ترجماتغير مصنف

ميدل إيست إنستيتيوت: مصر منهكة لكنها لا تزال تكافح للتغلب على التداعيات الاقتصادية المدمرة للحرب الإيرانية

في السابع من مايو 2026م، نشر مركز أبحاث معهد الشرق الأوسط “ميدل إيست إنستيتيوت” (MEI) – وهو مركز فكري وثقافي مستقل وغير حزبي، يقع في واشنطن العاصمة، وقد تأسس المعهد عام 1946م، مما يجعله أقدم مؤسسة بحثية في واشنطن مكرَّسة حصريًّا لدراسة منطقة الشرق الأوسط – مقالًا بعنوان: “مصر منهكة لكنها لا تزال صامدة في محاولة للتغلب على التداعيات الاقتصادية المدمرة للحرب الإيرانية” لـ “ميريت ف. مبروك” ، وهي زميلة أولى في معهد الشرق الأوسط والمديرة المؤسِّسة لبرنامج دراسات مصر في المعهد، حيث شغلت في السابق منصب نائبة المدير ومديرة الأبحاث والبرامج في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلنطي.

تقول ميريت مبروك إن مصر تتأثر بشدة بالصدمات الاقتصادية الناجمة عن الحرب الحالية بين الولايات المتحدة و “إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى، ولكنها تسعى جاهدة لتجاوز هذه الأزمة لتجنب حدوث اضطرابات داخلية، فلطالما مثّل الاقتصاد صمام الأمان لاستقرار مصر السياسي. وكما هو معلوم، فقد أدت الأحداث الاقتصادية إلى اضطرابات سياسية في مصر في الأعوام 1977 و2011 و2013م.

وبالنظر إلى أن الاقتصاد المصري مرّ بالعديد من الأزمات وتعرض لكثير من الصدمات على مدى العقود الماضية، فقد حرصت الحكومات المتعاقبة على تجنب حدوث نقطة تحول يصعب التنبؤ بها، وقد تؤدي إلى اضطرابات وأحداث لا تُحمد عقباها.

لذا، فإن تقليص دور الدولة في الاقتصاد وترك مساحة مناسبة للقطاع الخاص ليس مجرد وسيلة لاسترضاء صندوق النقد الدولي فحسب؛ إذ يتحتم على الحكومة في مصر، الدولة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في الشرق الأوسط، توفير 1.3 مليون فرصة عمل تقريبًا لأشخاص جدد يدخلون إلى سوق العمل سنويًّا، بينما يمكنها بالكاد استحداث حوالي 500 ألف وظيفة جديدة كل عام.

وبالنظر أيضًا إلى أن القطاع الخاص في مصر يقوم بتوظيف نحو 80% من القوى العاملة في البلاد، ويساهم بنسبة 75% من الناتج المحلي الإجمالي، فيبدو أن التخلي عن بعض الأصول هو المسار الأمثل للحكومة لتحقيق الأمن الاقتصادي والسياسي.

لذلك،  يرتبط كل من ازدهار أو تدهور اقتصاد مصر وأمنها بقدرة الحكومة واستعدادها لمنح القطاع الخاص المساحة اللازمة ليصبح محركًا للنمو.

وتُرجّح الباحثة، في نهاية مقالها، أن مصر “ستظل تتأثر بشدة بالصدمات الاقتصادية الناجمة عن الحرب الحالية بين الولايات المتحدة و “إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى، ولكن من المرجح أنها ستتمكن هذه المرة من تجاوزها بشكل أفضل من الأزمات التي تعرضت لها من قبل”.

وفيما يلي يقدم منتدى الدراسات المستقبلية ترجمة كاملة لمقال الذي نشره مركز أبحاث Middle East Institute (MEI) الأمريكي، لـ “ميريت مبروك“، الزميلة الأولى في معهد الشرق الأوسط، والمديرة المؤسِّسة لبرنامج دراسات مصر في المعهد، وذلك على النحو التالي:

مصر منهكة لكنها لا تزال تكافح للتغلب على التداعيات الاقتصادية المدمرة للحرب الإيرانية

هناك مثل شعبي مصري شهير يقول: “يطلع من نُقرة، يقع في دُحديرة”. وهو ما يعني أنه قد يخرج المرء أو ينجو من مشكلة ما (نُقرة، أو حفرة صغيرة) ثم ما يلبث أن يقع في مصيبة أكبر منها (دحديرة، أو منحدر طويل). حيث يوضح المثل بشكل غير مباشر كيف يمكن أن تتفاقم الصعوبات للتغلب على أي مشكلة بسبب ظهور مشاكل إضافية لم تكن أبدًا متوقعة.

