الملخص
يتناول هذا البحث أثر التحولات في قطاع الطاقة المصري، وبخاصَّة في مجال الغاز الطبيعي، في استقلال القرار السياسي المصري في سياق التحولات الإقليمية والدولية خلال العقد الأخير. ويفترض البحث أن تحوُّل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة عزَّز من وزنها التفاوضي إقليميًّا ودوليًّا، كما ينطلق من فرضية ثانية مؤداها أن نقاط الضعف في مجال الطاقة تُقيّد من استقلالية القرار المصري.
وكانت مصر قد شهدت منذ العام 2015م طفرة في إنتاج الغاز الطبيعي عقب اكتشافات كبرى في شرق البحر المتوسط، ما أتاح لها تحقيق الاكتفاء الذاتي مؤقتًا، وتصدير الغاز الطبيعي المُسَال، وتبني استراتيجية للتحوُّل إلى مركز إقليمي لتجارة وتسييل الغاز. وقد عززت هذه التطورات من موقع مصر في معادلات الطاقة الإقليمية، خاصَّة في ظل تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط، وتنامي أهمية أمن الطاقة الأوروبي بعد اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية.
غير أن هذه الطفرة الإنتاجية لم تكن مستقرة، إذ بدأت مؤشرات تراجع الإنتاج المحلي في الظهور منذ عام 2022م، نتيجة عوامل جيولوجية واستثمارية، في ظل نضوج بعض الحقول البحرية الكبرى، وتباطؤ الاستثمارات الجديدة، وتزامن ذلك مع نمو سريع في الاستهلاك المحلي، خاصَّة في قطاع الكهرباء الذي يعتمد بصورة مكثفة على الغاز الطبيعي، ما أدَّى إلى تقليص فائض التصدير، وعودة الضغوط على ميزان المدفوعات والمالية العامة.
يوضح البحث أن هذا التراجع في الفائض التصديري لم يكن مجرد مسألة فنية، بل كانت له تداعيات سياسية مباشرة، فمكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة ترتبط بقدرتها على الحفاظ على تدفقات مستقرة من الغاز سواء من الإنتاج المحلي أو من إعادة التصدير، وهو ما يجعلها في حالة اعتماد متبادل مع شركاء إقليميّين، خاصَّة في شرق المتوسط. كما أن الاعتماد المتزايد على التمويل الخارجي، سواء من مؤسسات دولية أو من دول الخليج، يضيف بُعدًا ماليًّا إلى معادلة الطاقة، حيث تصبح استدامة القطاع مرتبطة جزئيًّا بتدفقات استثمارية وتمويلية خارجية.
وعلى المستوى الداخلي، ارتبط قطاع الطاقة ارتباطًا وثيقًا ببرامج الإصلاح الاقتصادي، خاصَّة فيما يتعلق بإعادة هيكلة دعم الطاقة وتحرير أسعار الوقود والكهرباء. وقد أسهمت هذه الإصلاحات في تقليص العبء المالي على الموازنة، لكنها في المقابل حملت آثارًا اجتماعية تضخمية، ما جعل إدارة ملف الطاقة جزءًا من معادلة الاستقرار السياسي الداخلي؛ فاستقرار إمدادات الكهرباء والوقود يُعَد شرطًا أساسيًّا للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، في ظِل ذاكرة أزمات الطاقة التي شهدتها البلاد في العقد الماضي.
كما يناقش البحث تأثير التحوُّل العالمي المتسارع نحو الطاقة المتجددة وسياسات خفض الانبعاثات على مستقبل الدور المصري في أسواق الغاز. ففي حال تراجع الطلب الأوروبي طويل الأجل على الغاز الأحفوري، فإن الرهان الاستراتيجي على الغاز كمصدر رئيس للعائدات والنفوذ قد يتقلص تدريجيًّا، ما يفرض على مصر تسريع مسار تنويع مزيج الطاقة، والتوسع في الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر، لضمان استدامة دورها الإقليمي.
ويخلص البحث إلى أن العلاقة بين قطاع الطاقة واستقلال القرار السياسي المصري هي علاقة ذات أبعاد مركبة، فوفرة الموارد وتعاظم الدور الإقليمي يمكن أن يُعززا من الوزن التفاوضي للدولة، ويوسعا من هامش المناورة في سياستها الخارجية، غير أن هذا الأثر يظل مشروطًا باستدامة الإنتاج، وبقدرة الدولة على إدارة الضغوط المالية، وتقليص الاعتماد المفرط على مصدر واحد للطاقة أو على شريك واحد في التمويل.
وبالتالي، فإن مستقبل استقلال القرار المصري يرتبط بمدى قدرة الدولة على الانتقال من نموذج قائم على الاستفادة من اللحظات الجيوسياسية المؤاتية، إلى نموذج أكثر استدامة يقوم على تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الكفاءة، وتحقيق توازن بين متطلبات أمن الطاقة والاستقرار المالي. وفي ظل بيئة دولية سريعة التحوُّل، سوف يظل قطاع الطاقة أحد أهم المتغيرات المحددة لمكانة مصر الإقليمية ولحدود استقلال قرارها السياسي في السنوات المقبلة.
مقدمة
يعد قطاع الطاقة حجر الزاوية في صياغة معادلات القوة وتحجيم أو توسيع هامش المناورة السياسية للدول. تسعى هذه الورقة البحثية إلى استكشاف العلاقة المركبة بين التحولات في قطاع الغاز الطبيعي المصري واستقلالية القرار السياسي في ظِل بيئة إقليمية ودولية مضطربة.
تنطلق الدراسة من فرضيتين متقابلتين؛ الأولى ترى في تحول مصر إلى مركز إقليمي للطاقة رافعةً لوزنها التفاوضي، بينما تفترض الثانية أن الفجوات الإنتاجية والاعتماد المتبادل مع الشركاء الإقليميين يفرضان قيودًا كبيرة على حرية الحركة الاستراتيجية.وبالتالي، فإن مستقبل استقلال القرار المصري يرتبط بمدى قدرة الدولة على الانتقال من نموذج قائم على الاستفادة من اللحظات الجيوسياسية المؤاتية، إلى نموذج أكثر استدامة يقوم على تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الكفاءة، وتحقيق توازن بين متطلبات أمن الطاقة والاستقرار المالي. وفي ظل بيئة دولية سريعة التحوُّل، سوف يظل قطاع الطاقة أحد أهم المتغيرات المحددة لمكانة مصر الإقليمية ولحدود استقلال قرارها السياسي في السنوات المقبلة.
الإطار المنهجي
1 – إشكالية البحث
ينطلق هذا البحث من إشكالية رئيسة، مفادها: إلى أي مدى يؤثر قطاع الطاقة في مصر، ولا سيما الغاز الطبيعي، في تشكيل هامش استقلال القرار السياسي المصري في ظِل التحولات الإقليمية والدولية الراهنة؟
وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة الفرعية، أبرزها: ما طبيعة العلاقة بين موارد الطاقة ومكانة الدولة في التوازنات الإقليمية؟ وكيف انعكس تراجع إنتاج الغاز وارتفاع الاستهلاك المحلي على الدور الإقليمي لمصر كمركز لتجارة الغاز؟ وما حدود تأثير الضغوط المالية والالتزامات الخارجية على توظيف قطاع الطاقة في تعزيز النفوذ والاستقلال السياسي؟
2 – فرضيات البحث
يفترض البحث أنَّ تحوُّل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة عزَّز من وزنها التفاوضي إقليميًّا ودوليًّا، كما ينطلق من فرضية ثانية مؤداها أن نقاط الضعف في مجال الطاقة تُقيِّد من استقلالية القرار المصري.
3 – منهجية البحث
اعتمد البحث على المنهج الوصفي – التحليلي، بغرض تحليل تطور قطاع الطاقة وهيكله الإنتاجي والاستهلاكي، إلى جانب المنهج الاستقرائي لاستخلاص العلاقة بين المتغيرات الاقتصادية (الإنتاج، الاستهلاك، الصادرات، العجز) والمتغيرات السياسية (التحالفات، الموقع التفاوضي، هامش الاستقلالية). كما تمَّ توظيف مقاربة الاقتصاد السياسي لفهم التداخل بين اعتبارات الطاقة والمالية العامة والتحالفات الإقليمية، مع الاستناد إلى بيانات وتقارير صادرة عن مؤسسات دولية وإقليمية، وإحصاءات رسمية، ودراسات أكاديمية حديثة.
وبذلك تسعى الدراسة إلى تقديم تحليل تكاملي يجمع بين البُعد الاقتصادي والبُعد الجيوسياسي، لفهم موقع قطاع الطاقة في معادلة القوة والاستقلال في الحالة المصرية خلال العقد الأخير.
أولًا: أهمية الطاقة في تشكيل موازين القوة الدولية والإقليمية
تحتلُّ الطاقة موقعًا مركزيًّا في بنية النظامين الدولي والإقليمي، ليس بوصفها موردًا اقتصاديًّا فحسب، بل باعتبارها أحد الأعمدة التي تُبنى عليها عناصر القوة الشاملة للدول. فالنفط والغاز الطبيعي، ومن بعدهما مصادر الطاقة المختلفة، ترتبط ارتباطًا مباشرًا بقدرة الدولة على تحقيق النمو الاقتصادي، وتطوير قاعدتها الصناعية، وضمان استقرارها الاجتماعي. ومِن ثمَّ، فإن امتلاك موارد الطاقة أو التحكم في مسارات نقلها وأسواقها يمنح الدول هامشًا واسعًا من النفوذ السياسي والاقتصادي، بينما يفرض الاعتماد على الاستيراد قيودًا هيكلية على قرارات الدول الداخلية والخارجية.
وعبر التاريخ الحديث، لم تكن الطاقة عنصرًا هامشيًّا في التحولات الجيوسياسية الكبرى، بل شكَّلت في كثير من الأحيان محركًا خفيًّا أو مباشرًا للصراعات والتحالفات. فمِن التنافس على حقول النفط وخطوط الإمداد خلال الحربين العالميتين، إلى أزمات النفط في سبعينيات القرن العشرين التي أعادت تشكيل موازين القوى بين المنتجين والمستهلكين، وصولًا إلى النزاعات والتدخلات المرتبطة بمناطق إنتاج الطاقة في العالم، ظلَّ عامل الطاقة حاضرًا في إعادة تعريف مفاهيم الأمن القومي والمصلحة الاستراتيجية، وهكذا تحوَّلت الطاقة من مجرد سلعة اقتصادية إلى أداة ضغط سياسي ووسيلة لإعادة تشكيل التحالفات الدولية.
