”، وهو ما يستدعي الانتقال من المبادرات الجزئية إلى مشروع علمي تراكمي منتظم، يتيح المقارنة الزمنية، ويُسهم في فهم التحولات على المدى البعيد.

فأول ما يُوصى به هو ضرورة اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد، لا تختزل الحالة الدينية في بعدها المؤسسي أو السياسي، بل تجمع بين: التحليل الشرعي الداخلي للخطاب، والتحليل السوسيولوجي للتدين، والتحليل السياسي للعلاقة بالدولة، والتحليل الإعلامي للفضاء الرقمي؛ فالحالة الدينية – كما تقرر – بنية مركّبة، ولا يُحسن فهمها من زاوية واحدة.

وثانيها ضرورة إدخال الأدوات الكمية والميدانية في عملية الرصد، عبر إجراء استطلاعات رأي دورية، وبناء مؤشرات قابلة للقياس، ترصد أنماط التدين، وتحولاته، ومستوى الثقة في المؤسسات الدينية، ومصادر التلقي لدى مختلف الفئات. فهذا من شأنه أن يُخرج التقرير من دائرة الانطباع إلى دائرة القياس الموثق.

وثالثها إعادة بناء المحور الديني على أساس تقسيمات موضوعية واضحة، بحيث يُفرد لكل مكوّن رئيس دراسة مستقلة، مثل: التدين الشعبي، والخطاب الديني الرسمي، والدين الرقمي، والتدين الشبابي، والتيارات الفكرية والدعوية، والتنوع الديني؛ فهذا التفصيل يُعين على تفكيك الظاهرة، بدل الاكتفاء بعرضها إجمالًا.

ورابعها العناية بتحليل مضمون الخطاب الديني ذاته، لا الاكتفاء بوصف الجهات المنتجة له؛ فيُدرس من حيث أولوياته، ومفاهيمه، ومدى اتساقه مع الأصول الشرعية والمقاصدية، ومدى استجابته لتحديات العصر؛ لأن الخطاب هو الوسيط الأهم بين الدين والواقع.

وخامسها إدماج البعد الزمني المقارن، عبر رصد تطور الحالة الدينية على مدى عدة سنوات، بما يُظهر الاتجاهات العامة، ويُميّز بين الظواهر الطارئة والتحولات العميقة، بدل الاكتفاء بلقطة زمنية واحدة قد لا تعكس المسار الحقيقي.

وسادسها التوسع في دراسة الفضاء الرقمي الديني، بوصفه أحد أهم ميادين التأثير المعاصر؛ من حيث فاعلوه، ومضامينُه، وآلياتُ انتشاره، وتأثيره في تشكيل الوعي الديني، مع تحليل العلاقة بينه وبين المؤسسات التقليدية.

وسابعها تخصيص عناية خاصة بـ الشباب بوصفهم الفئة الحاسمة في تشكيل المستقبل الديني، عبر دراسة أنماط تدينهم، ومصادر معرفتهم، وتحدياتهم الفكرية، وتحولاتهم القيمية؛ لأن أي قراءة للحالة الدينية لا تستحضر هذا البعد تبقى قاصرة في استشراف المآلات.

وثامنها تعزيز الشفافية المنهجية في التقارير، من خلال التصريح بالتعريفات الإجرائية، وبيان معايير اختيار الظواهر، وتوضيح مصادر البيانات، حتى يكون القارئ على بيّنة من الأساس الذي بُنيت عليه النتائج.

وتاسعها إدماج البعد المقاصدي والقيمي في التحليل، بحيث لا يُنظر إلى الحالة الدينية فقط من زاوية التنظيم والضبط، بل من زاوية أثرها في تحقيق مقاصد الشريعة، وبناء الإنسان، وترسيخ القيم؛ لأن هذا هو المعيار الأعمق لتقويم التدين في الواقع.

وعاشرها – وهو جامع لما سبق – أن يُبنى التقرير على رؤية تفسيرية متوازنة، تراعي تعقيد الظاهرة، وتجمع بين الإنصاف في الوصف، والدقة في التحليل، والاعتدال في الحكم، بعيدًا عن الاختزال أو التعميم.

وخلاصة هذه التوصيات أنّ تطوير رصد الحالة الدينية لا يتحقق بمجرد زيادة المادة، بل بتحسين المنهج، وتوسيع الزوايا، وتعميق التحليل؛ حتى يكون التقرير أداةً علميةً دقيقة، تسهم في الفهم الرشيد، وتعين على التوجيه والإصلاح.

عاشرًا: خاتمة تقويمية جامعة

وبعد هذا العرض الموجز، والتحرير المفهومي، والتحليل المتدرّج لمضمون التقرير ومنهجه، وما تضمّنه من جوانب قوة، وما اعتراه من ملاحظات وفجوات، وما قُدِّم بإزائه من قراءةٍ موازية وتوصياتٍ استدراكية؛ يمكن أن نخلص إلى حكمٍ تقويميٍّ جامع يضع هذا العمل في موضعه اللائق من ميزان النظر العلمي.

فإنّ تقرير الحالة الدينية في مصر لعام 2025 – في جملته – يُعدّ محاولةً جادّةً في رصد المشهد الديني ضمن إطارٍ تحليليٍّ معاصر، استطاع أن يلفت الانتباه إلى مركزية البعد المؤسسي، وأن يقدّم صورة عامة متماسكة نسبيًّا لبنية المجال الديني في علاقته بالدولة، وهو – من هذه الجهة – يُمثّل إضافةً معتبرة في سياق الدراسات التي تتناول الدين بوصفه جزءًا من الحالة العامة للمجتمع.

غير أنّ هذه الإضافة – على أهميتها – تظل إضافةً جزئيةً لا مكتملة؛ إذ انحازت القراءة إلى زاويةٍ محددة، فغلب عليها النظر إلى الدين بوصفه مجالًا مُدارًا، ولم تستوعب بما يكفي كونه تجربةً معيشة، وبنيةً معرفيةً، ومسارًا قيميًّا متجددًا في وجدان المجتمع، كما أنّ محدودية الأدوات المنهجية، وغياب بعض الأبعاد الحاسمة، قد أثّرا في عمق التحليل واتساعه.

ومن ثمّ، فإنّ القيمة العلمية للتقرير يمكن توصيفها بأنه:

إطارٌ تمهيديٌّ معتبر لفهم الحالة الدينية من زاوية مؤسسية، يحتاج إلى استكمالٍ منهجيٍّ ومضموني ليبلغ درجة الشمول والدقة.

وإذا أُخذت هذه النتيجة في سياقها الأوسع، فإنّها تشير إلى حقيقةٍ أعمّ، وهي أنّ دراسة الحالة الدينية في المجتمعات المعاصرة لا تزال – في كثير من محاولاتها – أسيرة أحد بُعدين: إما البعد المؤسسي السياسي، أو البعد الوعظي التجريدي، في حين أنّ المطلوب هو بناء مقاربةٍ جامعة، تُوازن بين النص والواقع، وبين المؤسسة والمجتمع، وبين الثبات والتحول.

وعلى هذا الأساس، فإنّ تطوير هذا النوع من التقارير لا ينبغي أن يكون مجرد تحسينٍ في العرض، أو زيادةٍ في المادة، بل هو – في جوهره – تحوّل في المنهج، من القراءة الأحادية إلى القراءة المركبة، ومن الوصف العام إلى التحليل العميق، ومن الانطباع إلى القياس، ومن الاقتصار على الظاهر إلى النفاذ إلى الباطن.

وفي الختام، فإنّ هذا التقرير – بما له وما عليه – يظل خطوةً في طريقٍ يحتاج إلى مزيدٍ من التأسيس والتراكم، ويُؤمَل أن تكون الملاحظات والاستدراكات التي قُدِّمت عليه عونًا في تطويره، وتوسيع آفاقه؛ ليكون في نسخه القادمة مرجعًا علميًّا أكثر نضجًا، وأدقّ تصويرًا، وأعمق فهمًا للحالة الدينية في مصر، بما يخدم الباحثين، ويعين على بناء رؤية رشيدة في التعامل مع هذا المجال الحيوي.

زر الذهاب إلى الأعلى