ما قبل الحرب الإيرانية

في شهر فبراير من هذا العام (2026م)، كانت الحكومة المصرية تعمل على حزمة من الإصلاحات الاقتصادية الكلية بهدف تعزيز الاقتصاد، وزيادة مرونته، وجذب الاستثمارات، وتقليص الديون الهائلة التي تثقل كاهل البلاد. وكان التضخم قد بلغ أدنى مستويات له عند 13.4%، بعد أن كان قد سجل مستوى قياسيًّا بلغ حوالي 38% في سبتمبر 2023م.

وكان صندوق النقد الدولي قد أنهى لتوه مراجعتيه الخامسة والسادسة لقرض بقيمة 8 مليارات دولار أمريكي مُستحق من عام 2022م، حيث خلص إلى أن الوضع الاقتصادي الكلي في مصر قد “تحسّن وسط جهود استقرار متواصلة. وقد ساهمت السياسات النقدية والمالية المتشددة، إلى جانب مرونة سعر الصرف، في استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي، وخفض التضخم، وتعزيز الوضع الخارجي”.

وكانت هناك مكاسب أخرى أيضًا. فقد حقق قطاع السياحة، وهو مصدر رئيسي للدخل في البلاد، رقمًا قياسيًّا بلغ 24 مليار دولار في عام 2025م، بزيادة قدرها 8.7 مليار دولار عن الدخل الذي حققه في العام السابق (15.3 مليار دولار)، متصدرًا بذلك معدلات التعافي والانتعاش العالمي في هذا القطاع. ونجحت وزارة المالية المصرية في تحقيق إنجاز كبير في ما كان يُعتبر تقليديًّا نقطة ضعفها، وهي: الضرائب.

وبفضل الوسائل المبتكرة للتواصل الإعلامي، والحوافز الضريبية، والتحديث الرقمي الشامل مع أنظمة الفواتير الإلكترونية والإيصالات الإلكترونية الإلزامية، والنظرة الجديدة الملائمة للعملاء، حققت هيئة الضرائب زيادة في الإيرادات بنسبة 35% مقارنة بما حققته في العام السابق – وهي أكبر زيادة حدثت منذ عام 2005م. كما تحدّت البلاد التراجع الأوسع في الاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا، متصدرة إيرادات القارة الإفريقية بتدفقات بلغت 11 مليار دولار في ذلك العام.

ثم جاء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران..

مع أن مصر ليست في الحقيقة في مرمى النيران المباشر في الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية و “إسرائيل” ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلا أن اقتصادها شديد التأثر بتداعيات هذه الحرب. فإلى جانب ارتفاع أسعار الطاقة ونقصها الذي أثر على معظم أنحاء العالم، تعاني مصر أيضًا من مشاكل تعكس مَواطن الضعف الهيكلية الكامنة في الاقتصاد المصري.

لقد كانت الضربة الأولى المباشرة من تداعيات الحرب على إيران متعلقة بالطاقة. ففي العاشر من مارس 2026، استيقظ المستهلكون المصريون ليجدوا أن لجنة التسعير الآلي للوقود التابعة لوزارة البترول قد رفعت أسعار جميع فئات الوقود بنسب تتراوح بين 15% و22%، وذلك في تمام الساعة الثالثة صباحًا.

ويبدو أن هذه الزيادات قد أُعلن عنها قبل أن تدخل حيز التنفيذ مباشرة. ورغم أن الحكومة كانت قد وعدت بعدم رفع أسعار الوقود مجددًا، لمدة عام على الأقل، بعد آخر زيادة حدثت في شهر أكتوبر من العام السابق، إلا أن هذا الإعلان أشار إلى وجود “ظروف استثنائية” أدت إلى اتخاذ هذا القرار.

وعلى الرغم من أن لدى مصر اتفاقيات تحوط للحماية من الظروف القاهرة، إلا أن هذه الاتفاقيات لا تغطي سوى 60% من احتياجاتها من واردات الطاقة. وقد أدى استهداف إيران لحركة ناقلات النفط في مضيق هرمز إلى تعطيل إمدادات الطاقة الدولية، ولم تكن مصر وحدها التي واجهت تداعيات ذلك.