وفي السياق المعاصر، يَتجلَّى هذا البُعد بوضوح أكبر، إذ استطاعت الدول المُصدِّرة للنفط والغاز توظيف مواردها لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي، سواء عبر التأثير في مستويات الإنتاج والأسعار، أو من خلال استخدام الإمدادات كأداة تفاوضية في علاقاتها الخارجية. وفي المقابل، تسعى الدول الصناعية الكبرى إلى تنويع مصادرها وتقليل الاعتماد على مورد واحد، إدراكًا منها لما يحمله الاعتماد المفرط من مخاطر تمسُّ استقلال القرار السياسي وتَحدُّ من حرية الحركة الاستراتيجية.
أما على المستوى الإقليمي، فإن الطاقة كثيرًا ما تُعيد رسم خرائط التوازنات والتحالفات. فقد تقود اكتشافات جديدة إلى نشوء أطر تعاون إقليمي، كما قد تثير في الوقت نفسه تنافسًا حادًّا على الحدود البحرية ومناطق الامتياز. ويُعدُّ شرق البحر المتوسط مثالًا بارزًا على هذا التداخل بين الطاقة والسياسة، حيث أسهمت اكتشافات الغاز خلال العقد الأخير في إعادة تشكيل أنماط الاصطفاف الإقليمي، وأدخلت فاعلين جددًا إلى معادلة النفوذ في المنطقة.
وبذلك، تصبح الطاقة عنصرًا بنيويًّا في تحليل موازين القوة، سواء على الصعيد الدولي أو الإقليمي، لما تحمله من تأثير مباشر في الاقتصاد والأمن والسياسة الخارجية، ولما تتيحه من أدوات تأثير تتجاوز بعدها الاقتصادي إلى المجال الاستراتيجي الأوسع.
1 – التحولات في أسواق الطاقة العالمية
اكتشافات الغاز في شرق المتوسط: شهدت منطقة شرق البحر المتوسط منذ عام 2009م سلسلة من الاكتشافات الغازية الكبرى، مثل حقول “تمار” و”ليفياثان” في إسرائيل، و”أفروديت” في قبرص، وكذلك حقل “ظهر” في مصر عام 2015م الذي يُعتبر أحد أكبر اكتشافات الغاز في المنطقة باحتياطي يقارب 30 تريليون قدم مكعب([1]).
وقد أدَّت هذه الاكتشافات إلى تحول المنطقة إلى محور اهتمام دولي وإقليمي، بسبب ما تمثله من إمكانات لتغطية جزء من الطلب الأوروبي على الغاز، خاصَّة مع سعي الاتحاد الأوروبي إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على روسيا، التي كانت توفر نحو 40% من واردات الغاز الأوروبية قبل الحرب الأوكرانية – الروسية([2]).
وقد أسهمت اكتشافات الغاز في شرق المتوسط في إعادة تشكيل التفاعلات السياسية والتحالفات الإقليمية، حيث اتجهت عدة دول إلى تأسيس أطر مؤسسية للتعاون في مجال الطاقة، أبرزها “منتدى غاز شرق المتوسط”، ومقره القاهرة، والذي أُنشئ عام 2019م بمشاركة مصر واليونان وقبرص وإسرائيل وإيطاليا والأردن، بهدف تطوير سوق إقليمية للغاز وتعزيز الشراكات الاقتصادية والسياسية بين الدول الأعضاء([3]).
وبذلك، لم تعد الطاقة مجرد عامل اقتصادي، بل أصبحت محركًا رئيسًا لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية، سواء في اتجاه التعاون، كما في التحالفات الثلاثية بين مصر واليونان وقبرص، أو في اتجاه التنافس والصراع على مناطق النفوذ البحري.
الحرب الروسية – الأوكرانية وتأثيرها على أسواق الطاقة: أدَّت الحرب بين روسيا وأوكرانيا – التي اندلعت في فبراير/شباط 2022م – إلى واحدة من أكبر الصدمات في أسواق الطاقة العالمية منذ عقود، فقد اعتمدت أوروبا لسنوات طويلة على الغاز الروسي كمصدر رئيس للطاقة، ما جعلها عرضة للضغوط السياسية والاقتصادية مع اندلاع الحرب وفرض العقوبات على موسكو.
وقد دفع هذا الوضع الاتحاد الأوروبي إلى تسريع سياسات تنويع مصادر الطاقة، عبر زيادة واردات الغاز المسال من الولايات المتحدة ودول أخرى، والبحث عن مصادر بديلة في مناطق قريبة جغرافيًّا، مثل شرق المتوسط وشمال إفريقيا([4])، وهو ما منح دولًا مثل مصر وإسرائيل وقبرص موقعًا أكثر أهمية في معادلة أمن الطاقة الأوروبي.
2 – صعود دور مصر في تجارة الغاز والبنية التحتية للطاقة
برزت مصر خلال العقد الأخير كأحد الفاعلين الرئيسين في سوق الغاز في شرق المتوسط، مستفيدةً من عدة عوامل، أهمها اكتشاف حقل “ظهر”، وامتلاكها بنية تحتية متقدمة لتسييل الغاز، وموقعها الجغرافي الذي يربط بين أسواق الشرق الأوسط وأوروبا.
وحتى اليوم، لا يزال تطوير البنية التحتية الوسطى للغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط في مراحله الأولى. وعلى الرغم من ذلك، تُعد مصر الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك قدرة تصدير الغاز الطبيعي المُسَال، والتي تستخدمها إسرائيل لتوصيل الغاز الطبيعي إلى أسواق التصدير في خارج المنطقة. وفي ذات السياق، تهدف قبرص إلى استخدام البنية التحتية للغاز الطبيعي المُسَال في مصر بمجرد بدء حقولها البحرية في الإنتاج، مما قد يؤدي إلى منافسة مع إسرائيل على قدرة مصر على تصدير الغاز الطبيعي المُسَال عبر البنى التحتية المصرية، وهو ما يجعل من مصر مركزًا إقليميًّا لتجميع الغاز من دول المنطقة وإعادة تصديره إلى الأسواق العالمية([5])، وهي أهداف تتماشى مع تبنِّي القاهرة لاستراتيجيات طاقة تهدف إلى التحوُّل إلى مركز إقليمي للطاقة، مستندةً إلى احتياطيات الغاز المكتشفة، والبنية التحتية المتطورة، وعلاقاتها المتوازنة مع دول المنطقة، غير أن هذا الدور يواجه تحديات داخلية وخارجية، من بينها تزايد الاستهلاك المحلي وتراجع الإنتاج في بعض الفترات، ما يضطر مصر إلى استيراد شحنات من الغاز المُسَال لتلبية احتياجاتها الداخلية، وهو ما يعكس الطبيعة المتغيرة لموقعها في سوق الطاقة بين دور المنتج والمستورد.([6])
ثانيًا: بنية قطاع الطاقة المصري ومؤشراته الحالية
1 – هيكل مزيج الطاقة في مصر
تعتمد مصر بشكل كبير على الغاز الطبيعي والنفط كمصدرين رئيسين للطاقة الأولية، حيث أصبح الغاز الطبيعي منذ منتصف العقد الماضي المصدر الأساسي لإنتاج الكهرباء وتغذية الصناعات، بعد اكتشافات كبرى أبرزها حقل “ظهر” في البحر المتوسط عام 2015م، وهي اكتشافات ساهمت في تحويل مصر من مستورد صافٍ للغاز في بعض الفترات إلى دولة تمتلك فائضًا قابلًا للتصدير، ولو بصورة متقلبة تبعًا لمعدلات الاستهلاك المحلي والإنتاج([7]).
وتشير البيانات إلى أن هيكل استهلاك الطاقة الأولية في مصر يتسم بتركيز مرتفع الاعتماد على الغاز الطبيعي، الذي شكَّل نحو 55% من إجمالي استهلاك الطاقة الأولية في عام 2022م، مقابل نحو 41% للنفط ومشتقاته، 2% من الفحم، في حين لم تتجاوز مساهمة مصادر الطاقة المتجددة وغيرها مجتمعة سوى نحو 2% من إجمالي الاستهلاك([8]). ويعكس هذا التوزيع اعتماد الاقتصاد المصري بصورة كبيرة على الغاز الطبيعي كمصدر رئيس لتوليد الكهرباء وتغذية القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة، إضافة إلى الاستخدامات المنزلية والتجارية، مع بقاء مساهمة الطاقة المتجددة في حدود نسب محدودة رغم التوسع التدريجي في مشروعاتها خلال السنوات الأخيرة.
2 – إنتاج الغاز وانعكاساته على إنتاج الطاقة الكهربائية
شهد قطاع الطاقة المصري تحولات جوهرية خلال العقد الأخير، إذ انتقل من مرحلة تحقيق فائض نسبي في الغاز الطبيعي إلى مواجهة ضغوط متزايدة نتيجة تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الطلب الداخلي، لا سيما في قطاع الكهرباء. وقد بلغ إجمالي توليد الكهرباء في مصر نحو 220 مليار كيلوواط/ساعة عام 2023م، مقارنة بنحو 165 مليار كيلوواط/ساعة في عام 2013م، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 3%([9]).
يعتمد توليد الكهرباء في مصر بصورة متزايدة على الغاز الطبيعي، ففي عام 2023م، بلغ التوليد المعتمد على الغاز نحو 179 مليار كيلوواط/ساعة، ما يمثل حوالي 81% من إجمالي الإنتاج، ارتفاعًا من 75% في 2013م ونحو 70% في 2003م([10]). في المقابل، ظل التوليد الكهرومائي مستقرًا نسبيًّا عند مستويات 13 – 14 مليار كيلوواط/ساعة سنويًّا، ما خفَّض مساهمته النسبية إلى نحو 6% فقط في 2023م، مقارنة بـ 14% قبل عقدين. أما الطاقات المتجددة، وبخاصَّة طاقة الرياح والطاقة الشمسية، فعلى الرغم من نموهما السريع خلال السنوات الأخيرة، لم تتجاوز مساهمتهما مجتمعتين نحو 5% من إجمالي التوليد في 2023م([11]).