ومع ذلك، فإنّ الادعاءات بوجود أزمة عالمية، مهما كان الكلام منطقيًّا، لا تُجدي نفعًا إلى حد كبير بالنسبة لسكان يعانون أصلًا من انخفاض مستوى معيشتهم بشكل عام.

ثم تفاقمت المشكلة بسبب قيام “إسرائيل”، التي تُزوّد ​​مصر بنسبة 15-20% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي، بإغلاق حقل “ليفياثان” في الثامن والعشرين من شهر فبراير خشيةً وقوع أضرار تنجم عن أي هجوم إيراني محتمل، ما أدى إلى توقف إمدادات الغاز إلى مصر.

وفي محاولة أخرى لترشيد استهلاك الطاقة محليًّا، وإدراكًا منها لاحتمالية حدوث اضطرابات في حال إعادة العمل بنظام انقطاع التيار الكهربائي المتناوب الذي كان سائدًا في السنوات السابقة خلال أشهر الصيف التي تشهد استهلاكًا كثيفًا للطاقة، فقد فرضت الحكومة المصرية إغلاقًا إلزاميًّا لجميع المحلات التجارية والمطاعم والمقاهي والمراكز التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً ابتداءً من 28 من شهر مارس. وإن هذا القرار قد رُفع في 28 من شهر أبريل بعد شكاوى جدية من قِبل تجار التجزئة.

ولم تتضح بعد آثار ذلك على قطاع السياحة، لكن القطاع يتوقع تداعيات سلبية بطبيعة الحال. وقد زاد الأمر سوءًا ذلك التحذير الذي أطلقته وزارة الخارجية الأمريكية والذي صدر في الثاني من مارس بشأن السفر إلى مصر وأكثر من اثنتي عشرة دولة أخرى في المنطقة، والذي حثّ المواطنين الأمريكيين على مغادرة هذه الدول، وبينها مصر، فورًا “بسبب مخاطر أمنية جسيمة”. ورغم استبدال هذا التحذير بعد بضعة أيام، وتحديدًا في السابع من مارس، بتحذير آخر يؤكد أن مصر من أكثر الدول أمانًا في المنطقة، إلا أن العاملين في قطاع السياحة أكدوا أن الضرر كان قد وقع بالفعل.

كما تضررت أيضًا الصادرات بشدة. ففي غضون أيام من اندلاع الحرب على إيران، بدأت تكاليف التأمين والشحن المرتفعة تؤثر سلبًا على الإيرادات. ووفقًا لوكالة أنباء رويترز، فقد أشار تقرير داخلي صادر عن وزارة المالية إلى أنه “في أول يومين أو ثلاثة أيام من الحرب، انخفضت بيانات الصادرات بنسبة 77% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. كما انخفضت كذلك بيانات الصادرات إلى المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة – اللتين تمثلان معًا أكثر من ثلث صادرات مصر – بنسب تُقدّر بـ 83% و 90% على التوالي”.

كم أن قناة السويس المنكوبة تعاني أيضًا من تبعات هذه الأزمة الناتجة عن الحرب. فمع أن حركة الملاحة عبر القناة كانت قد بدأت بالتعافي مطلع هذا العام، حيث بلغت إيراداتها 449 مليون دولار في الشهر الأول من عام 2026م تقريبًا، إلا أن حجمها انخفض خلال الأيام الأولى من الحرب على إيران. ويعزو الخبراء هذا التراجع إلى تصاعد المخاطر الأمنية وارتفاع أقساط التأمين المرتبطة باحتمالية شنّ الحوثيين في اليمن هجمات.

إلا أن هذه الخسائر تُعدّ ضئيلة نسبيًّا مقارنة بتلك الخسائر التي تراكمت كنتيجة مباشرة لواحدة من أخطر نقاط ضعف مصر وأكثرها استمرارًا، وهي: الأموال الساخنة.

ولطالما سعت مصر باستمرار إلى سد عجزها الكبير في الميزانية العامة من خلال عمليات شراء قصيرة الأجل لسندات الخزانة المصرية من قبل مستثمرين غير مقيمين. حيث يُعرف هذا النوع من رأس المال بـ “الأموال الساخنة”، نظرًا لطريقة تداوله السريعة، حيث يدخل ويخرج من الأسواق لتحقيق أقصى قدر من العوائد للقائمين عليه.

وتُعدّ الأسواق الناشئة بيئة جاذبة للمستثمرين لأنها تتميز في العادة بأسعار فائدة أعلى بكثير من المتاحة في الأسواق المتقدمة. ويسعى المستثمرون إلى تحقيق توازن بين المخاطر المقبولة والربح المرجو، وإذا ارتفع مستوى المخاطرة بشكل مفرط، فإنهم يسحبون استثماراتهم. وتهرب رؤوس الأموال الساخنة، بشكل حتمي، من الاقتصادات الناشئة إلى الاقتصادات المتقدمة عند أول بادرة لمواجهة مشاكل، وهي في الحقيقة مشكلة واجهتها مصر بشكل متكرر وباعث على الملل.

وقد كانت آخر حادثة مُزعزعة للاستقرار بشكل خطير تعرضت لها مصر خلال الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في أوائل عام 2022م، عندما سُحب نحو 20 مليار دولار من الأموال الساخنة من مصر، مما أدى إلى استنزاف احتياطياتها بشكل كبير. وفي شهر يونيو من عام 2022م، أقر وزير المالية آنذاك، د. محمد معيط، بأن مصر تعاني من مشكلة الأموال الساخنة، قائلًا: “الدرس الذي تعلمناه هو أنه لا يمكن الاعتماد على هذا النوع من الاستثمار”، مضيفًا: “إنها (الأموال الساخنة) تأتي فقط لتحقيق عوائد مرتفعة، وبمجرد حدوث صدمة، تغادر البلاد”.

وبعد مرور أربع سنوات والتعرض لأزمة أخرى، لا يبدو أن مصر قد تعلمت الدرس تمامًا وأصبحت أكثر حكمة. ففي حين أن إغراء تدفقات العملات الأجنبية التي تبدو سهلة قد يكون صعبًا على أي اقتصاد ناشئ مقاومته، فقد تكبدت مصر خسائر كافية لتدرك أن التكاليف الناتجة عن هذه التدفقات قد تكون باهظة الثمن.

التعلم من دروس الماضي

في الحقيقة، يبدو أن تكاليف هذه الأزمة بالذات، لحسن حظ مصر، كانت أكثر اعتدالًا. فقد خرج ما يقارب 10 مليارات دولار من مصر منذ بداية الحرب، ومن المرجح أن يتم استيعاب الصدمة بشكل أفضل هذه المرة. وقد راكمت البنوك سيولة بالعملات الأجنبية مرتبطة بتدفقات أجنبية كبيرة، مما أدى إلى بلوغ صافي أصولها الأجنبية مستوى قياسيًّا، حيث بلغ حوالي 30 مليار دولار اعتبارًا من يناير 2026م.

ويتناقض هذا الوضع تمامًا مع الأزمة التي واجهتها مصر في عام 2022م، حين واجهت البنوك التزامات خارجية صافية نتيجة لتدفقات رأس المال الخارجة من البلاد ونقص العملات الأجنبية. وبينما قد تتأثر نسب رأس المال في حال انخفاض قيمة الجنيه المصري بشكل حاد، إلا أن البنوك، وفقًا لتصنيفات وكالة فيتش (التي تقوم بتصنيف الجدارة الائتمانية للكيانات والدول بناءً على القدرة على سداد الديون)، تتمتع بربحية جيدة، ورأس مال كافٍ، واحتياطيات سيولة كافية بالعملات الأجنبية.

في واقع الأمر، تعمل مصر على تعزيز قدرتها على الصمود (في وجه مثل هذه الأزمات)، رغم نقاط ضعفها الهيكلية. وهناك احتمال كبير أن تتجاوز القاهرة هذه الأزمة بشكل أفضل من سابقاتها. وبينما يعود الفضل في ذلك جزئيًّا إلى لعبة الحظ، فإنه يعود أيضًا إلى حد كبير إلى التخطيط المسبق.

وعلى الرغم من الإغراء الشديد للتخلي عن نظام سعر الصرف القائم على السوق في ظل الانخفاض الحالي لقيمة الجنيه المصري مقابل الدولار الأمريكي، إلا أن الحكومة المصرية لا تزال ملتزمة بهذا النظام. ولم تتدخل لدعم عملتها المحلية.

كما أن مصر لا تزال ملتزمة ظاهريًّا بتقليص دور الدولة في الاقتصاد، لكن أحدث مراجعة لصندوق النقد الدولي تشير بشكل قاتم إلى أنه “لم يحدث أي سحب جوهري للاستثمارات خلال الـ 24 شهرًا الماضية، في حين تمَّ إنشاء كيانات عسكرية جديدة”.