هذا الاعتماد المكثف على الغاز جعل نظام الكهرباء المصري من أكثر الأنظمة اعتمادًا على الوقود الأحفوري عالميًّا، ما يجعله حساسًا للغاية لتقلبات الأسعار، كما يجعل أي تقلبات في إنتاج الغاز محليًّا تشكِّل ضغوطًا مباشرة على إنتاج الكهرباء وعلى ميزان المدفوعات أيضًا. ومع انخفاض إنتاج الغاز محليًّا في النصف الأول من العام 2025م بنحو 18.9% عن نفس الفترة في العام 2024م، نزولًا من حوالي 26 مليار متر مكعب إلى حدود 21 مليار متر مكعب، قابل ذلك ارتفاع في واردات مصر من الغاز الطبيعي بنسبة 55.5% خلال النصف الأول من العام 2025م لتصل إلى 8.65 مليار متر مكعب مقابل 5.56 مليار متر مكعب في الفترة نفسها من العام 2024م([12]).
وقد انعكست التغيرات في إنتاج واستيراد الغاز أعلاه بشكل مباشر على ميزان المدفوعات، إذ ارتفع عجز الحساب الجاري إلى نحو 22 مليار دولار (نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي) في 2023/2024م، وفق تقارير صندوق النقد الدولي، كما أدَّى نقص العملة الأجنبية إلى صعوبات في سداد مستحقات بعض شركات الطاقة الدولية، وأجبر الحكومة على اللجوء إلى إجراءات ترشيد الاستهلاك، بما في ذلك انقطاعات كهربائية بهدف التقنين ورفع أسعار الطاقة([13]).
وفي ذات السياق، وفي إطار برنامج إصلاحي مدعوم من صندوق النقد الدولي، تعهدت الحكومة المصرية بالوصول إلى مستوى استرداد كامل لتكاليف الكهرباء والوقود بحلول نهاية 2025م. وبالفعل، تمَّ رفع أسعار الكهرباء للمستهلكين بنسب تراوحت بين 7% و20% في مطلع 2024م، تلتها زيادات إضافية تراوحت بين 14% و50% في أكتوبر/تشرين الأول 2024م([14]).
ومع ارتفاع عدد سكان مصر من نحو 95 مليون نسمة عام 2013م إلى ما يقارب 114 مليونًا في 2023م، مع متوسط عمر فتي يبلغ 24 عامًا تقريبًا، ومع تقديرات بوصول عدد السكان في مصر إلى حوالي 127 مليونًا بحلول 2030م و145 مليونًا بحلول 2040م([15])، ومع متوسط توليد كهرباء يعادل أقل من 1800 كيلوواط/ساعة للفرد في عام 2023م، أي أقل من نصف المتوسط العالمي البالغ 3700 كيلوواط/ساعة([16])، يمكن حينها فهم حجم الضغوط المستقبلية على منظومة الطاقة وحجم الاستثمارات اللازمة لتغطية الطلب المتوقع مستقبلًا، وسيظل تحقيق التوازن بين أمن الإمدادات واستدامة المالية العامة تحديًا أساسيًّا يواجه الحكومة المصرية في السنوات القادمة، وهو ما يجعل من ضرورات تطوير هيكل الطاقة، وتعزيز كفاءة الاستهلاك، وتسريع نشر الطاقات المتجددة، خيارات استراتيجية حاسمة لضمان استدامة قطاع الطاقة المصري على المدى الطويل.
3 – إنتاج النفط ومشتقاته
رغم صعود دور الغاز الطبيعي، ما يزال النفط يمثل مكونًا مهمًا في مزيج الطاقة المصري، حيث تنتج مصر ما يقرب من 520 ألف برميل يوميًّا من النفط الخام، تتركز بشكل رئيس في خليج السويس والصحراء الغربية، في حين تخطط الحكومة إلى الوصول بإنتاجها خلال العام المالي الحالي الذي ينتهي في يونيو/حزيران 2026م إلى 550 ألف برميل يوميًّا، مقابل زيادة إنتاجها ليصل إلى 580 ألف برميل يوميًّا في العام المقبل([17]).
غير أن هذا الإنتاج لا يغطي كامل احتياجات السوق المحلية، ما يجعل مصر مستوردًا صافيًا لبعض المنتجات النفطية، خاصَّة الديزل، ويتركز استهلاك النفط بصورة رئيسة في قطاع النقل، الذي يمثل الحصة الأكبر من الطلب على المنتجات البترولية، إضافة إلى بعض الاستخدامات الصناعية ومحطات الكهرباء التي تعمل بالوقود السائل في حالات نقص الغاز؟
وقد تبنت الحكومة المصرية خلال العقد الماضي برنامجًا تدريجيًّا لإصلاح دعم الطاقة، بهدف تقليل العبء المالي على الموازنة العامة وتحسين كفاءة تخصيص الموارد([18])، وقد كان لهذه الإصلاحات أثر مباشر في إعادة هيكلة أسعار المشتقات النفطية داخليًّا وتقليص الدعم الموجه إلى قطاعات واسعة من السكان.
ثالثًا: مكانة مصر في التحولات العالمية للطاقة
تُعتبَر مصر اليوم أحد اللاعبين الإقليميّين البارزين في سوق الطاقة، خاصَّة في ظِل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي عصفت بأسواق الطاقة العالمية خلال العقد الأخير، حيث انتقل دور مصر تدريجيًّا من دولة مستهلكة تقليدية إلى دولة محورية في تجارة وتداول الغاز الطبيعي والطاقة، في محاولة لاستثمار موقعها الاستراتيجي، ومواردها، وبنيتها التحتية لتحقيق نفوذ أكبر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوروبا.
1 – تطور موقع مصر كمركز إقليمي للطاقة
يُعد التحول الذي شهدته مصر نحو مركز إقليمي للطاقة واحدًا من أبرز الأحداث في قطاع الطاقة في منطقة الشرق الأوسط، ويستند هذا التحول إلى عدة عوامل أساسية، أهمها الموقع الجغرافي والبنية التحتية المصرية، حيث تقع مصر عند تقاطع القارات الثلاث، إفريقيا، آسيا، وأوروبا، كما تمتد سواحلها على البحرين الأحمر والمتوسط، مما يجعلها حلقة وصل استراتيجية في شبكات الطاقة العالمية. كما تُشكِّل قناة السويس نقطة عبور رئيسة لشحنات النفط والغاز المُسَال عبر الشرق الأوسط وإفريقيا إلى أوروبا وأمريكا([19]).
وقد عززت مصر خلال السنوات الماضية من مكانتها من دولة تعتمد في استهلاك مصادر الطاقة التقليدية إلى لاعب رئيس في تداول الغاز الطبيعي وإعادة تسييله. وتعد مصر الدولة الوحيدة في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط التي تمتلك قدرة تصدير غاز طبيعي مُسَال تشغيلية وقادرة على استيراد الغاز من الدول المجاورة قبل إعادة تصديره كغاز طبيعي مُسَال، حيث تمتلك البلاد اليوم محطتين لتسييل الغاز الطبيعي في مدينتي إدكو ودمياط على البحر الأبيض المتوسط، وتبلغ قدرة محطة الغاز الطبيعي المُسَال المصرية في إدكو 7.2 مليون طن سنويًّا، مقابل 5 مليون طن في محطة دمياط([20])، إلى جانب امتلاك البلاد لعدة محطات لتحويل الغاز المُسَال إلى حالته الغازية، مما يمنحها أفضلية واضحة في شرق المتوسط([21]).
وقد ارتكزت الاستراتيجية المصرية في تحويل البلاد إلى مركز إقليمي للطاقة بشكل أساسي على تطوير التشريعات، وتحديث البنية التحتية، وجذب الاستثمار الأجنبي، حيث أطلقت الحكومة برامج استراتيجية تستهدف توسيع قدرات تجارة وتداول الغاز، شملت إنشاء سوق غاز منظم، وتوقيع مذكرات تفاهم مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وتوقيع اتفاقات ثنائية مع دول مثل قبرص لمد خطوط أنابيب لنقل الغاز عبر البحر المتوسط إلى مصر ثم إلى الأسواق العالمية([22]).
2 – علاقات مصر الرئيسة في قطاع الطاقة
أ / العلاقات مع إسرائيل:
تمثل العلاقات المصرية – الإسرائيلية في قطاع الطاقة أحد أكثر محاور التعاون حساسية وتعقيدًا في شرق المتوسط، نظرًا لتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع الأبعاد السياسية والأمنية. فمنذ اكتشافات الغاز الكبرى في الحوض الشرقي للمتوسط خلال العقد الماضي، تحوَّلت الطاقة إلى أحد أهم أدوات إعادة تشكيل العلاقات بين البلدين، في سياق أوسع من ترتيبات إقليمية جديدة في المنطقة.
بدأ التحوُّل الأبرز في هذا المسار بعد اكتشاف حقلي “تمار” و”ليفياثان” في المياه الإسرائيلية، في مقابل اكتشاف حقل “ظهر” في المياه المصرية عام 2015م. ومع امتلاك مصر بنية تحتية متقدمة لتسييل الغاز في إدكو ودمياط، مقابل افتقار إسرائيل إلى منشآت تسييل أو منافذ تصدير واسعة، نشأت معادلة تكاملية بين الطرفين تقوم على تصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر لإعادة تسييله وتصديره إلى الأسواق العالمية، وخاصَّة أوروبا.
وفي هذا السياق، دخلت مصر منذ أواخر عام 2019م مرحلة استيراد الغاز من إسرائيل بموجب اتفاقيات طويلة الأجل، أبرزها اتفاق بقيمة تقارب 15 مليار دولار لتوريد الغاز من حقلي “تمار” و”ليفياثان” إلى مصر على مدى عشر سنوات([23]). وقد مثَّل هذا الاتفاق نقطة تحوُّل استراتيجية، إذ انتقلت العلاقة من مرحلة تصدير مصر للغاز إلى إسرائيل قبل عام 2011م إلى مرحلة استيراد الغاز الإسرائيلي واستخدامه محليًّا أو إعادة تصديره.
غير أن التطور الأهم جاء في نهاية عام 2025م، حين تمَّ الإعلان عن اتفاق جديد لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر بقيمة تقارب 35 مليار دولار، يُعَد الأكبر في تاريخ صادرات الغاز الإسرائيلية، ويمتد لسنوات طويلة حتى حدود عام 2040م([24]). ويمثل هذا الاتفاق امتدادًا استراتيجيًّا للاتفاقات السابقة، لكنه يحمل دلالات أعمق؛ فمن جهةٍ، يعكس اعتماد إسرائيل المتزايد على مصر كممر رئيس لتصدير غازها إلى الأسواق العالمية، نظرًا لعدم امتلاكها منشآت تسييل مستقلة، ومن جهةٍ أخرى، يُكرِّس اعتماد مصر على واردات الغاز الإسرائيلي لتغطية الطلب المحلي أو الحفاظ على تدفقات التصدير عبر منشآت التسييل.
اقتصاديًّا، يمنح هذا النمط من التعاون مصر عدة مزايا، فهو يضمن تدفقات مستمرة من الغاز إلى محطات التسييل، ما يسمح بالحفاظ على دورها كمركز إقليمي لإعادة التصدير، حتى في فترات تراجع الإنتاج المحلي، ويُعزِّز موقع مصر في شبكات الطاقة الإقليمية والعالمية، إلا أن هذا النموذج يفرض في الوقت نفسه درجة من الاعتماد المتبادل، حيث يصبح استمرار دور مصر كمركز للطاقة مرتبطًا بتدفقات الغاز من الحقول الإسرائيلية.
سياسيًّا، يعكس هذا التعاون تحوُّلًا في طبيعة العلاقات الثنائية، إذ انتقلت من إطار السلام البارد إلى شراكة اقتصادية في قطاع استراتيجي، وقد ساهمت هذه الشراكة في تعزيز قنوات التنسيق السياسي والأمني بينهما، كما وفرت أرضية مشتركة داخل أطر إقليمية مثل منتدى غاز شرق المتوسط.
هذه المزايا التي تحملها الاتفاقيات على المستوى النظري، تذهب أدراج الرياح عند التنفيذ، حيث تُشير الأحداث إلى استخدام تل أبيب للغاز كورقة ضغط متكرر على القاهرة، إذ توقف الغاز الإسرائيلي عن الوصول إلى مصر أكثر من مرة في سياقات أمنية مختلفة، وهو ما أجبر الحكومة المصرية مرارًا على وقف نشاط مصانع كثيفة الاستخدام للطاقة كالإسمنت والأسمدة، وكبَّد الاقتصاد المصري خسائر كبيرة، وأثر كذلك على إمدادات الطاقة محليًّا([25])، كما تُشير الكثير من التحليلات، وهو ما أكدته وسائل إعلام إسرائيلية، أن القطع المتكرر للغاز عن مصر من الجانب الإسرائيلي له أهداف واضحة باستخدام الغاز لإجبار القاهرة على قبول إملاءات سياسية تتعلق بقبول تهجير الفلسطينيين وانتشار القوات المصرية في سيناء([26]).
وعلى الرغم من تضمن الاتفاقات بين الطرفين لضمانات وبنود تحفظ حق كليهما، وإذا أوقفت إسرائيل توريد الغاز لأسباب سياسية، فيمكن لمصر نظريًّا مقاضاتها، إلَّا أن الواقع قد يكون مختلفًا كليًّا، حيث يُمكن لإسرائيل دائمًا الادعاء بأن توقف إمدادات الغاز هدفه أمني يتمثل في حماية المنشآت في أوقات النزاعات، وهو ما حدث مرارًا، سواءً عند بدء الحرب في قطاع غزة أو عند حرب الـ 12 يومًا مع إيران.
وتظهر هذه المتغيرات أن التعاون في مجال الغاز بين مصر وإسرائيل، رغم ما يحمله من مزايا اقتصادية مثل ضمان تدفقات الغاز اللازمة لتشغيل محطات التسييل وتعزيز مكانة القاهرة كمركز إقليمي للطاقة، فإنه ما يزال عرضة لتقلبات سياسية وأمنية، ويعكس هشاشة العلاقة في ظِل الصراعات الإقليمية. ومن ثمَّ، فإن الاعتماد المتبادل في قطاع الطاقة لا ينفصل عن العلاقات السياسية الأوسع بين البلدين، ولا عن كيفية إدارة القاهرة لخياراتها في سياق مناخ إقليمي متوتر وماضي طويل من التنافس والاختلافات السياسية.
ب – العلاقات مع دول الخليج:
تُشكِّل العلاقات المصرية مع دول الخليج، وبخاصَّة السعودية والإمارات والكويت، أحد أهم الأبعاد التي تفسِّر تفاعل قطاع الطاقة المصري مع البيئة الإقليمية، ليس فقط من زاوية التعاون الاقتصادي، بل أيضًا من حيث انعكاساته على هامش الاستقلال في القرار السياسي والاقتصادي.
فمنذ عام 2013م، ارتبط استقرار منظومة الطاقة المصرية بدرجة ملموسة بالدعم الخليجي، سواء عبر إمدادات الوقود، أو الاستثمارات المباشرة في قطاعي الكهرباء والطاقة المتجددة، وهو ما جعل العلاقة بين الطرفين تتجاوز الطابع التجاري التقليدي لتصبح جزءًا من معادلة الاستقرار الاقتصادي الكلي في مصر.
في مرحلة ما بعد انقلاب عام 2013م، وفي مواجهة أزمة حادة في إمدادات الوقود وانقطاعات متكررة في الكهرباء، قدمت السعودية والإمارات والكويت مباشرة 3 مليار دولار لشراء مواد بترولية([27])، وقد أسهم هذا الدعم في إعادة تشغيل محطات الكهرباء واستقرار سوق الطاقة.
ووفقًا لتقارير صندوق النقد الدولي، شكَّل التمويل الخليجي أحد العناصر الأساسية التي ساعدت مصر في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي بدءًا من 2016م، بما في ذلك خفض دعم الطاقة وتحرير أسعار الوقود([28]). ويكشف هذا المسار عن نمط من الاعتماد المتبادل، حيث تعتمد مصر على التمويل والاستثمارات الخليجية لتغطية فجوات الطاقة والميزان الخارجي، بينما تسعى الدول الخليجية إلى توظيف هذه الاستثمارات لتعزيز نفوذها الاقتصادي والاستراتيجي في أكبر سوق عربي من حيث عدد السكان.
وفي السنوات الأخيرة، لم يَعُد التعاون مقتصرًا على الدعم المالي أو توريد الوقود، بل انتقل تدريجيًّا إلى نمط من التكامل في البنية التحتية للطاقة. ويبرز مشروع الربط الكهربائي بين مصر والسعودية مثالًا على هذا التحول، إذ يهدف إلى تبادل ما يصل إلى 3000 ميغاواط من الكهرباء، بما يسمح بتبادل الفوائض وتقليل تكاليف التوليد وتحسين أمن الطاقة في البلدين([29]). كما اتخذ التعاون بعدًا استراتيجيًّا جديدًا في مجالات التحوُّل نحو الطاقات المتجددة، خاصَّة مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، حيث دخلت شركات خليجية في شراكات لإنتاج الطاقة النظيفة وتصديرها إلى أوروبا، وتمثل هذه المشاريع جزءًا من استراتيجيات خليجية لتنويع استثماراتها في سلاسل الطاقة المستقبلية، مستفيدةً من الموقع الجغرافي المصري والبنية التحتية المتاحة، ومِن ثمَّ، فإن مصر تُعمِّق من تحوُّلها إلى منصة إقليمية لمشاريع الطاقة الجديدة بتمويل خليجي، ما يُعمِّق الترابط الاقتصادي بين الطرفين.
تحليليًّا، يمكن القول إن التعاون المصري الخليجي في قطاع الطاقة أنتج معادلة مركبة بين الاستقرار والاعتماد المتبادل. فمن جهةٍ، أسهم الدعم والاستثمارات الخليجية في منع أزمات طاقة حادة، ووفَّر لمصر هامشًا زمنيًّا لتنفيذ إصلاحات هيكلية في القطاع، ومن جهةٍ أخرى، أدَّى الاعتماد المتكرر على هذا الدعم، خاصَّة في أوقات الأزمات، إلى ربط استقرار الاقتصاد وقطاع الطاقة المصري بتوجهات الشركاء الإقليميّين وتدفقات رؤوس الأموال القادمة منهم.
وتتضح هذه المعادلة بشكل أكبر في برامج الإصلاح المدعومة من صندوق النقد الدولي، فعندما تمَّ توقيع اتفاق “التسهيل الممدد” ما بين مصر والصندوق في نوفمبر/تشرين الثاني 2016م، بقيمة 12 مليار دولار، كان أحد الافتراضات الأساسية للبرنامج هو استمرار تدفق التمويل الخارجي من شركاء إقليميّين، خاصَّة دول الخليج. كما أشار الصندوق صراحة إلى أن الودائع والاستثمارات الخليجية سوف تُشكِّل جزءًا من حزمة التمويل الكلية اللازمة لتغطية فجوة التمويل الخارجي خلال سنوات البرنامج الأولى، ما يعكس دورها كعامل دعم للاستقرار النقدي والمالي([30])،
ووفقًا لبيانات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، قدَّمت الإمارات والسعودية والكويت مجتمعةً 34 مليار دولار لمصر في الفترة بين 2013 و2022م على شكل منح نقدية وشحنات نفط وودائع في البنك المركزي المصري([31])، في حين شهد الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة تدفقًا مكثفًا للاستثمارات من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، سواء في شكل استثمارات مباشرة أو شراكات استراتيجية عبر مشروعات كبرى في مجالات متعددة.
ووفقًا لبيانات رسمية، قفزت تدفقات الاستثمارات الخليجية في مصر إلى نحو 41 مليار دولار خلال العام المالي 2023 – 2024م، لتشكِّل الحصة الأكبر من الاستثمار الأجنبي المباشر في البلاد، تتوزَّع هذه الاستثمارات على طيف واسع من القطاعات الاقتصادية، أبرزها العقارات والسياحة والبنية التحتية والطاقة والخدمات المالية والصناعة([32]).
هذا التدفق الاستثماري يُعدُّ دعامة مهمة للاقتصاد المصري، لا سيما في وقتٍ يعاني فيه من ضغوط مالية واحتياجات عالية للتمويل الخارجي، وقد ساهم في دعم النمو الاقتصادي، تعزيز الاحتياطيات الأجنبية، وخلق فرص عمل جديدة في قطاعات مختلفة، مما يعكس تنوعًا في مجالات الاستثمار الخليجي المتاح، وقدرة السوق المصري على جذب رؤوس الأموال الخارجية، غير أن هذا الانتشار الواسع للاستثمارات الخليجية في مصر يُثير في الوقت ذاته تساؤلات جوهرية حول مبرراته الفعلية، من جهة دول الخليج العربي، وأثره الفعلي في استقلال القرار السياسي المصري، وبخاصَّة أن العلاقات الاقتصادية لا يمكن فصلها تمامًا عن الأبعاد السياسية والاستراتيجية:
أولًا، على المستوى الاقتصادي الكلي، اعتمدت الحكومة المصرية بشكل كبير على الأموال الخليجية في دعم احتياطيات النقد الأجنبي، وتمويل العجز في الميزانية، وتخفيف الضغوط في ملفات الدين الخارجي.
ثانيًا، على مستوى التصورات السياسية، تشير بعض التحليلات إلى أن الضخ الاستثماري من دول الخليج يُنظر إليه في القاهرة ليس فقط كرافد مالي، بل كعامل تعزيز للعلاقات الاستراتيجية مع هذه الدول، والتي تلعب أدوارًا مؤثرة في السياسات الإقليمية. فدخول رؤوس الأموال الخليجية بكثافة في مشروعات وطنية كبرى يعزّز الروابط السياسية بين القاهرة والعواصم الخليجية، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى ترابط سياسي – اقتصادي يحد من هامش المناورة المصرية في بعض الملفات الحساسة، بقدر ما تكون هناك توقعات بإبقاء هذه العلاقات التجارية والسياسية مستقرة لضمان استمرارية الاستثمارات.
ثالثًا، فإن التركيز على القطاعات عالية العائد قصيرة المدى مثل العقارات والسياحة والخدمات، بدلًا من الاستثمار في القطاعات الإنتاجية الثقيلة أو التكنولوجيا، يعكس أيضًا طبيعة الاستثمار الخليجي في مصر، وما إذا كان يمكن أن يؤسس لنمو اقتصادي مستدام يساهم في تعزيز استقلالية القرار الاقتصادي بعيدًا عن الضغوط الخارجية.
وفي المحصلة يمكن القول إن الاستثمارات الخليجية شكّلت دعامة اقتصادية كبيرة لدعم الاقتصاد المصري في ظل التحديات المالية العالمية والإقليمية، إلا أن ارتباطها المتزايد بالحاجة التمويلية والسياسات الحكومية يفتح أحيانًا مساحة لتأثير غير مباشر في استقلال القرار السياسي، إذ يصبح القرار الاقتصادي والسياسي مرهونًا بدرجة ما بمدى ضمان تدفّق الاستثمارات والشراكات الخليجية في قطاعات الاقتصاد المصري.
ج / التعاون مع قبرص وأوروبا:
في شباط 2025م، صادقت مصر وقبرص ومجموعة من الشركات الدولية على اتفاقيات مهمة لتحويل الغاز المُستخرَج من المياه الإقليمية القبرصية إلى السوق العالمية عبر منشآت التسييل المصرية، مما يُعزِّز التعاون بين الدولتين ويزيد من مركزية مصر في منظومة توزيع الغاز في المنطقة([33]). كما كانت مصر قد وقعت مع الاتحاد الأوروبي وإسرائيل في 2022م اتفاقية لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى الاتحاد الأوروبي، وذلك في ظِل سعي أوروبا لتنويع مصادرها بعيدًا عن الغاز الروسي([34]).
رابعًا: أثر موقع مصر في قطاع الطاقة في استقلالية القرار السياسي الخارجي
1 – من الاكتفاء الذاتي إلى الاعتماد المتبادل
أدَّى اكتشاف حقل “ظهر” إلى تحوُّل مهم في ميزان الطاقة المصري، حيث ارتفع الإنتاج المحلي من الغاز بشكل ملحوظ بين 2017 و2019م، ما سمح بوقف استيراد الغاز المُسَال، إلا أن النمو السريع في الطلب المحلي، خاصَّة في قطاع الكهرباء الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الغاز، إضافة إلى تراجع إنتاج بعض الحقول، أعاد الضغوط على قطاع الطاقة إلى المربع الأول.
في هذا السياق، وَقَّعت مصر اتفاقيات طويلة الأجل لاستيراد الغاز من إسرائيل، بغرض استخدامه محليًّا أو إعادة تسييله وتصديره عبر محطاتها إلى أوروبا، كما دخلت في ترتيبات مماثلة مع قبرص لتطوير حقول شرق المتوسط وربطها بالبنية التحتية المصرية. وقد عزز إنشاء “منتدى غاز شرق المتوسط” في القاهرة عام 2019م هذا الاتجاه، حيث تحوَّلت مصر إلى منصة إقليمية لتنسيق سياسات الغاز وتصديره.
هذا النمط من “الاعتماد المتبادل” يمنح مصر مزايا استراتيجية، إذ يُعزِّز مكانتها كمركز عبور ومعالجة، لكنه في الوقت ذاته يربط جزءًا من استقرار قطاع الطاقة لديها بعلاقاتها مع إسرائيل وقبرص وشركاء شرق المتوسط. ومِن ثمَّ، يصبح الحفاظ على بيئة إقليمية مستقرة شرطًا لاستمرار تدفقات الغاز وإيرادات إعادة التصدير، ما ينعكس حتمًا على حسابات السياسة الخارجية.
2 – التداخل بين التمويل الخليجي وبرامج الإصلاح الهيكلي
يمثل تداخل أزمة المديونية الخارجية المصرية فيما بين برامج صندوق النقد الدولي، والدور الخليجي في التمويل، أحد أهم المفاتيح لفهم طبيعة القيود التي تحيط باستقلال القرار السياسي الخارجي لمصر في المرحلة الراهنة.
أولًا، من الناحية الهيكلية، تعاني مصر منذ منتصف العقد الماضي من ارتفاع ملحوظ في حجم الدين الخارجي، نتيجة تمويل عجز الموازنة والحساب الجاري، إضافة إلى تمويل مشروعات بنية تحتية واسعة النطاق. وقد ارتفع الدين الخارجي من مستويات تقارب 46 مليار دولار عام 2014م إلى أكثر من 160 مليار دولار في 2023م، وفق تقارير صندوق النقد الدولي([35]). هذا الارتفاع لا يعني فقط عبئًا ماليًّا، بل يعكس اعتمادًا متزايدًا على مصادر تمويل خارجية متعددة، من ضمنها مؤسسات مالية دولية، وأسواق سندات دولية، وودائع واستثمارات خليجية، وغيرها.
ثانيًا، في هذا السياق، لا يعمل صندوق النقد الدولي بمعزل عن بقية مصادر التمويل، فبرامجه في مصر تقوم على افتراض أساسي هو “حشد تمويل إضافي” من شركاء دوليّين وإقليميّين لتغطية فجوة التمويل الخارجي. بعبارة أخرى، قرض الصندوق ليس سوى جزء من حزمة أوسع، ويشترط ضمنيًّا وجود مساهمات موازية من أطراف أخرى لضمان استدامة البرامج. وهنا تحديدًا يبرز الدور الخليجي، فقد أشار صندوق النقد الدولي في مراجعاته الدورية للاقتصاد المصري إلى أهمية الاستثمارات والودائع الخليجية في دعم الاحتياطيات الأجنبية وتعزيز الثقة في قدرة مصر على الوفاء بالتزاماتها الخارجية([36])، وهو ما يعني عمليًّا، أن تقييم الصندوق لقدرة مصر على تنفيذ البرنامج لا يعتمد فقط على التزامها بالإصلاحات، بل أيضًا على استمرار تدفقات التمويل من شركائها الإقليميّين، وعلى رأسهم السعودية والإمارات وقطر، وهو تداخل يخلق شبكة اعتماد متبادل ثلاثية الأبعاد، فمِن جهةٍ فإن مصر تعتمد على صندوق النقد للحصول على تمويل مباشر وشهادة ثقة للأسواق، ومن جهةٍ أخرى فإن صندوق النقد يعتمد جزئيًّا على التزام شركاء إقليميّين بتوفير تمويل موازٍ لضمان استدامة البرنامج، في حين أن دول الخليج تستخدم استثماراتها وودائعها كأدوات لتعزيز نفوذها الاقتصادي والاستراتيجي في مصر.
ويتجسد هذا الترابط بوضوح في قطاع الطاقة، فبيع أصول في شركات طاقة، أو جذب استثمارات خليجية في مشروعات الغاز والكهرباء والهيدروجين الأخضر، لا يُنظَر إليه فقط كخيار اقتصادي، بل كجزء من استراتيجية أوسع لسد فجوة التمويل الخارجي. وقد أشار صندوق النقد إلى أن توسيع دور القطاع الخاص، بما في ذلك عبر استثمارات من شركاء إقليميّين، عنصر أساسي في البرنامج الإصلاحي، وهذا يعني أن تدفقات الاستثمار الخليجي في الطاقة تصبح جزءًا من معادلة نجاح البرنامج نفسه.
وإذا ما أردنا تحليل الموضوع من منظور استقلال القرار السياسي، يمكن الإشارة إلى نتيجتين متوازيتين:
- أولًا، يوفر هذا الترتيب القائم قدرًا من “الاستقرار المشروط”؛ فوجود صندوق النقد وشركاء خليجيّين في آنٍ واحد يمنح مصر شبكة أمان مالية، ويُخفف من مخاطر الانكشاف على مصدر واحد للتمويل، كما أن تنويع الشركاء بين مؤسسات دولية ودول إقليمية، يمنح القاهرة هامشًا للموازنة بينهم.
- ثانيًا، في المقابل، يصبح هامش المناورة السياسي مقيدًا بالاعتبارات المالية، فاستمرار الدعم من الصندوق مشروط بتنفيذ إصلاحات محددة (تحرير سعر الصرف، تقليص دور الدولة الاقتصادي، إصلاح دعم الطاقة)، كما أن استمرار التدفقات الخليجية قد يرتبط بتقدير دول الخليج لمستوى الاستقرار السياسي والعلاقات الثنائية مع مصر، وفي حالات التوتر الإقليمي أو الخلافات السياسية، قد تتأثر التدفقات الاستثمارية أو الودائع، ما ينعكس فورًا على مؤشرات الاستقرار المالي.
3 – البُعد الأوروبي وإعادة التموضع في مجال الطاقة
مع اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية عام 2022، سعى الاتحاد الأوروبي إلى تنويع مصادر إمداداته من الغاز بعيدًا عن روسيا. وفي هذا السياق، وَقَّعت مصر مذكرة تفاهم ثلاثية مع الاتحاد الأوروبي وإسرائيل في يونيو/حزيران 2022م لتعزيز صادرات الغاز إلى أوروبا عبر البنية التحتية المصرية([37])، وقد أعاد هذا الاتفاق تموضع مصر كحلقة وَصْل بين موارد شرق المتوسط والأسواق الأوروبية.
من الناحية السياسية، منح هذا الدور مصر وزنًا إضافيًّا في علاقاتها مع بروكسل، حيث باتت شريكًا في أمن الطاقة الأوروبي، غير أن هذا التموضع يرتبط بقدرتها على تأمين تدفقات الغاز من إسرائيل وقبرص، فضلًا عن استقرار إنتاجها المحلي، وبالتالي، فإن أي توتر سياسي إقليمي قد يؤثر مباشرة على قدرتها التصديرية، بما ينعكس على علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي.
كما أن الاعتماد على عوائد تصدير الغاز المُسَال لدعم ميزان المدفوعات يجعل القرار الخارجي أكثر حساسية لتقلبات الأسواق العالمية وأسعار الطاقة، حيث تشير تقارير صندوق النقد الدولي إلى أن أداء قطاع الغاز أصبح عاملًا مؤثرًا في استقرار الحساب الجاري والاحتياطيات الأجنبية([38]).
خامسًا: أثر قطاع الطاقة على القرار الاقتصادي والسياسي الداخلي في مصر
يُشكِّل قطاع الطاقة أحد أهم محددات القرار الاقتصادي والسياسي الداخلي في مصر، نظرًا لارتباطه المباشر بمستوى المعيشة، واستقرار سوق الكهرباء، وتوازنات الموازنة العامة، وعلاقات الدولة بالمؤسسات المالية الدولية. وخلال العقد الأخير، تحوَّل هذا القطاع إلى محور رئيس في برامج “الإصلاح الاقتصادي” المصري، وكان ولا يزال محور نقاشات المصريّين اليومية.
1 – الإصلاحات الاقتصادية المرتبطة بالطاقة
ظل دعم الطاقة لعقود أحد أكبر بنود الإنفاق في الموازنة المصرية، حيث كان يستنزف نسبة كبيرة من الموارد العامة، ويؤدِّي إلى تشوهات في هيكل الأسعار والاستهلاك. ففي مطلع العقد الماضي، كان دعم الطاقة يبتلع ما يزيد على خمس الإنفاق الحكومي في بعض السنوات، وهو ما دفع الحكومة إلى إدراج إصلاح هذا القطاع في صلب برامجها الاقتصادية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي([39]).
بدأت مصر منذ عام 2014م برنامجًا تدريجيًّا لرفع دعم الوقود والكهرباء، بهدف تقليص العجز المالي وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، وقد شمل هذا البرنامج زيادات متتالية في أسعار البنزين والديزل والكهرباء، إضافة إلى تطبيق آلية التسعير التلقائي للوقود التي تربط الأسعار المحلية بتقلبات الأسعار العالمية وسعر الصرف([40]).
ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية بعد جائحة (كوفيد-19)، ثم الحرب الروسية – الأوكرانية، أصبحت إصلاحات الطاقة شرطًا أساسيًّا في برامج التمويل الدولية. ففي إطار برنامج صندوق النقد الدولي الموقع عام 2022م، تعهدت الحكومة بالوصول إلى مستوى استرداد كامل لتكاليف الطاقة بحلول عام 2025م، وهو ما يعني استمرار رفع أسعار الوقود والكهرباء تدريجيًّا([41]).
وقد انعكست هذه السياسات على الواقع الاقتصادي بصورة مباشرة، فارتفاع أسعار الطاقة أسهم في زيادة تكاليف النقل والإنتاج، ما أدَّى إلى موجات تضخمية أثرت على مستويات المعيشة. وفي الوقت نفسه، ساعدت هذه الإصلاحات في خفض عبء الدعم على الموازنة، وتحسين مؤشرات المالية العامة نسبيًّا([42]).
غير أن ارتباط إصلاحات الطاقة ببرامج صندوق النقد الدولي جعل هذا القطاع أحد أهم أدوات ضبط السياسات الاقتصادية الداخلية؛ فقرارات التسعير لم تعد تُتخَذ فقط بناءً على اعتبارات اجتماعية أو سياسية داخلية، بل أصبحت مرتبطة بالتزامات الدولة تجاه مؤسسات التمويل الدولية، وهو ما يُقيِّد هامش المناورة إلى حد كبير في إدارة السياسات الاقتصادية الداخلية.
2 – الطاقة والاستقرار السياسي والاجتماعي
تكتسب سياسات الطاقة في مصر بعدًا سياسيًّا واضحًا، نظرًا لتأثيرها المباشر على حياة المواطنين، فأسعار الوقود والكهرباء ترتبط بتكاليف النقل والغذاء والإنتاج الصناعي، ما يجعل أي تعديل فيها ذا أثر اجتماعي واسع.
وقد أدركت الدولة منذ انقلاب عام 2013م، أن أزمة الطاقة يمكن أن تتحوَّل إلى عامل ضغط سياسي، وقد شهدت البلاد بالفعل خلال تلك الفترة نقصًا في الوقود وانقطاعات متكررة للكهرباء، ما ساهم في تصاعد الاحتقان الشعبي. ومنذ عام 2014م، جعلت الحكومة استقرار إمدادات الكهرباء أولوية سياسية، فنفذت برنامجًا واسعًا لتوسيع قدرات التوليد، خاصَّة من محطات الغاز، ونتيجة لذلك، ارتفع إجمالي توليد الكهرباء من نحو 165 مليار كيلوواط/ساعة عام 2013م إلى نحو 220 مليار كيلوواط/ساعة عام 2023م، مدفوعًا بالتوسُّع بالاقتراض والاستثمار([43])، غير أن هذا التوسُّع اعتمد بشكل أساسي على الغاز الطبيعي، الذي شكَّل نحو 80% من مزيج التوليد، ما جعل قطاع الكهرباء حساسًا لتقلبات إنتاج الغاز وأسعاره([44]).
ومع تراجع إنتاج الغاز المحلي منذ 2022م، وارتفاع الطلب على الكهرباء، اضطرت الحكومة إلى تقليص صادرات الغاز واستئناف واردات الغاز المُسَال، وهو ما أدَّى إلى ضغوط على ميزان المدفوعات، وأدَّى في بعض الفترات إلى انقطاعات كهربائية أثَّرت على النشاط الاقتصادي والحياة اليومية للمواطنين.
وقد أظهرت هذه التطورات أن استقرار إمدادات الطاقة لا يقتصر على البُعد الاقتصادي، بل يرتبط مباشرة بشرعية النظام السياسي وقدرته على الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. فالكهرباء والوقود يمثلان خدمات أساسية، وأي اضطراب فيهما يمكن أن ينعكس بسرعة في شكل احتجاجات أو تراجع في الرضا الشعبي. ولهذا السبب، تحاول الحكومة تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الإصلاح المالي وضغوط الاستقرار الاجتماعي. فمِن جهةٍ، تلتزم برفع أسعار الطاقة لتقليص الدعم استجابة لشروط صندوق النقد الدولي، ومن جهةٍ أخرى، تحاول تنفيذ هذه الزيادات تدريجيًّا لتجنب صدمات اجتماعية حادة، ويظهر هذا التوازن في سياسات مثل تطبيق زيادات تدريجية في أسعار الكهرباء بدلًا من رفعها دفعة واحدة، وتأجيل بعض الزيادات في أسعار الوقود في فترات التوتر الاقتصادي أو السياسي، وهو ما يعكس أن سياسات الطاقة في مصر لا تُصَاغ فقط وفق اعتبارات اقتصادية بحتة، بل ضمن معادلة سياسية – اجتماعية معقدة، تتداخل فيها اعتبارات الاستقرار الداخلي مع متطلبات الإصلاح الاقتصادي.
وفي ظِل استمرار النمو السكاني وارتفاع الطلب على الكهرباء، سوف يبقى التحدي الأساسي أمام صانع القرار المصري هو تحقيق التوازن بين الاستدامة المالية والاستقرار الاجتماعي. ومن دون تنويع مزيج الطاقة، وتحسين كفاءة الاستهلاك، وزيادة الاعتماد على المصادر المتجددة، سوف يظل قطاع الطاقة دون شك عاملًا ضاغطًا على القرار الاقتصادي والسياسي الداخلي في مصر على المدى الطويل.
سادسًا: التحديات المستقبلية لقطاع الطاقة المصري وأثرها على القرار السياسي
يشكّل قطاع الطاقة أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد المصري ومكانته الإقليمية، وبخاصَّةٍ مع سعي الحكومة المصرية لأن تكون مركزًا إقليميًا لتجارة الغاز في شرق المتوسط، غير أن التطورات الداخلية والدولية خلال الأعوام الأخيرة تشير إلى أن هذا المسار يواجه تحديات مركبة تتعلق بإنتاج الغاز، والمنافسة الإقليمية، والتحول العالمي نحو الطاقة المتجددة، وهو ما يُثير تساؤلات جوهرية حول أثر هذه التحديات على القطاع.
1 – احتمالات تراجع الإنتاج في قطاع الطاقة
تشير معظم التقديرات الحديثة إلى أن قطاع الغاز في مصر يواجه تحديات إنتاجية حقيقية خلال السنوات الأخيرة، نتيجة مجموعة من العوامل الجيولوجية والاقتصادية والاستثمارية المتداخلة. فمِن الناحية الجيولوجية، بدأت بعض الحقول الكبرى التي قادت طفرة الإنتاج بعد عام 2015م في الدخول تدريجيًّا في مراحل النضوب الطبيعي، وهو ما يؤدي عادة إلى تراجع معدلات الإنتاج ما لم تُضخ استثمارات إضافية في الحفر والتطوير والاكتشافات الجديدة. وقد أظهرت تقارير سوق الغاز أن إنتاج مصر من الغاز الطبيعي بدأ في الانخفاض منذ عام 2022م، بعد سنوات من النمو السريع الذي أعقب تطوير حقل “ظهر” وغيره من الحقول البحرية الكبرى([45]).
إلى جانب العوامل الجيولوجية، يبرز عامل الاستثمار كأحد أهم أسباب التراجع الإنتاجي، ففي حين تُشير تحليلات مؤسسات الطاقة الدولية إلى أن استمرار مستويات الإنتاج المرتفعة يتطلب استثمارات مستمرة في الحقول القائمة واكتشافات جديدة لتعويض التراجع الطبيعي في الحقول القديمة، إلا أن تراكم مستحقات الشركات الأجنبية العاملة في قطاع الطاقة، إلى جانب تقلبات أسعار الطاقة عالميًّا خلال بعض الفترات، أدَّى إلى تباطؤ نسبي في عمليات الاستكشاف والتطوير، وهو ما انعكس على حجم الاكتشافات الجديدة ومعدلات الإنتاج([46]).
وقد انخفض إنتاج الغاز محليًّا في النصف الأول من العام 2025م بنحو 18.9% عن نفس الفترة في العام 2024م، نزولًا من حوالي 26 مليار متر مكعب إلى حدود 21 مليار متر مكعب([47])، كما تراجع إنتاج النفط الخام بنسبة 3% في العام 2024م كذلك ليكون الإنتاج عند مستوى 467 لف أألف برميل يوميًّا، وهو الأدنى منذ أواخر السبعينيات([48])، قبل أن يعود للتحسُّن في بدايات العام الحالي إلى حدود 520 ألف برميل يوميًّا من النفط الخام([49]).
كما يلعب ارتفاع الاستهلاك المحلي دورًا مكملًا في تفسير الضغوط على قطاع الطاقة، فقد أدَّى النمو السكاني والتوسع الصناعي والاعتماد الكبير على الغاز في توليد الكهرباء إلى زيادة الطلب الداخلي بوتيرة أسرع من نمو الإنتاج، ونتيجة لذلك، تراجعت كميات الغاز المتاحة للتصدير، واضطرت مصر في بعض الفترات إلى استيراد شحنات من الغاز الطبيعي المُسَال لتلبية الطلب المحلي، رغم استمرارها في تصدير الغاز عبر منشآت التسييل، وهو ما يعكس اختلال التوازن بين الإنتاج والاستهلاك([50]).
وتشير بعض التوقعات إلى أن هذه الضغوط قد تستمر خلال النصف الثاني من العقد الحالي، إذا لم تتحقق اكتشافات كبيرة جديدة أو لم تُسرَّع وتيرة الاستثمار في الحقول البحرية، فإن استمرار الاعتماد المكثف على الغاز في قطاع الكهرباء، مع تزايد الطلب المحلي، يعني أن أي تباطؤ في الإنتاج قد يتحوَّل سريعًا إلى عجز في الإمدادات، وهو ما ينعكس بدوره على الصادرات وعلى دور مصر كمركز إقليمي لتجارة الغاز([51]).
وتُظهِر مراجعات صندوق النقد الدولي أن تراجع الإنتاج المحلي من الغاز منذ 2022م أسهم في تقليص فائض التصدير، وأثر على ميزان المدفوعات، ومع اضطرار الحكومة إلى تقليص صادرات الغاز المسال أو إعادة توجيه جزء من الإمدادات للسوق المحلي، يُصبح أي تراجع إضافي في الإنتاج عاملًا ضاغطًا على المالية العامة والاحتياطيات الأجنبية([52]).
2 – المنافسة في شرق المتوسط
تسعى مصر منذ عام 2019م إلى تعزيز دورها كمركز إقليمي للغاز عبر استغلال بنيتها التحتية للإسالة في “إدكو” و”دمياط”، إضافة إلى موقعها الجغرافي، غير أن بيئة شرق المتوسط تتسم بتنافس متزايد، فإسرائيل، من خلال حقول مثل حقل “ليفياثان”، تسعى لتعزيز صادراتها، كما تعمل قبرص على تطوير حقولها البحرية وربطها بالأسواق الأوروبية، وفي الوقت ذاته، تظل تركيا لاعبًا إقليميًّا مهمًا، سواء من خلال مشاريع الربط أو سياساتها البحرية وطموحاتها بالتوسُّع.
وقد عززت الحرب الروسية – الأوكرانية الاهتمام الأوروبي بمصادر الغاز البديلة، ما منح شرق المتوسط زخمًا إضافيًّا، غير أن هذا الزخم قد يتراجع تدريجيًّا مع تسارع التحوُّل الأوروبي نحو الطاقة المتجددة وتقليص الاعتماد على الغاز.
وبالتالي، فإن موقع مصر في مجال الطاقة في شرق المتوسط يظل رهينًا بعوامل عدة: حجم إنتاجها المحلي، واستقرار علاقاتها مع شركائها، وقدرتها على الحفاظ على جاذبية بنيتها التحتية مقارنة بأي بدائل محتملة مستقبلًا.
3 – التحوُّل العالمي نحو الطاقة المتجددة
يشهد نظام الطاقة العالمي تحوُّلًا هيكليًّا متسارعًا نحو الطاقة المتجددة، مدفوعًا بأهداف خفض الانبعاثات وتحقيق الحياد الكربوني، حيث تتسارع وتيرة الاستثمارات في الطاقة المتجددة. وتشير التقارير إلى أن الاستثمارات في الطاقة المتجددة تجاوزت في السنوات الأخيرة الاستثمارات في الوقود الأحفوري على مستوى العالم، في سبيل تحقيق الهدف العالمي المتمثل في مضاعفة قدرات الطاقة المتجددة ثلاث مرات بحلول عام 2030م([53]).
بالنسبة لمصر، يمثل هذا التحوُّل تحديًا وفرصة في آنٍ واحد، فمِن جهةٍ، قد يؤدِّي انحسار الاهتمام العالمي بالغاز الطبيعي على المدى الطويل إلى تقليص عوائد التصدير وتقليل أهمية مصر كمركز إقليمي للغاز، ومن جهةٍ أخرى، تمتلك مصر إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، خاصَّة في مناطق مثل خليج السويس والصحراء الغربية.
وقد أعلنت الحكومة عن خطط لرفع نسبة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء إلى 42% بحلول 2030م([54])، وهو ما يعكس إدراكًا للتحوُّل العالمي، غير أن الانتقال نحو الطاقة المتجددة يتطلب استثمارات ضخمة، وتحديثًا للبنية التحتية، وتطويرًا للشبكات، وهو ما يُعِيد طرح مسألة التمويل الخارجي والدين العام، خاصَّة في ظِل الضغوط المالية الراهنة.
4 – أثر هذه التحديات في استقلال القرار السياسي
تؤثر التحديات السابقة في استقلال القرار السياسي المصري عبر ثلاثة عوامل رئيسة:
- العوامل الاقتصادية والمالية: تراجع الإنتاج أو انخفاض عوائد التصدير يعني زيادة الاعتماد على التمويل الخارجي، سواء عبر أسواق الدين أو المؤسسات الدولية. وكلما ارتفعت الحاجة للتمويل، تقلص هامش المناورة السياسي في مواجهة شروط الممولين.
- العوامل الجيوسياسية: استمرار دور مصر كمركز إقليمي للغاز يمنحها أوراق قوة في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي وإسرائيل ودول شرق المتوسط، أما في حال تراجع هذا الدور، فقد تنخفض أهميتها النسبية في معادلات أمن الطاقة الإقليمي، وهو ما يزيد الضغوط على استقلالية قرارها السياسي.
- العوامل الاجتماعية الداخلية: أي اضطراب في إمدادات الطاقة أو ارتفاع كبير في أسعارها قد ينعكس سريعًا على الاستقرار الاجتماعي، ما يُقيِّد قدرة الدولة على اتخاذ قرارات سياسية جريئة داخليًّا أو خارجيًّا.
خاتمة
يتضح من التحليل أن قطاع الطاقة في مصر لم يَعُد مجرد قطاع اقتصادي، بل تحوَّل إلى متغير بنيوي مؤثر في صياغة مكانة الدولة إقليميًّا، وفي رسم حدود استقلال قرارها السياسي داخليًّا وخارجيًّا. فمنذ اكتشافات شرق المتوسط، دخلت مصر مرحلة جديدة سعت معها إلى توظيف مواردها وموقعها وبنيتها التحتية لتكريس دورها كمركز إقليمي للغاز، مستفيدة من التحوُّلات في أسواق الطاقة العالمية، ومن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، ومن حاجة أوروبا لتنويع مصادرها من الطاقة.
غير أن هذا الصعود لم يكن خطيًّا أو مستقرًا، بل تزامن مع تحديات هيكلية متزايدة، أبرزها تراجع الإنتاج المحلي من الغاز منذ عام 2022م، وارتفاع الطلب الداخلي والتوسُّع في توليد الكهرباء القائم أساسًا على الغاز، إلى جانب الضغوط المالية المرتبطة ببرامج الإصلاح. وقد أظهر البحث أن قطاع الطاقة أصبح نقطة تقاطع بين ثلاثة مستويات مترابطة: المستوى الجيوسياسي المرتبط بأمن الطاقة الأوروبي وتحالفات شرق المتوسط، والمستوى المالي المرتبط بالدين الخارجي وبرامج التمويل الدولي والدعم الخليجي، والمستوى الداخلي المرتبط باستقرار أسعار الكهرباء والوقود وقدرة الدولة على احتواء التداعيات التضخمية.
ومِن ثمَّ، فإنَّ نموذج “المركز الإقليمي للطاقة” الذي تسعى إليه مصر يقوم في جوهره على معادلة اعتماد متبادل متعددة الأطراف: اعتماد على تدفقات الغاز من شركاء إقليميّين مثل إسرائيل وقبرص، واعتماد على التمويل والاستثمار الخليجي، واعتماد على مؤسسات التمويل الدولية لتوفير مظلة استقرار مالي. وفي المقابل، يمنح هذا الموقع مصر وزنًا تفاوضيًّا في علاقاتها، غير أن هذا يظل مشروطًا باستمرار تدفقات الغاز، واستقرار البيئة الإقليمية، والحفاظ على توازن مالي مستدام.
كما يفرض التحوُّل العالمي المتسارع نحو الطاقة المتجددة بُعدًا إضافيًّا للتحدي، إذ أن الرهان طويل الأجل على الغاز كمصدر رئيس للعائدات قد يتقلص تدريجيًّا مع تسارع سياسات خفض الانبعاثات في أوروبا والأسواق الكبرى. وعليه، فإن قدرة مصر على تحويل هذا التحوُّل إلى فرصة، عبر التوسُّع في الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر، سوف تكون عاملًا حاسمًا في إعادة تعريف مكانتها في خريطة الطاقة المستقبلية.
خلاصة القول، إن قطاع الطاقة في مصر يمثل اليوم ساحة تتداخل فيها اعتبارات السيادة الاقتصادية مع ضرورات الاستقرار المالي، ومع متطلبات التوازنات الإقليمية والدولية. وكلما نجحت الدولة في تنويع مزيج الطاقة، وتعزيز كفاءة الاستهلاك، وتقليص الاعتماد المفرط على مصدر واحد أو شريك واحد، توسَّع هامش استقلال قرارها السياسي، أما إذا استمرت فجوة الإنتاج والتمويل، وبقيت بنية قطاع الطاقة رهينة لتقلبات الأسواق والتحالفات، فإن مساحة المناورة الاستراتيجية سوف تظل محكومة باعتبارات مالية وجيوسياسية ضاغطة.
وعليه، فإن مستقبل استقلال القرار المصري يرتبط بدرجة كبيرة بمدى قدرة قطاع الطاقة على الانتقال من نموذج قائم على إدارة الأزمات والاعتماد المتبادل المشروط، إلى نموذج أكثر استدامة وتنوعًا، يُعزِّز الأمن القومي، ويدعم الاستقرار المالي، ويمنح الدولة هامشًا أوسع للحركة في بيئة دولية وإقليمية سريعة التحول.
([1]) أحمد قنديل، حقول الغاز في شرق المتوسط: فرصة أم تحدي للشراكة الأورو متوسطية؟، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، فبراير/شباط 2021م، https://acpss.ahram.org.eg/News/17075.aspx
([3]) محمد البدري يوسف، انعكاسات اكتشافات الغاز على التعاون في منطقة شرق المتوسط، المجلة العلمية جامعة أسيوط، مارس/آذار 2025م، https://journals.ekb.eg/article_418049_74b0c7e5be02d1cb464d37de49d717f4.pdf
([4]) A 10-Point Plan to Reduce the European Union’s Reliance on Russian Natural Gas, International Energy Agency, March 2022, https://shorturl.at/zpy7k
([5]) Eastern Mediterranean Energy Overview, U.S. Energy Information Administration, September 2025, https://shorturl.at/PzlFW
([6]) Egypt to lease German gas regasification unit to bolster supply, Reuters, March 2025, https://shorturl.at/CDMfG
([7]) Eastern Mediterranean Energy Overview, U.S. Energy Information Administration, September 2025, https://shorturl.at/PzlFW
([8]) Egypt: Country Analysis Brief, U.S. Energy Information Administration, August 2024, https://shorturl.at/TVZSk
([9]) Egypt Energy Profile, International Energy Agency, 2023, https://shorturl.at/TVZSk
([12]) العربية، إنتاج مصر من الغاز يتراجع 16% على أساس سنوي في يونيو، أغسطس/آب 2025م، https://shorturl.at/JxyTi
([13]) Arab Republic of Egypt: 2023 Article IV Consultation and Extended Fund Facility Review, IMF, 2025, https://www.imf.org/-/media/files/publications/cr/2025/english/1egyea2025001-source-pdf.pdf
([15]) World Population Prospects 2022: Summary of Results. UN, Department of Economic and Social Affairs, Population Division, 2022, https://h1.nu/1ljGZ
([16]) Statistical Review of World Energy 2024, Energy Institute, 2024, https://tinyurl.com/bdefupff
([17]) اقتصاد الشرق مع بلومبيرغ، مصر تخطط لزيادة إنتاج النفط 11.5% العام المالي المقبل، نوفمبر/تشرين الثاني 2025م، https://tinyurl.com/47dtxep3
([18]) Egypt Energy Sector Reform Program, World Bank Group, 2022, https://tinyurl.com/y3dapfsc
([19]) Energy infrastructure upgrades, Industry Insight, American Chamber of Commerce in Egypt (accessed February 14, 2026), https://tinyurl.com/y2yc3r7w
([20]) Regional Energy Collaboration, Industry Insight, American Chamber of Commerce in Egypt (accessed February 14, 2026), https://tinyurl.com/4epwn6m6
([21]) الجزيرة نت، فارس إسماعيل، صفقة غاز بين مصر وإسرائيل.. منطق السوق أم حسابات السياسة؟، ديسمبر/كانون الأول 2025م، https://tinyurl.com/55s4wnvz
([22]) Menelaos Hadjicostis, Agreements on getting Cyprus natural gas to market via Egypt hailed as energy cooperation milestone, AP News, February 2025, https://tinyurl.com/mvc3j6b6
([23]) إندبدنت عربية، محمود الجمل، رسميًا إسرائيل توافق على تصدير الغاز إلى مصر مطلع 2020، ديسمبر/كانون الأول 2019م، https://tinyurl.com/yb6kmt8z
([24]) الجزيرة نت، فارس إسماعيل، مصدر سابق.
([25]) عماد حسن، هل تجعل إسرائيل مصر تغرق في “الظلام” كورقة ضغط سياسية؟، دويتشه فيله العربية، —-/أيلول 2025. (https://tinyurl.com/9sszerzh)
([26]) فايننشال تايمز: حكومة نتنياهو تخلق أزمة مصطنعة مع القاهرة لإجبارها على قبول سياستها في غزة وتهجير الفلسطينيين، القدس العربي، أيلول 2025، https://tinyurl.com/bdhvzr2x
([27]) مصطفى عبد السلام، المساعدات الخليجية لمصر: التقديرات وسيناريوهات المستقبل، مركز الجزيرة للدراسات، أبريل/نيسان 2015م، https://tinyurl.com/mpe9h647
([28]) Arab Republic of Egypt: Request for Extended Arrangement under the Extended Fund Facility -Press Release; IMF, 2017, https://tinyurl.com/3ufp3t9v
([29]) Egypt 2022 Energy Policy Review, International Energy Agency, 2022, https://www.iea.org/countries/egypt
([30]) Arab Republic of Egypt: Request for Extended Arrangement under the Extended Fund Facility. IMF, 2017, https://tinyurl.com/3ufp3t9v
([31]) بلومبرغ: ماذا ستجني الإمارات لقاء استثمارها 35 مليار دولار في مصر؟، اقتصاد الشرق، مارس/آذار 2024م، https://tinyurl.com/bdea5y2z
([32] (علاء أحمد، وزير الاستثمار: تدفقات الاستثمارات الخليجية في مصر قفزت إلى 41 مليار دولار خلال 2024/2023، بوابة الأهرام، نوفمبر/تشرين الثاني 2025م، https://tinyurl.com/4yxadjdv
([33]) Menelaos Hadjicostis, Agreements on getting Cyprus natural gas to market via Egypt hailed as energy cooperation milestone, AP News, February 2025, https://tinyurl.com/mvc3j6b6
([34]) الجزيرة نت، محمود سامي، اتفاقية ثلاثية بين مصر وإسرائيل وأوروبا.. من الرابح في سوق الغاز؟ ولماذا؟، يونيو/حزيران 2022م، https://tinyurl.com/2j7fbxad
([35]) Arab Republic of Egypt: 2023 Article IV Consultation and Extended Fund Facility Review, IMF, 2023, https://tinyurl.com/z34x3tdu
([37]) الجزيرة نت، محمود سامي، مصدر سابق.
([38]) Arab Republic of Egypt: 2023 Article IV Consultation and Extended Fund Facility Review. IMF, 2023, https://tinyurl.com/z34x3tdu
([39]) Arab Republic of Egypt: Request for Extended Fund Facility, IMF, 2023, https://tinyurl.com/z34x3tdu
([40]) Egypt Energy Sector Reform Program, World Bank, 2022, https://tinyurl.com/y3dapfsc
([41]) Arab Republic of Egypt: Request for Extended Fund Facility, IMF, 2023, https://tinyurl.com/z34x3tdu
([42]) Egypt Energy Sector Reform Program, World Bank, 2022, https://tinyurl.com/y3dapfsc
([43]) Statistical Review of World Energy 2024, Energy Institute, 2024, https://tinyurl.com/bdefupff
([45]) Egypt 2023: Energy Policy Review, International Energy Agency, 2023, https://www.iea.org/countries/egypt
([46]) سي إن بي سي عربية، فاروق يوسف، كيف تستأنف مصر تصدير الغاز رغم استمرار ضغوط الإنتاج؟، نوفمبر/تشرين الثاني 2025م، https://tinyurl.com/22tjpb9e
([47]) العربية، إنتاج مصر من الغاز يتراجع 16% على أساس سنوي في يونيو، أغسطس/آب 2025م، https://tinyurl.com/axynaaht
([49]) اقتصاد الشرق مع بلومبيرغ، مصر تخطط لزيادة إنتاج النفط 11.5% العام المالي المقبل، نوفمبر/تشرين الثاني 2025م، https://tinyurl.com/47dtxep3
([50]) Egypt: Country Analysis Brief, U.S. Energy Information Administration, August 2024, https://tinyurl.com/ymv69xh5
([52]) Arab Republic of Egypt: Request for Extended Fund Facility, IMF, 2023, https://tinyurl.com/z34x3t
([53]) الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، الاستثمار العالمي في الطاقة المتجددة بلغ 807 مليار دولار أمريكي في عام 2024م، نوفمبر/تشرين الثاني 2025م، https://tinyurl.com/4s73md2k
([54]) الجزيرة نت، مصر توقع اتفاقيات طاقة متجددة بـ 1.8 مليار دولار، نوفمبر/كانون الثاني 2026م، https://tinyurl.com/5fesc4tz