ويبدو أن رجال الأعمال في مصر متفقون على أن الحكومة تتعامل مع هذه المسألة بجدية، لا سيما وأن التكاليف أصبحت باهظة للغاية، من حيث الإنفاق العام على الشركات غير الكفؤة المملوكة للدولة.

التحوط من المستقبل

ويبدو أن مصر تسعى أيضًا إلى معالجة نقطة ضعفها الرئيسية الأخرى استراتيجيًّا، ألا وهي: الطاقة. فبينما استأنفت “إسرائيل” توريد الغاز مطلع شهر إبريل، تتطلع الحكومة المصرية إلى شراء 40 شحنة من الغاز الطبيعي المسال خلال الشهرين المقبلين لتلبية احتياجات البلاد خلال فصل الصيف، حيث يرتفع الاستهلاك إلى ما بين 15 و20 شحنة شهريًّا في المتوسط. وسيأتي جزء كبير من هذا الغاز الطبيعي المسال من الإمدادات الأمريكية.

فقد وافق مجلس إدارة بنك التصدير والاستيراد الأمريكي (EXIM)، في بداية شهر إبريل، على أكثر من ملياري دولار من تأمين ائتمان الصادرات لدعم شحنات الغاز الطبيعي المسال الأمريكي إلى مصر.

وعلى الرغم من أن ذلك يمثل فرصة تجارية رائعة للمصدرين الأمريكيين، إلا أنه يُعدّ أيضًا نوعًا من الدعم الأمريكي المرغوب لمصر، إذ يُسهم في توفير سلعة حيوية بدلًا من تلقي قرض يُغرق مصر في المزيد من الديون. وهذه نقطة قوة مهمة للقاهرة، لا سيما وأن 64% من الإنفاق مُخصص لخدمة الدين في ميزانيتها المقترحة الجديدة.

وتسعى مصر أيضًا إلى اتباع مسارين آخرين: يتمثل المسار الأول في تسريع تحقيق أهدافها في مجال الطاقة المتجددة، بهدف توليد 42% من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول عام 2030م، مدفوعًا بمشاريع ضخمة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بما في ذلك مجمع بنبان للطاقة الشمسية بقدرة 1800 ميجاواط، ومبادرات متنوعة للهيدروجين الأخضر. وحتى عام 2025م، كان قد تم توقيع 32 اتفاقية شراء طاقة مع مطورين من القطاع الخاص لتوليد 1465 ميجاواط من الطاقة المتجددة.

أما المسار الآخر فيعتمد على الوقود الأحفوري التقليدي. حيث تتطلع مصر إلى شراء كامل إنتاج حقل أفروديت للغاز في قبرص عند بدء تشغيله خلال ست سنوات، بينما من المتوقع أن يبدأ حقل كرونوس للغاز، الواقع أيضًا في قبرص والذي طورته شركتا إيني الإيطالية وتوتال الفرنسية، التشغيل وتزويد مصر بالغاز في أقل من عامين.

وعلى الصعيد المحلي، اكتشفت شركة إيني الإيطالية تريليوني قدم مكعب من الغاز في حقل التمساح المصري في البحر المتوسط، وهو الأقرب إلى اليابسة المصرية. ولكن إلى حين بدء تشغيل هذه الموارد، سيتعين على مصر الاستمرار في محاولة تحصين نفسها ضد حالة عدم اليقين الجيوسياسي.

وتشمل حالة عدم اليقين هذه تقلبات التحالفات والمصالح الإقليمية. وقد أدى الضغط المتواصل الذي تعرضت له دول الخليج من إيران إلى تقويض الوضع الراهن، مما أدى إلى انقسام التحالف الخليجي.

وقد أشارت دولة الإمارات العربية المتحدة، على وجه الخصوص، إلى أنها أعادت النظر في أولوياتها وتحالفاتها، وبدأت هذه الحقبة الجديدة بإعلان انسحابها من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك). ولم تُخفِ دولة الإمارات شعورها بخيبة أمل من حلفائها السابقين.

ورغم عدم صدور بيان رسمي، إلا أنه من المفهوم على نطاق واسع أن مصر من بين الدول التي رأت دولة الإمارات العربية المتحدة أنها لم ترقَ إلى مستوى الحدث بشكل كافٍ، وأن القاهرة لا ينبغي أن تعوّل بعد ذلك على دعمها المالي السخي.

لقد تحوّل الدعم المالي لدول الخليج في مصر منذ فترة طويلة من دعمٍ ميسّرٍ غير مقيّد إلى استثمارٍ أجنبي مباشر ذي توجهٍ تجاريّ وعائدٍ مُسبق. ومع ذلك، فلا يزال الاستثمار الأجنبي المباشر أداةً سياسيةً فعَّالة. وتشهد الأسواق الناشئة منافسةً شديدةً عليه، ومن المرجّح أن يكون لهذا التحوّل الإقليمي الحالي تأثير كبير بطرق لا حصر لها.

إنها وضع حساس بالنسبة للقاهرة. فلطالما كان الاقتصاد بمثابة صمام الأمان لاستقرار مصر السياسي. وبالطبع، فإنه يمكن القول إن استقرار معظم الدول يتناسب طرديًّا مع ازدهارها الاقتصادي؛ ولكن في حالة مصر، فمن السهل رسم خط مباشر بينهما. وجدير بالذكر أن الأحداث الاقتصادية كانت قد أدت إلى اضطرابات سياسية في أعوام 1977 و2011 و2013م.

وبالنظر إلى أن الاقتصاد المصري قد مرّ بالعديد من الأزمات على مدى العقود القليلة الماضية، فقد حرصت الحكومات المتعاقبة على تجنب نقطة تحول يصعب التنبؤ بها وقد تؤدي إلى اضطرابات وأحداث لا تُحمد عقباها. لذا، فإن تقليص دور الدولة في الاقتصاد ليس مجرد وسيلة لاسترضاء صندوق النقد الدولي.

وتشهد مصر، الدولة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في الشرق الأوسط، دخول ما يُقدّر بـ 1.3 مليون شخص إلى سوق العمل سنويًّا، بينما لا تُستحدث سوى 500 ألف وظيفة جديدة بالكاد كل عام. وبالنظر إلى أن القطاع الخاص إنما يوفر وظائف لنحو 80% من القوى العاملة في مصر، ويساهم بنسبة 75% من الناتج المحلي الإجمالي في البلاد، يبدو أن التخلي عن بعض الأصول هو المسار الأمثل لتحقيق الأمن الاقتصادي والسياسي. ويتأثر اقتصاد مصر وأمنها بقدرة الحكومة واستعدادها لمنح القطاع الخاص المساحة اللازمة ليصبح محرك النمو في البلاد.

ويتعين على الحكومة أيضًا أن تدرك تمامًا أن علاقاتها مع الجهات المانحة الخارجية قد تغيرت. فقد أصبح الخليج لسنوات عديدة مصدرًا للاستثمار الأجنبي المباشر فقط، وحتى هذا المصدر من المرجح أن يصبح أكثر تقييدًا في ظل التكاليف المالية للحرب الحالية التي تشنها الولايات المتحدة و”إسرائيل” على إيران.

في الحقيقة، سيكون من المتعين على مصر بذل المزيد من الجهود لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر. وقد بلغت آخر حزمة تمويل رئيسية من الاتحاد الأوروبي 7.4 مليار يورو في عام 2024م. ومن هذا المبلغ، هناك 5 مليارات يورو كانت قروضًا ميسرة، و600 مليون يورو كانت منحًا، ومليار يورو لصالح الاستثمارات.

وتحتاج مصر إلى السعي لجذب المزيد من الاستثمارات بدلًا من زيادة حجم ديونها. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن مساعدة مصر على الاعتماد على نفسها هي أفضل سبيل لتعزيز الاستقرار. وسيكون تشجيع تنمية القطاع الخاص وتوسيع التجارة عونًا بالغ الأهمية للبلد الأكثر سكانًا في شمال إفريقيا.

وقد كان استثمار بقيمة 129 مليون دولار في عام 2024م، بهدف دعم القطاع الخاص في مصر، والنهوض بالتعليم العام، وتحسين خدمات الصحة العامة، نموذجًا ممتازًا على ذلك. وبالتأكيد سيكون خفض الحواجز التجارية نموذجًا أفضل منه في هذا الخصوص.

وفي النهاية، ستظل مصر تتأثر بشدة بالصدمات الاقتصادية الناجمة عن الحرب الحالية بين الولايات المتحدة و “إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى ، ولكن من المرجح أن تتجاوزها بشكل أفضل هذه المرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى