ملخص
يتناول هذا البحث موضوع عودة العلاقات بين مصر وسوريا الجديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد، ويرصد مراحل هذه العودة من قِبَل البلدين وخطواتها، والجهود المبذولة لإنجاح هذه العودة وضمان استمراريتها؛ وذلك لأهميتها الشديدة للأمن القومي للبلدين في ظِل أوضاعهما الجيوسياسية وأهميتهما الاستراتيجية في المنطقة. لن تكون عودة هذه العلاقات بمعزل عن سياسات الدول المحيطة بصفة خاصة وتشابك علاقاتها ومصالحها مع القوى الإقليمية والدولية بصورة عامة.
يركز البحث على مواقف هذه الدول ومدى توافقها مع عودة هذه العلاقة في ضوء المصالح المشتركة، وكيفية الإفادة من التجربة في محاولة لتعميمها بين أكثر من دولة لضمان تحالف عربي قوي يتصدى للتحديات التي تواجهها الأمة العربية التي تُعد بمثابة القلب النابض للأمة الإسلامية في العالم. وفي المقابل يجب التعامل مع أصحاب المصلحة في إفشال هذه العودة أو إضعافها وتهميشها على أقل التقديرات.
في مقدمة أصحاب المصلحة في ذلك، تأتي إسرائيل، ومن ورائها حليفتها الأولى؛ أي الولايات المتحدة الأمريكية، والتي اتخذت موقفًا، يبدو ظاهريًّا، أنه مغاير للسياسة الإسرائيلية ومصالحها والمتمثل في دعم النظام السوري الجديد، مع وعد إسرائيل بتوفير الضمانات المناسبة لعدم تهديد أمنها القومي من جانب النظام السوري الجديد.
يسعى هذا البحث لرصد انعكاس عودة هذه العلاقة على السياسات الإسرائيلية، وتحليل أثرها في اتخاذها لقراراتها الاستراتيجية في ضوء حتمية تعاملها مع البلدين، بما لا يتعارض مع مشاريعها التوسعية والاستيطانية.
ففي حالة مصر، تحكم اتفاقية معاهدة السلام الموقعة عام 1979م العلاقات السياسية مع مصر، وليس في صالح إسرائيل المساس بها لعدم فتح جبهات جديدة في ظِل توتر علاقاتها وصراعها المستمر مع محور المقاومة في فلسطين ولبنان والحوثيين في اليمن.
وفيما يتعلق بالنظام السوري الجديد، تحرص إسرائيل على التدخل في الشأن السوري بزعم حماية الدروز الموالين لها، وأي محاولة من النظام السوري الجديد لاحتواء الدروز سوف يُفسِد على إسرائيل مبرر التدخل في سوريا. ومما لا شك فيه أن عودة العلاقات مع مصر سوف تعزز من قوة النظام السوري الجديد وتشجعه على توحيد الجبهة الداخلية في سوريا.
كيف ستواجه إسرائيل ذلك؟ وما محدداتها لتقييم النظام السوري الجديد وإمكانية التعامل المباشر معه في ضوء تعزيز موقفه بعودة العلاقات مع مصر الفاعل الرئيس في المنطقة؟ وما وسائلها للضغط، في ظِل تشابك المصالح مع الدول الإقليمية، للحصول على أكبر قدر من الضمانات بعدم تكرار هجمات السابع من أكتوبر من الجبهة السورية، وما الدور المهم الذي تقوم به أمريكا بوصفها اللاعب الرئيس، مع إسرائيل في اتخاذها للقرارات السياسية التي تحمي أمنها القومي؟ وما الأقرب للقرار الإسرائيلي في تقييمه لسوريا الجديدة؛ هل القطعية أم التقارب معها؟ كل هذه الأسئلة يسعى البحث للإجابة عنها وعن غيرها.
مقدمة
تمثل العلاقات المصرية-السورية إحدى الركائز التاريخية للنظام العربي، بما تحمله من عمق حضاري وجيوسياسي تشكَّل عبر قرون من التفاعل بين وادي النيل وبلاد الشام. فمنذ العصور القديمة، حين تداخلت مسارات مصر وسوريا الكبرى في شبكات التجارة والحرب والثقافة، وصولًا إلى تجربة الوحدة في إطار الجمهورية العربية المتحدة، ظلَّ هذا الرابط يتجاوز حدود التنسيق السياسي ليعكس تصورًا أوسع لفكرة الدولة العربية ومكانتها الإقليمية. وقد تعرَّضت هذه العلاقة لتحولات حادة بين التقارب والقطيعة، متأثرةً بتغير موازين القوى الدولية، والصراعات الإقليمية، وتبدل النظم الحاكمة في كلا البلدين.
وتبرز أهمية تناول هذا الموضوع اليوم في ضوء التحولات التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، وصعود قيادة جديدة في دمشق، وما استتبع ذلك من إعادة تموضع إقليمي ودولي، انعكس على حسابات القاهرة الاستراتيجية، وعلى مواقف قوى فاعلة بالمنطقة في مقدمتها إسرائيل. ومِن ثمَّ، تسعى هذه الدراسة إلى تأصيل الخلفية التاريخية للعلاقات المصرية-السورية، وتحليل محدداتها الراهنة، واستشراف مآلاتها المستقبلية في ظِل تفاعلات إقليمية معقدة، تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي، ووحدة الدولة، وموازين النفوذ في الشرق الأوسط.
الإطار المنهجي للدراسة
فيما يتعلق بالإطار المنهجي للدراسة، من إشكالية البحث وأهميته وأهدافه ومنهجه وأداوته ومحاوره، يمكن توضيح هذه العناصر على النحو الآتي:
1 – إشكالية البحث:
لا شك أن عودة العلاقة التاريخية بين مصر وسوريا تُشكِّل مصدر قلق لإسرائيل في ظِل الأوضاع السياسية والعسكرية الراهنة، خاصَّة بعد الحرب التي تلت عملية “طوفان الأقصى” وما تركته من آثار، هذا من ناحيةٍ، كما أنها تُعد إفشالًا لمخطط تفكيك أي قوة عربية أو إسلامية محيطة بإسرائيل قد تهدد أمنها القومي وتؤخر تحقيق حلمها بإسرائيل الكبرى من ناحيةٍ أخرى. في ضوء ذلك، يسعى البحث للإجابة عن سؤال مدى تأثر إسرائيل بعودة العلاقة بين مصر وسوريا، باعتبار أن البلدين يمثل كلٌّ منهما عمقًا استراتيجيًّا الآخر، وكيفية مواجهة إسرائيل لهذه العلاقة، خاصَّة في ظِل اتفاقية السلام الحاكمة للعلاقة بين تل أبيب والقاهرة على المستوى السياسي، وفي ظِل تدخلها العسكري في الشأن السوري تحت ذريعة حماية الدروز الموالين لها.
2 – أهداف البحث:
- رصد آثار عودة العلاقات في البلدين وفي الدول الإقليمية والغربية.
- الوقوف على وسائل إسرائيل في مواجهة العلاقات العربية المشتركة، خاصَّة بين مصر وسوريا.
- كشف أهم آثار عودة العلاقات المصرية السورية في السياسات الإسرائيلية في ظِل علاقاتها مع البلدين.
3 – منهجية البحث:
استخدم الباحث في هذا البحث عدة مناهج، تبدأ بالمنهج التاريخي لسرد العلاقات التاريخية وأهم مراحلها وتحولاتها، ثم المنهج المقارن لرصد أوجه الشبه والاختلاف بين تعامل الأنظمة المختلفة في البلدين وفقًا للأوضاع السياسية ومحددتها، وأخيرًا المنهج الوصفي التحليلي لعرض وجهات النظر والآراء المختلفة ومن ثمَّ تحليلها للوصول إلى أقرب التصورات المحتملة لآثار عودة العلاقات ونتائجها بين مصر وسوريا الجديدة وانعكاسها على أوضاع البلدين بصفة عامة، وعلى إسرائيل على وجه الخصوص.
4 – أدوات البحث:
اعتمد الباحث في هذا البحث على تحليل المادة العلمية الواردة في مجموعة من المصادر والمراجع، وبعض الدراسات الصادرة عن المراكز والمعاهد البحثية العربية والإسرائيلية عن تأصيل العلاقة التاريخية بين مصر وسوريا وتحولاتها وتطوراتها قديمًا وحديثًا حتى مجيء النظام السوري الحالي. وانصب التركيز في معالجة هذه المادة العلمية على تحليل ما ورد في المراكز والمعاهد الإسرائيلية على وجه الخصوص؛ لتوضيح مدى أهمية موضوع سوريا الجديدة وعودة العلاقات بينها وبين مصر وانعكاس هذه العودة على إسرائيل، لدرجة دعت هذه المراكز والمعاهد إلى إعداد هذا الكم من الدراسات والأبحاث ودورها في توفير المعلومات وما يتبعها من التحليل الوافي حول أسباب عودة هذه العلاقة وأثرها في الأمن القومي الإسرائيلي، وكيفية تقييم الحكومة الإسرائيلية للوضع الراهن في ظِل الظروف والأوضاع الجيوسياسية، وهو ما يمكنها – بالإضافة لبقية أعمال أجهزتها السياسية والاستخباراتية والأمنية – من اتخاذ القرار المناسب.
من أهم هذه المراكز والمعاهد: معهد دراسات الأمن القومي، ومركز أورشليم للشؤون الخارجية والأمنية، ومعهد أبحاث إعلام الشرق الأوسط.
وتجدر الإشارة هنا أيضًا إلى أن هذه المراكز الإسرائيلية قد تكاملت في دراساتها لعودة العلاقات بين مصر وسوريا الجديدة؛ حيث شملت مادتها العلمية معظم محاور هذا البحث، بداية من تاريخ العلاقة بين البلدين، وفترة الوحدة والقطيعة، مرورًا بموقف مصر من سوريا قبل سقوط بشار وبعده، إلى رصد الموقف الإقليمي، وانتهاءً بالتركيز على الدعم الأمريكي على وجه الخصوص للنظام السوري الجديد، وسعي أمريكا إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل وسوريا الجديدة مع تعهدها بضمان أمنها القومي.
5 – المحاور العامة للبحث:
يدور البحث حول المحاور الرئيسة الآتية:
- التأصيل التاريخي للعلاقات المصرية السورية وتحولاتها.
- عودة العلاقات بين الواقع والمأمول.
- موقف الدول الغربية والإقليمية من النظام السوري الجديد.
- إسرائيل وموقفها من عودة العلاقات بين مصر وسوريا.
- أثر عودة العلاقات في إسرائيل.
أولًا: التأصيل التاريخي للعلاقات المصرية السورية وتحولاتها
1 – الخلفية التاريخية:
أهمية العلاقة وأصالتها: يستمد التأصيل التاريخي للعلاقات بين الشعوب الحضارية القديمة مثل مصر وسوريا أهميته الخاصَّة من مواجهته العلمية والموضوعية، في ضوء الاكتشافات الأثرية المتعددة، لأي ادعاءات من شأنها أن تسلب هذه الشعوب دورها التاريخي والحضاري في المنطقة، بل ونسبه إلى جماعات أخرى متفرقة لم تتوفر لها من مقومات الشعوب سوى العقيدة الدينية الاقتصارية والتي تؤدي بدورها إلى مفهوم قومي محدود لا مكان فيه للآخر. ويؤكد هذا المعنى الدكتور حسن السعدي بقوله: “ومن الأهمية بمكان الإشارة في هذا الصدد إلى أن الاهتمام البالغ للمؤسسات العلمية الأجنبية بقضايا التاريخ اليهودي، ومحاولة تأصيل بعضها ودعمها أثريًّا- بالحق ودونه- فيما يُعرَف بدراسات أرض الكتاب المقدس أو الدراسات التوراتية (The Biblical Studies)، إنما يُلقي على الباحثين المعنيّين بالأمر في مضمار الدراسات القديمة مسؤولية تاريخية. وذلك بتوجيه الجهد الآثاري توجيهًا موضوعيًّا بالتوسُّع في استكشاف مناطق الاهتمام المشترك وتوظيف العائد منها في ضوء عالمية العلم التي تسمو فوق المنظور العقدي والقومي بمفهومه الضيق. وبما يؤكد على الدور التاريخي والحضاري لشعوب هذه المنطقة التي كان لمصر وسوريا الكبرى -مع حضارة الرافدين- أهم إسهاماتها قاطبة”([1]).
فيما يتعلق بأصالة العلاقة التاريخية بين مصر وسوريا، فإنها “كانت جد قوية بين أهليهما منذ أقدم عصور التاريخ. ولا عجب؛ فمتاخمة الأرض للأرض قد سهَّلت الانتقال بينهما ووحَّدت بين عادات أهليهما وطبائعهما. وقد كانت منذ فجر التاريخ تفتح أبواب دورها ومؤسساتها لاستقبال الشاميّين فتفيد من تجاربهم وذكائهم وحضارتهم، كما كان المصريون يفدون على الديار الشامية فيجدون فيها أهلًا ويحلون سهلًا ويتمتعون بما يتمتعون به في بلادهم”([2]). إن هذه العلاقة “تضرب بجذورها منذ عصري نقادة([3]) الثانية والثالثة وبينهما قرابة مئة عام حتى قبيل الأسرات فيما يُعرف اصطلاحًا بالأسرة (صفر). حيث رُصِدت سبعة مواقع جنوب كنعان (فلسطين) كانت عرضة للإعمار تارة وللهجرة تارة أخرى بما يشير إلى تذبذب الوجود المصري آنذاك. وقد عُثِر على آثار مصرية ربما تمثل أولى المظاهر المادية للتجارة هناك والتي ساعد عليها وجود الطريق التجاري الممتد من فلسطين عبر غزة وسيناء فالسويس متجهًا بحذاء الحد الشرقي للدلتا صوب منطقة القاهرة الكبرى الحالية”([4]).
موجز تاريخ العلاقة المصرية السورية قديمًا وحديثًا: في عصر الدولة المصرية الحديثة، احتلت الأسرة التاسعة عشر أجزاء من جنوب سوريا وخاضت حروبًا ضد الجماعات الشامية المحلية. وفي نهاية المطاف، سقطت مصر في يد الإمبراطورية الآشورية عام 673 ق.م. وأصبحت مصر وسوريا لاحقًا ولايتين تابعتين للإمبراطورية الرومانية والبيزنطية، ثم خضع القطران للسيطرة الفارسية التي بدأت بسوريا 615م، ثم مصر 616م، قبل الفتوحات الإسلامية المبكرة. وظلت مصر وسوريا من الأراضي المهمة للخلافات المبكرة، مثل الخلافة الراشدة، الأموية، العباسية، الفاطمية، والعثمانية. وخلال عهد الدولة العثمانية، غزا ناپليون مصر وسوريا. بعد هزيمة ناپليون، نشأ فراغ في السلطة في مصر، فتولى القائد العثماني محمد علي باشا زمام الأمور في مصر، وأعلن الحرب على العثمانيين للسيطرة على سوريا. ورغم نجاحه، ثار الفلاحون السوريون ضد التواجد المصري. بعد الحرب المصرية العثمانية الثانية، انسحبت مصر من سوريا مقابل الاعتراف بحكم أسرة محمد علي لمصر([5]).
لقد تحكمت مجموعة من الأحداث المهمة في تاريخ العلاقة بين البلدين بدءًا من تزايد النفوذ البريطاني في الشؤون المصرية بمرور الوقت، حتى تمكنت بريطانيا بحلول عام 1914م من استبدال خديوي مصر الموالي للعثمانيّين، عباس الثاني، بحسين كامل الموالي لبريطانيا، الذي أعلن استقلال مصر عن العثمانيّين وتحالف مع البريطانيين، وانضم إلى الحرب العالمية الأولى ضد العثمانيّين، بمساعدة من الثوار السوريّين. أثناء الحرب، تواطأت بريطانيا وفرنسا لتقسيم الأراضي العربية الخاضعة للحكم العثماني. وتمَّ الاتفاق على أن تصبح سوريا تحت الانتداب الفرنسي، على الرغم من النزاع بين القوات الفرنسية والثوار السوريّين. وحافظت الحكومتان السورية والمصرية على علاقات إيجابية بعد الحرب العالمية الأولى. وقَّعت سوريا ومصر على پروتوكولات الإسكندرية، وكانتا لاحقًا من مؤسسي جامعة الدول العربية. وشاركت الدولتان في حرب 1948م، لكنهما مُنيتا بالهزيمة أمام إسرائيل. وقد خلَّفت هذه الهزيمة صدمة في السياسة المصرية والسورية، وفي السياسة العربية عمومًا. في العام التالي، وقعت ثلاثة انقلابات في سوريا: انقلاب مارس بقيادة حسني الزعيم، وانقلاب أغسطس بقيادة سامي الحناوي، وانقلاب ديسمبر بقيادة أديب الشيشكلي. وفي عام 1952م، أطاحت الثورة المصرية بالنظام الملكي المصري في انقلاب قاده الضباط الأحرار، وأُعلِنت الجمهورية المصرية، برئاسة محمد نجيب. في العام نفسه، أسس الشيشكلي حركة التحرر العربي، وهي حزب سياسي تبنى القومية العربية. التقى الشيشكلي بنجيب لمناقشة التعاون والوحدة بين سوريا ومصر، وهو ما أبدى نجيب استعداده له، لكنه فضل حل قضية السودان، الذي سيطرت عليه مصر منذ فتوحات محمد علي. استمرت المحادثات بين الحكومتين السورية والمصرية بشأن الوحدة حتى بعد انقلاب 1954م الذي أطاح بالشيشكلي، وانقلاب 1954م الذي أطاح فيه جمال عبد الناصر بنجيب في العام نفسه. وعندما نما إلى علم مصر أن المخابرات البريطانية قد اتصلت بالشيشكلي في منفاه تعرض عليه المساعدة في العودة للحكم قررت القاهرة التدخل في دمشق لتدعيم الوضع في سوريا وتحمست لشكري القواتلي الذي تربطه بمصر علاقات وطيدة لاتجاهه القومي في الوقت الذي أصبح الشيشكلي في نظر مصر ورقة خاسرة([6]).
التاريخ المصري السوري المعاصر: يتجلَّى انعكاس علاقة مصر بسوريا الجديدة على إسرائيل باهتمام مراكزها البحثية بتحليل هذه العلاقة وتتبعها تاريخيًّا، وذلك في إطار سعيها لتقييم موقفها من هذه العلاقة. وقد ركزت بعض هذه المراكز على تناول العلاقة بين مصر وسوريا في التاريخ المعاصر؛ حيث رصدت دراسة قدَّمتها أميرة أورون (سفيرة إسرائيل السابقة لدى مصر من 2020-2024م) لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي([7]) أهم ملامح العلاقة المصرية السورية وتقلباتها منذ العقود الأخيرة من القرن العشرين؛ حيث أشارت إلى أنه لفترة وجيزة، كانت مصر وسوريا دولة واحدة، “الجمهورية العربية المتحدة”، في الفترة من 1958 إلى 1961م. وفي حرب أكتوبر، شنتا هجومًا منسقًا على إسرائيل. بعد الحرب، تباعدت مساراتهما بسبب اختلاف السياسات التي تبنّياها بشأن الترتيبات مع إسرائيل، ولا سيما معاهدة السلام التي وقَّعتها مصر مع إسرائيل عام 1979م. واتسمت العلاقات بين الرئيسين حسني مبارك والأسد بالود والتقدير المتبادل نظرًا لتاريخهما المشترك كطيارين مقاتلين شاركا في حرب أكتوبر. وتعززت هذه العلاقات مع عودة مصر إلى صفوف جامعة الدول العربية عام 1989م، بعد مقاطعة طويلة فرضتها عليها معظم الدول العربية، وبرزت سوريا من بينها([8]).
إن عودة العلاقات الدبلوماسية بين مصر وسوريا، حينئذ، إلى حالتها الطبيعية كان لها أصداء قوية إقليميًّا وعربيًّا وعالميًّا على الرغم من أن مصر قد أعادت علاقاتها مع الدول العربية منذ فترة إلا أن هذا التقارب والعودة بين القاهرة ودمشق له مدلول آخر يضع الدولتين مصر وسوريا في خانة الدول التي لها مرتكز قوي. أو بعبارة أخرى، يمكن اعتبار مصر وسوريا العمود الفقري للنظام العربي الذي يمكن من خلاله الوقوف أمام التحديات التي تواجه الأمة العربية… كما أن استئناف العلاقات بين مصر وسوريا سيعطي القاهرة ثقلًا أكبر في دورها كوسيط في الصراع العربي (الإسرائيلي)، كذلك فإن عودة العلاقات ساعد على ضمان عدم عرقلة سوريا لعملية السلام في هذه المرحلة. وبالنسبة لسوريا، فان العودة ساعدت حكومة الرئيس حافظ الأسد على إنهاء عزلتها العربية، كما أدت إلى تقليل الانتقادات التي توجهها الدول الغربية إلى سوريا بزعم مساندتها للإرهاب([9]).
عندما تولى بشار الأسد السلطة في يوليو/تموز 2000م، استقبله الرئيس مبارك بتعاطف، إلا أن أزمات نشبت بين البلدين، كما حدث بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في فبراير/شباط 2005م، والذي نُسِب إلى نظام الأسد، وبسبب انتقادات مصرية للتدخل السوري في لبنان. وفي عام 2011م، في نهاية ولايته، دعا الرئيس مبارك نظيره السوري إلى التنحي عن الرئاسة لمنع تدمير سوريا وإراقة الدماء.
وتضيف أورون أن سياسة مصر الثابتة تظهر من خلال هاتين الأزمتين بوضوح، والتي تشمل دعم فكرة الدولة العربية كما هي والحفاظ على وحدتها. كما أنها تقدم قراءة إسرائيلية وتحليلًا مهمًا لتطور العلاقة بين مصر وسوريا وتحولها في ظِل تغيير النظام بعد الإطاحة بحكم الرئيس محمد مرسي وتقييمها لسياسته الخارجية في السنة التي حكم فيها؛ حيث تشير إلى أن رئاسة عبد الفتاح السيسي، التي بدأت في يونيو/حزيران 2014م، بعد الإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين في مصر، قد شكَّلت نقطة تحول إيجابية في العلاقات بين البلدين. ففي يونيو/حزيران 2013م، وقبل أسبوعين من إقالته من الرئاسة، أعلن الرئيس مرسي خلال مؤتمر لدعم المعارضة السورية قطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا وإغلاق سفارتها في القاهرة، متهمًا نظام الأسد بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
وفقًا لتقييم أورون، كان هذا القرار المفاجئ والمتسرع مثالًا على محدودية قدرات حكومة الإخوان المسلمين في مصر وفشل السياسة الخارجية التي قادها مرسي. وتقوم الفكرة التي أسهمت حركة الإخوان المسلمين في صياغتها ونشرها في جميع أنحاء المنطقة العربية على أن الإسلام ليس مجرد دين وعقيدة، بل هو أيضًا إطار سياسي للدولة، ينبغي له أن يحكم حياة سكان الدول العربية وفقًا للشريعة الإسلامية، ويمكنه ذلك. وهكذا، في الثالث من يوليو/تموز 2013م، كان الأسد من أوائل المهنئين بالإطاحة بنظام مرسي، الذي وصفه في بيانه بـ”الإسلام السياسي المزعوم”. وكانت أولى خطوات النظام الانتقالي في مصر تجاه سوريا هي إغلاق حدود البلاد أمام القادمين من سوريا دون تأشيرة سفر، وطُلِب من المواطنين السوريّين الموجودين في مصر مغادرة البلاد. وبذلك، سعت مصر إلى منع وصول الإسلاميّين السوريّين إليها([10]).
بين الوحدة والقطيعة:
لم يكن يوم إعلان الوحدة الشاملة بين مصر وسوريا في فبراير 1958م يومًا عاديًا؛ وإنما كان يومًا فارقًا ليس فقط في تاريخ النضال الوطني المصري السوري، بل فى تاريخ النضال الوطني العربي، وحلم القومية والتوحد العربي.
لقد استمرت القوة الدافعة لنجاح الوحدة حتى وقع الانقلاب العسكرى السورى في سبتمبر 1961م، لتنتهى تجربة الوحدة لعدة أسباب: خارجيًّا: عمل الغرب على إفشالها؛ حيث اعتبرها تشكل خطرًا جغرافيًّا استراتيجيًا على إسرائيل، خاصة بعد أن بدأت دول عربية أخرى في المطالبة بالانضمام إليها. وداخليًّا: إلغاء حزبي البعث والشيوعي القويين فى سوريا والوفد في مصر. وإبعاد الضبَّاط عن العمل السياسي مما أثار الضباط السوريّين الذين يشعرون أنهم أصحاب الوحدة([11])، بالإضافة إلى حالة الاستبداد والفساد التي اتسم بها النظام الحاكم في ذلك.
المحددات التي تحكم العلاقة المصرية السورية: على الرغم من انتهاء الوحدة المصرية السورية، بأسبابها المختلفة خارجيًّا وداخليًّا، لم تنقطع العلاقات بين البلدين تمامًا مع كثرة التحولات التي مرت بها المنطقة. وفي كل الأحوال حافظت مصر على مجموعة من المحددات التي تحكم العلاقة المصرية السورية بشكل عام والنظام السوري الجديد على وجه الخصوص؛ وقد عرض السفير محمد حجازي (مساعد وزير الخارجية الأسبق) لأهم هذه المحددات بقوله: إن “قراءة المسار المصري- السوري تستوجب الابتعاد عن منطق القطيعة أو التطبيع الكامل، والاقتراب أكثر من فهم منهج الدولة المصرية فى إدارة علاقاتها الإقليمية، وهو منهج يقوم دومًا على التدرج المدروس والمتأني، وتغليب اعتبارات الأمن القومي، وربط الانفتاح السياسي بمدى استقرار الدولة المقابلة وقدرتها على العمل المؤسسي ورعاية مكونات شعبها، والانتماء لقيم الإقليم ومصالحه القومية.
يضيف حجازي أنه: لا يمكن القول إن العلاقات بين القاهرة ودمشق متباعدة أو مقطوعة؛ فالتواصل السياسي قائم، والموقف المصري من وحدة الأراضي السورية ورفض تفكيك الدولة كان ثابتًا منذ اندلاع الأزمة وما شاهدته سوريا من تحولات، غير أن هذا التواصل لم يرتق بعد إلى مستوى التفاعل والتواصل أو الشراكة السياسية أو التنسيق الإستراتيجي الكامل، وهو أمر مفهوم فى ظِل استمرار التعقيدات الأمنية والسياسية داخل سوريا، وصلاتها الإقليمية والدولية([12]).
3 – موقف مصر من سوريا قبل سقوط الأسد وبعده:
قبل سقوط بشار الأسد: ترى أميرة أورون في دراساتها (لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي) إلى أن موقف مصر تجاه سوريا قبل سقوط بشار، وخاصَّة في السنوات اللاحقة لتغيير النظام في مصر بعزل الرئيس محمد مرسي، كان متزنًا وتدريجيًّا، حيث استؤنفت العلاقات الدبلوماسية، ولم تدعم مصر المعارضة في سوريا، بل على العكس، أكدت على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وسيادة الدولة. هذا الموقف، الذي لا يزال ساريًا حتى اليوم، يعكس رؤية مصر المبدئية التي تُقدِّس الدولة المدنية وسيادتها وترفض فكرة الإسلام السياسي المُعارضة.
وقد أعرب السيسي علنًا عن دعمه للرئيس الأسد في مقابلة بُثت في نوفمبر/تشرين الثاني 2016م، وأشار إلى دعمه للجيش الوطني العربي في الدول التي تشهد أزمات حكم، مثل ليبيا والعراق وسوريا. وأضاف أن موقف مصر يعكس احترام إرادة الشعب السوري وضرورة إيجاد حل سياسي للأزمة التي تمر بها سوريا، كما أكد على ضرورة وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية، إلى جانب ضرورة محاربة الجماعات الإسلامية المتطرفة. وقد عكست هذه الكلمات – بحسب ما يراه المؤيدون للسيسي – تضامن النظام والشعب المصري مع معاناة الشعب السوري ومع كل شعب عربي يمر بحرب أو أزمة، بما في ذلك الشعب الفلسطيني.
شملت عملية التطبيع بين مصر وسوريا التنسيق والحوار بين الأجهزة الأمنية في البلدين. وفي مايو/أيار 2023م، وافقت مصر على عودة سوريا إلى صفوف جامعة الدول العربية بعد غياب دام 11 عامًا، وذلك بعد أن رأت القاهرة أن الشروط اللازمة لذلك قد تحققت، وأهمها الالتزام بإنهاء الصراع الداخلي في سوريا سلميًّا.
الموقف بعد بشار: لقد اهتمت المراكز البحثية الإسرائيلية برصد موقف مصر من سوريا الجديدة وتحليله بعد سقوط بشار، وكيف توخى النظام المصري الحذر في التواصل مع الحكومة السورية الجديدة؛ حيث يشير الباحث ب. تشيرنيتسكي في معهد أبحاث إعلام الشرق الأوسط([13])، إلى أن الثورة في سوريا واستيلاء “هيئة تحرير الشام” ذات التاريخ الجهادي، على قيادة البلاد، قد شكَّلت معضلةً للحكومة المصرية – التي دعمت نظام الأسد لسنوات – حول كيفية التعامل مع الحكومة السورية الجديدة. وقد أجرت مصر، التي لم تعترف رسميًّا بعد بالحكومة السورية الجديدة، اتصالًا أوليًّا معها، عبر مكالمة هاتفية بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني، إلا أنه لم يتم بعد إقامة اتصال دبلوماسي مستمر بين سوريا ومصر.
يضيف تشيرنيتسكي أن مأزق الحكومة المصرية في هذا السياق ينبع من خشيتها من أن تحاول عناصر تابعة لجماعة الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى مقاتلين جهاديّين مصريّين قاتلوا في سوريا، الإطاحة بها، متأثرةً بالأحداث في سوريا. وقد ازداد هذا الخوف بعد ظهور هذه العناصر، المعروفة بانتقادها لنظام السيسي، في سوريا وهي تُعرِب عن دعمها لثورة هناك، بل ودَعَا بعضها إلى ثورة مماثلة في مصر. ووفقًا لتقارير مختلفة، اشترطت مصر في علاقتها مع الحكومة الجديدة منع دخول “المعارضين” المصريّين إلى سوريا، وعدم السماح لمِن هم فيها بالتحرك ضد مصر انطلاقًا منها.
مراحل التعامل مع النظام السوري الجديد: أدَّى الموقف الحذر الذي تبناه النظام المصري إلى التأني وتدرج العودة في العلاقات مع سوريا الجديدة، وقد رصد تقرير لجريدة الشرق الأوسط أول زيارة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى القاهرة؛ حيث نقل أنه بعد نحو أربعة أشهر منذ وصول الشرع لسدة الحكم، جاءت أول زيارة للقاهرة، ومن استقبال بروتوكولي وتصافح قبيل انعقاد القمة العربية (مارس/آذار 2025م)، إلى لقاء مباشر هو الأول من نوعه، شهد تأكيد الرئيس المصري “حرص مصر على دعم الشعب السوري وتحقيق تطلعاته”، مُنوهًا إلى “أهمية إطلاق عملية سياسية شاملة تتضمن كل مكونات الشعب السوري ولا تُقصي طرفًا”. وجدد الرئيس المصري مواقف القاهرة السابقة منذ وصول الشرع، بتأكيد “حرص مصر على وحدة الأراضي السورية وسلامتها، ورفضها أي تعد على الأراضي السورية”.
بالمقابل، أكد الرئيس السوري – بحسب المصدر نفسه – على “حرصه على بدء صفحة جديدة من علاقات الأخوة مع الدول العربية، وخاصَّة مصر، ورغبته في العمل المشترك مع مصر بما يحقق مصلحة البلدين والأمة العربية”. واكتفت الرئاسة السورية عبر حسابها بمنصة “إكس”، بالإشارة إلى “حدوث لقاء جانبي جمع الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني مع السيسي على هامش القمة العربية”، فيما كتب الشيباني، منشورًا عبر منصة “إكس”، قائلًا: “نشكر مصر ووزير الخارجية المصري الأخ العزيز بدر عبد العاطي، عَلَى حُسن الاستقبال والضيافة”. وفي مقابلة متلفزة على هامش القمة، أكد الشرع أن “سوريا جزء من الحضن العربي”، مشددًا على أن “مصر والشام جناحا طائر واحد”([14]).
وفقًا للمستشار السابق في رئاسة الوزراء السورية، أستاذ العلاقات الدولية، الدكتور عبد القادر عزوز، فإن دبلوماسية القمم تترافق معها لقاءات يتبادل فيها الرؤساء الأحاديث الثنائية وبحث التحديات والفرص، مؤكدًا أن القمة كانت فرصة جيدة لتبادل الأفكار والهواجس بين البلدين في ظِل الانفتاح السوري وأولوياته في تعميق العلاقات مع الأشقاء العرب. وبحسب عزوز، فإن مصر لديها دوافع للاهتمام بتطوير العلاقات مع سوريا باعتبار أمنها هو أمن قومي مصري وعربي، وبالتالي سوف نرى مساعي لإيجاد معالجات لأي إشكاليات عبر الحوار، متوقعًا أن يقود لقاء الرئيسين إلى مزيدٍ من تبادل الزيارات مستقبلًا بين البلدين([15]).
إن العلاقة بين مصر وسوريا لم تعد تُقاس فقط بتاريخها المشترك أو بالمواقف المبدئية الثابتة، بل أصبحت بحكم التحولات العميقة فى الإقليم مرهونة بدرجة كبيرة بالخيارات الإقليمية التى سوف تتبناها دمشق فى المرحلة المقبلة، وبمدى انسجام هذه الخيارات مع منطق الدولة الوطنية العربية الذى تتبناه القاهرة. هكذا أشار السفير محمد حجازي إلى أحد أهم محددات عودة العلاقة بين مصر والنظام السوري الجديد، والمتمثل في خيارات دمشق الإقليمية المستقبلية. ويضيف حجازي أنه مع اقتراب سوريا من مرحلة ما بعد الصراع المفتوح، تجد نفسها أمام مفترق طرق إستراتيجى، لا يحدد فقط شكل دورها الإقليمى، بل يرسم أيضًا طبيعة علاقاتها مع القوى العربية المركزية، وفى مقدمتها مصر. وخيارات سوريا واضحة أهمها وأقربها لعقل مصر ودول المنطقة هو خيار العودة إلى العمق العربى؛ حيث يُعَد هذا الخيار الأكثر توافقًا مع الرؤية المصرية، فعودة سوريا إلى محيطها العربى بوصفها دولة مستقلة القرار، منضبطة السلوك، وغير مصدِّرة للأزمات، سوف تفتح الباب أمام تطوير العلاقات السياسية مع القاهرة، وبدء تنسيق أمنى منشود ومتوقع فى ملفات مكافحة الإرهاب، وتأكيد على إمكانية مشاركة مصرية وعربية فاعلة فى إعادة الإعمار، وكلها عوامل سوف تسهم فى استعادة التوازن داخل النظام الإقليمى العربى، لقيمة سوريا وأهميتها الجيواستراتيجية فى المنطقة. كما أكَّد على أن مصر تنظر إلى هذا المسار وخيار العودة والالتحام مع حاضنتها العربية، على أنه الأساس باعتباره المدخل الطبيعى لاستعادة سوريا مكانتها، شريطة أن يقترن بخطوات عملية تعزز من سيادة الدولة السورية، وتحد من أدوار الفواعل والتنظيمات المسلحة غير الرسمية، وتعيد الاعتبار للمؤسسات الدستورية واحترام المرجعيات الدينية والمكونات الطائفية للمجتمع السوري([16]).
لقد نقلت أميرة أورون ما نُشِر في تقرير مجلة الإيكونوميست الذي أفاد بأن مصر والأردن والإمارات العربية المتحدة رفضوا طلب الأسد منحه اللجوء السياسي على أراضيها. ولم تُسارع مصر الرسمية إلى الرد على الوضع المتصاعد في سوريا، واكتفت بمطالبة المواطنين المصريّين المقيمين في سوريا بتوخي الحذر. وفي 8 ديسمبر/كانون الأول، أصدرت وزارة الخارجية بيانًا أكدت فيه أن مصر “… تُشدد على وقوفها إلى جانب الشعب السوري، وتدعم السيادة السورية ووحدة أراضيها وسلامة أراضيها، وتدعو جميع الأطراف إلى الحفاظ على قدرات الدولة ومؤسساتها الوطنية [أي الجيش في المقام الأول]، وإعطاء الأولوية القصوى لمصلحة الدولة، وتدعو إلى فتح عملية سياسية شاملة لإرساء مرحلة جديدة من السلام الداخلي. كما أكدت مصر على نشاطها بالتنسيق مع الجهات الدولية لتقديم المساعدة للشعب السوري وإعادة بناء الدولة ودعم عودة اللاجئين السوريّين إلى بلادهم.
“لقد عبَّر هذا البيان بوضوح عن موقف مصر تجاه النظام الناشئ في سوريا، إذ يُوجِّه نداءه إلى الشعب السوري دون أي إشارة إلى النظام الجديد. ومن هنا، يمكن استنتاج أنه غير مقبول ولا يحظى بالاعتراف في هذه المرحلة([17]).
التقييم المصري للموقف وأسباب انهيار الجيش السوري: على الرغم من أن النظام المصري امتنع – كعادته – عن إبداء رأيه ضد أي نظام عربي آخر، إلا أن تحفظات مصر تجاه الشريعة الإسلامية سُجلت على نطاق واسع في وسائل الإعلام المصرية. وقد سلطت التغطية الإعلامية في مصر الضوء على سقوط نظام الأسد، وسط دهشة من سرعة انهيار هذا النظام، وخاصَّة سرعة انهيار جيشه. في الوقت نفسه، ساد الحزن على مصير الشعب السوري الذي تُرك بلا حامٍ. وشبَّه معلق مصري انهيار الجيش السوري بعصا النبي سليمان المذكورة في سورة “سبأ”. ووفقًا للتفسير التقليدي لهذه الآية، مات النبي سليمان وهو واقف متكئًا على عصاه، ولذلك لم تلاحظ الجنُ موته لمدة عام، ولكن عندما سقط على وجهه أرضًا، نخرت سوسة الخشب أو حشرةُ الأَرَضَة عصاه وأضعفتها حتى انهارت. بعبارة أخرى، كان الجيش السوري فاسدًا ومُنهكًا لسنوات قبل أن تتغلب عليه قوات الشرع، مما يفسر انهياره السريع.
وطرح المعلق السياسي المخضرم الدكتور مصطفى الفقي زاوية أخرى بشأن الجيش السوري، مفادها أن النظام السوري سقط لأن الجيش السوري لم يحمه، وتخلى عن مسؤوليته وولائه للرئيس الأسد، وتوقف عن اعتباره قائدًا وقائدًا أعلى للقوات المسلحة، فحُكِم عليه بالفناء.
وترى أميرة أورون أن مصر قد أبدت تحفظات على النظام السوري الجديد، لكنها تبنت سياسة مماثلة لسياسة الدول العربية الأخرى في قبوله في جامعة الدول العربية. ودُعِي الرئيس الشرع إلى القمة الطارئة حول القضية الفلسطينية التي عُقدت في مارس/آذار 2025م في القاهرة. ومع ذلك، كان من الواضح أن السيسي لم يكن متحمسًا. بمعنى آخر: لن تحظى سوريا بتعاطف مصري، لكنها جزء من النظام العربي ولن تُقاطع أو تُقطع عنه مرة أخرى، كما حدث مع الرئيس بشار الأسد. وبهذا، سوف تسعى مصر والدول العربية الأخرى إلى ضمان نفوذها على النظام الجديد، الذي يطمح إلى الاندماج في الفضاء العربي بشكل طبيعي، بل والحد من تأثير العناصر غير العربية عليه. علاوة على ذلك، أبقت مصر على سفارتها في دمشق معلقةً، ويعود أحد الأسباب الرئيسة لذلك إلى ضرورة تقديم الخدمات القنصلية للجالية المصرية في سوريا. كما شهدت مصر، في السنوات الأخيرة ومع استمرار الحرب الأهلية في سوريا، تواجدًا كثيفًا للجالية السورية المهاجرة، يتراوح عدد أفرادها بين 700 ألف ومليون نسمة. هؤلاء المهاجرون، بحسب السيسي، هم “ضيوف” نالوا تقدير الشعب المصري، واندمجوا في المجتمع، وأسسوا مشاريع تجارية ناجحة، لا سيما في قطاعي الضيافة والمطاعم. وقد احتفل هؤلاء المهاجرون بسقوط نظام الأسد، بل وأعربوا عن رغبتهم في العودة إلى وطنهم. وهنأ المصريون السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وشكروا مصر على استضافتهم. مع ذلك، لم تمدد تعليمات النظام الاحتفالات لمنع أي تعبير عن الدعم والتعاطف مع نظام الشرع في مصر([18]).
ثانيًا: عودة العلاقات بين الواقع والمأمول
واقع العلاقة:
لا يعني محاولة مصر احتواء النظام السوري الجديد كجزء من النظام العربي وعدم السعي إلى مقاطعته أن الظروف قد أصبحت مواتية لاستئناف العلاقات كما كانت من قبل، فهناك نقاط عالقة لا يمكن تجاهلها وثمَّة ملفات لا تزال تؤثر على وتيرة التقارب، فى مقدمتها غياب وضوح كامل بشأن مسار الاستقرار السياسى والأمنى فى سوريا، وتشابك العلاقات السورية مع قوى إقليمية ودولية بما يفرض على القاهرة حسابات دقيقة فى إدارة التوازنات، علاوة على عدم نضج الأطر الاقتصادية ومخططات إعادة الإعمار بسوريا بما قد يسمح بانتقال سريع إلى تعاون اقتصادى واسع، وهناك الحاجة إلى بناء ثقة إستراتيجية متبادلة تتجاوز المجاملات السياسية إلى خطوات عملية, ويضيف السفير محمد حجازي إلى ذلك: أن هناك بعدًا تاريخيًّا عاطفيًّا يستوجب بذل جهد أكبر من القيادة السورية تجاه مصر وقيادتها السياسية للتأكيد على أن لمصر مكانة لا تضاهى فى سلم أولويات سوريا الجديدة تجاه المنطقة([19]).
لقد انعكس الموقف المصري من النظام السوري الجديد في تصريحات وزير الخارجية المصري ووصفه للسلطة الحالية بأنها سلطة الأمر الواقع؛ وذلك عندما قال في تصريحات متلفزة، ردًّا على سؤال حول زيارة دمشق: “نأمل في أن تكون سوريا مستقرة، وكل شيء تتم دراسته، وقد أجريت اتصالًا هاتفيًا مع وزير خارجية (سلطة الأمر الواقع) في سوريا، أسعد الشيباني، وعلى استعداد للانخراط (في مشاورات)، ولدينا بعض الأمور والشواغل التي تحتاج لمعالجة ومناقشة”([20]).
لقد سارت الغالبية العظمى من الإعلام المصري على الوتيرة نفسها؛ حيث رصد معهد أبحاث إعلام الشرق الأوسط الإسرائيلي تصريحات للعديد من الصحفيين المصريين يحذرون من الشر المتوقع من النظام السوري الجديد، لدرجة أن أحدهم صرح في إحدى مقالاته قائلًا: صحيح أننا في مصر نعاني ونشكو بمرارة من غلاء المعيشة وانعدام الحريات، لكن هذا لا يُبرر لنا الموافقة على جرِّ بلادنا إلى دوامة من الثورات والاضطرابات التي ستُدمر كل شيء. لقد خضنا غمار الثورات من قبل، وأحرقتنا نيرانها… لذلك، نقول للحكومة الجديدة في سوريا: كما احترمنا انتخابات شعبكم ولم نتدخل فيها إطلاقًا، نطلب منكم احترام انتخاباتنا وحرصنا على بلدنا، وألا تتدخلوا في شؤوننا، أو تسمحوا لبلدكم الحبيب بأن يصبح منبرًا لإطلاق الثورات وتشجيع الإرهاب في بلادنا.
وعلى النقيض من العديد من المقالات التي حذرت من النظام الجديد في سوريا، دعا بعض الكتاب النظام المصري، والدول العربية عمومًا، إلى إقامة اتصالات مع قيادته الجديدة رغم الخوف من تطرفها، حتى لا تُترك الساحة السورية في أيدي عوامل إقليمية ودولية، قد تأتي على حساب العرب وتُهدد أمن مصر([21]).
المأمول في العلاقة:
يرى مراقبون أن ما تأمله مصر للاطمئنان إلى عودة العلاقات مع النظام السوري الجديد يجب أن تدعمه اختيارات هذا النظام العملية لا القولية فحسب؛ فيجب على النظام السوري أن يمنع ما قد يثير المخاوف والتهديدات من الجبهة السورية تجاه النظام المصري خاصة من المصريين الموالين للنظام السوري الجديد أو الذين شاركوا معهم في إسقاط بشار، والمعارضين للنظام المصري. وبناءً على ذلك يمكن القول “إن طبيعة العلاقة المصرية- السورية ستكون انعكاسًا مباشرًا للخيار الإقليمى الذى ستتبناه دمشق، فكلما اقتربت سوريا من عمقها العربى، اقتربت من القاهرة، وكلما تعمَّق اندماجها فى محاور إقليمية مغلقة، تراجعت فرص بناء علاقة استراتيجية مع مصر، أما خيار التوازن، فيبقى الباب مفتوحًا لتقارب تدريجى، دون قفزات مفاجئة، ومصر لا تسعى إلى فرض خيارات على سوريا، لكنها تراقب بدقة اتجاه البوصلة الاستراتيجية السورية. فالقاهرة تدرك أن استقرار سوريا لا يتحقق فقط بإعادة الإعمار أو التسويات الأمنية، بل بقدرتها على استعادة دورها كدولة عربية مركزية، مستقلة القرار، متوازنة العلاقات. وعليه، فإن مستقبل العلاقات المصرية- السورية لن يُحسم ببيانات سياسية أو زيارات متبادلة بقدر ما سيتحدد بعمق الخيارات الإقليمية التى ستختارها دمشق، وبمدى اقترابها من منطق الدولة، لا منطق الثورة أو المذهبية أو تحالفات من خارج المنطقة([22]).
لقد انتهت دراسة تشيرنيتسكي إلى الإجابة عن السؤال المهم: رغم كل هذه المخاوف، هل من مصلحة مصر أن تختار قطع العلاقات استباقيًّا مع قادة سوريا الجدد؟ أم من الأفضل لها أن تتبنى سياسة التقارب الحذر، كما فعلت دول عديدة، بما فيها قوى عظمى؟ الإجابة المنطقية، وفقًا لتوصيات الدراسات السياسية، هي الخيار الثاني، أي التقارب الحذر، إذ يصعب محو التاريخ الذي يربط البلدين في لحظة انفعال.
إن الانسحاب الرسمي لمصر من سوريا، على الرغم من أهميتها الاستراتيجية الكبيرة بالنسبة لنا، يُشكل خطرًا على الأمن القومي المصري، وهو خطرٌ تُعلمنا كتب التاريخ العسكري أنه يبدأ من جبال طوروس في جنوب تركيا.
ويؤكد تشيرنيتسكي إجابته باقتباس من الصحفي المصري عماد الدين حسين، رئيس تحرير صحيفة الشروق المصرية، في مقال له، بأنه لا يجوز للدول العربية الآن التخلي عن سوريا وتركها لتركيا والولايات المتحدة وإسرائيل، كما فعلت سابقًا مع العراق؛ حيث كتب: “… جميعنا نتذكر التجربة العربية المؤسفة عام 2003م، حين غزت الولايات المتحدة وبريطانيا العراق، وأطاحتا بنظام صدام حسين، وجلبتا على متن دباباتهما، من المنفيين الغربيين والإيرانيين، مجموعات من السياسيين العراقيين الذين كانوا على خلاف فيما بينهم. وقد نأت الحكومات العربية بنفسها عن العراق خشية اتهامها بدعم المحتل وتطبيع العلاقات معه، ثم انسحبت من العراق وتجاهلته تمامًا. وقام الحاكم الأمريكي بول بريمر [الذي كان آنذاك رئيسًا لسلطة الائتلاف المؤقتة في العراق] بتفكيك الجيش العراقي ومعظم مؤسسات الدولة، مما هيأ بيئة خصبة لظهور عشرات المنظمات الإرهابية والمقاومة في العراق. كانت النتيجة الفعلية أن الولايات المتحدة سلمت العراق لإيران على طبق من ذهب، واستغرق العراق نحو عشرين عامًا حتى بدأ يتعافى تدريجيًّا، لكن الميليشيات لا تزال موجودة، وكثير منها أكثر ولاءً لإيران من ولائها للعراق. تجربتنا مع العراق تعلمنا أنه يجب على العرب ألا ينسحبوا من سوريا، حتى لا يكون المنتصرون النهائيون فيها إسرائيل والولايات المتحدة وتركيا([23]).
نختم هذه النقطة بما ذكره نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق، أندرو ميلر([24])، في معرض استشرافه للوضع في سوريا؛ حيث ذكر أن هناك تنافس سيقع بين الأطراف المختلفة، ومنها مصر، لكنه يرى أن الأخيرة ستنخرط في هذا التنافس لكن “بموارد أكثر محدودية”، وفق وصفه. ويتفق مع هذا التقييم، إميل حكيم، وهو مدير الأمن الإقليمي وزميل أول للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية؛ حيث رأى أن الوضع الاقتصادي الصعب للقاهرة يقلل من احتمالية دورها في إعادة إعمار سوريا. غير أنه أشار إلى بعض أوراق الضغط التي قد يستخدمها النظام المصري، وفق تقييمه، وهو قدرتها على استخدام الجامعة العربية كأداة للضغط على الحكومة السورية الجديدة، وحشد الدعم العربي لوضع شروط لمرحلة الانتقال في سوريا، وبناء علاقات مع المعارضة العلمانية السورية الساخطة، وبقايا نظام الأسد، ونخبة رجال الأعمال السوريين. لكن بالنظر من ناحيةٍ إلى مستوى التحديات الموجودة في سوريا، ومن ناحيةٍ أخرى إلى أوراق الضغط العسكرية والاقتصادية لفاعلين آخرين، كتركيا والسعودية والإمارات وإسرائيل، والولايات المتحدة بطبيعة الحال، فإن قيمة هذه الأوراق التي أشار إليها “حكيم” تتضاءل.
وفي هذا السياق، يبدو أن موقف القاهرة سيعتمد على التطورات التي تصنعها أطراف أخرى، وربما يكون التعبير الأمثل عن ذلك ما ذكرته مجلة “الإيكونومست” مؤخرًا من أن مصر على رأس الخاسرين في الشرق الأوسط الجديد قيد التشكل، وأنها “على رأس قائمة المتفرجين”.
ومن المرجح كذلك أن يتشكل موقف النظام المصري تجاه سوريا بناءً على جملة من المحددات، في مقدمتها مدى قدرة أحمد الشرع على تثبيت سلطته داخل البلاد، وضمان استقرار موقعه في المعادلة السياسية السورية. كما أن استمرار الدعم السعودي له سيكون عاملًا حاسًما في تحديد مستوى انخراط القاهرة، إلى جانب استمرارية الانفتاح الأمريكي على الحكم الجديد.
ثالثًا: موقف الدول الإقليمية والغربية من سوريا الجديدة
في ظِل حالة القبول التي يحظى بها الشرع على الصعيد الإقليمي والغربي، وذلك بدعم من الولايات المتحدة الأمريكىة، نجد أن إسرائيل تترقب هذا الوضع على الرغم من الضغط الأمريكي عليها من أجل التطبيع مع سوريا. ولم تكتف إسرائيل بالترقب والحذر فقط؛ وإنما نقلت تحذيراتها هذه إلى الدول الغربية التي تبدي اهتمامًا بالنظام السوري الجديد، وهذا ما أكَّد عليه ليزر بيرمان (المراسل السياسي لصحفية تايمز أوف إسرائيل) من خلال عنوان مقاله اللافت (رغم التحذيرات الإسرائيلية يقترب العالم من الحكومة السورية الجديدة)([25])، فيقول: “بينما تسعى الحكومة السورية الجديدة إلى اكتساب الشرعية الدولية بعد الإطاحة ببشار الأسد، وتبدي الدول الغربية استعدادها لمنح فرصة للحكومة التي يقودها أحمد الشرع (المعروف أيضًا بأبي محمد الجولاني)، زعيم هيئة تحرير الشام، تعمل إسرائيل على ضمان عدم منح حلفائها أي امتيازات لشخص ترأس منظمة جهادية متطرفة. وصرح مسؤول إسرائيلي لصحيفة تايمز أوف إسرائيل: “من السابق لأوانه تصديق هذه المحاولة لتغيير الصورة”.
الدعم الفرنسي- الألماني:
أشار بيرمان إلى بداية الزيارات الدبلوماسية المهمة التي حظيت بها الحكومة الجديدة؛ قائلًا: أصبح وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو ونظيرته الألمانية أنالينا باربوك أرفع دبلوماسيين غربيين يزوران دمشق منذ الإطاحة بنظام الأسد، ونقل بيرمان أنهما أكدا: للشرع على ضرورة أن يكون انتقال السلطة سلميًّا وشاملًا. وقالت باربوك: “يتطلب ذلك حوارًا سياسيًّا يضم جميع الجماعات العرقية والدينية، بمشاركة متساوية للرجال والنساء”. وأوضحت للشرع أن الاتحاد الأوروبي مستعد لدعم عملية الانتقال في سوريا، لكنها حذرت قائلة: “لن تمول أوروبا أي كيانات إسلامية جديدة”. كما التقى بارو بقادة مسيحيين في البلاد لمناقشة الانتقال إلى سوريا ديمقراطية.
تحذيرات الإسرائيليين للعالم من النظام الجديد:
في ظِل هذا الوضع وسعي الحكومة السورية الجديدة لاكتساب ثقة العالم من أجل شرعية دولية تفتح لها أبواب الاستقرار وتساعد النظام الجديد في بناء سوريا واحدة تشمل المكونات السورية جميعها بلا تمييز أو إقصاء، تسعى إسرائيل جاهدة من خلال تصريحات مسؤوليها وفي مقدمتهم وزير خارجيتها جدعون ساعر إلى تحذير العالم من النظام الجديد؛ حيث يضيف بيرمان أن: وزير الخاجية جدعون ساعر يقود جهودًا لحث العالم على النظر إلى حكومة الشرع بعين الريبة. ويحذر من أن الدول الأوروبية تتجاهل بسرعة كبيرة الجوانب الإشكالية المحتملة للحكومة الجديدة، التي تهدف إلى إعادة ملايين اللاجئين الذين فروا من القتال منذ عام ٢٠١١م. وقال ساعر كذلك: “يتحدث العالم عن تغيير نظامي في سوريا، لكن الأمر ليس كما لو أن الحكومة الجديدة التي تسيطر الآن على سوريا بأكملها قد انتُخبت ديمقراطيًّا، بل هي جماعة إرهابية كانت سابقًا في إدلب وسيطرت على العاصمة دمشق ومناطق أخرى. العالم يريد حقًا أن يراها حكومة جديدة مستقرة؛ لأن الدول ترغب في إعادة اللاجئين الموجودين على أراضيها إلى سوريا، لكن هذا ليس هو الحال”.
إن أخطر ما أشار إليه جدعون ساعر، وفقًا للنهج الإسرائيلي في دعم الأقليات وحثها على التمرد على النظام الجديد، ما ادعاه بأن الأقليات، مثل العلويين والأكراد والمسيحيين، مهددة من قبل حكومة الشرع الجديدة. قال: “هذه حكومة إسلامية ستسعى إلى فرض سيطرة موحدة على سوريا بأكملها”. ولم يكن التحذير الإسرائيلي قاصرًا على وزير الخارجية فحسب؛ وإنما شاركه التحذير كذلك وزير الدفاع “إسرائيل كاتس”؛ حيث حذر خلال زيارته لجبل الشيخ بسوريا، من أن حكام سوريا الجدد “يتظاهرون بالاعتدال، لكنهم في الواقع ينتمون إلى أكثر الطوائف الإسلامية تطرفًا”. وقد اتهمت نائبة وزير الخارجية شارين هاسكل الشرع بأنه “ذئب في ثياب حمل”. وفي مؤتمر صحفي، عرضت هاسكل صورة مجمعة للزعيم السوري، بهدف توضيح ماضيه كعضو في منظمات جهادية مختلفة، قائلة: من المهم ألا ننخدع بمحاولات تبييض صورة الجماعات الجهادية في سوريا. فنحن نعرف حقيقتهم وطبيعتهم، حتى وإن غيَّروا أسماءهم، وندرك مدى خطورتهم على الغرب”. ويذكِّر بيرما بتاريخ الشرع قائلًا: لقد انضم الشرع، الزعيم الفعلي لسوريا، إلى تنظيم القاعدة في العراق عام ٢٠٠٣م؛ حيث أُسِر على يد القوات الأمريكية. وبعد إطلاق سراحه، شكَّل جبهة النصرة لمحاربة الأسد في سوريا. ثم صنَّفت وزارة الخارجية الأمريكية الشرع إرهابيًّا عام ٢٠١٣م، ورصدت مكافأة قدرها ١٠ ملايين دولار لمَن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه([26]).
الدعم العربي والمساعدات الأوكرانية:
لقد رصد بيرمان أيضًا بالإضافة إلى وزيري خارجية فرنسا وألمانيا، تقارب مجموعة من الدبلوماسيين من النظام السوري الجديد سواء على المستوى العربي أو الغربي؛ حيث ذكر: أنه في غضون ذلك، سارع دبلوماسيون عرب إلى دمشق للقاء الشرع. فقد أعرب وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي عن دعمه “لحكومة تمثل جميع أطياف الشعب السوري” و”لكتابة دستور جديد”، حسبما أفاد التلفزيون الأردني الرسمي. ونُقل عن الصفدي قوله: “نوافق على دعم الشعب السوري في إعادة بناء دولته”، مضيفًا: “توافق الدول العربية على دعم سوريا في هذه المرحلة دون أي تدخل خارجي”. كما وصل مسؤولون سعوديون وقطريون رفيعو المستوى إلى دمشق للقاء الشرع. وسارعت أوكرانيا أيضًا إلى تجديد علاقاتها مع سوريا بعد سقوط الأسد، الذي كان مقربًا من روسيا. والتقى وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيل بالشرع. وأرسل الرئيس فولوديمير زيلينسكي 500 طن من الحبوب إلى سوريا، وأكد أن كييف قادرة على المساهمة في استقرار البلاد.
المحادثات السورية الإسرائيل عبر الوسطاء:
لكن هل اكتفت إسرائيل بتحذيراتها وبث مخاوفها لدى حلفائها من الغرب أو الشرق؟ يؤكد الواقع أن إسرائيل كانت تسعى بالتوازي إلى التواصل مع النظام السوري الجديد رغم الحذر والريبة التي أبدتها وصدَّرتها لدول العالم. وهذا ما يشير إليه جاك نيريا (العقيد المتقاعد والباحث البارز في مركز أورشليم للشؤون الخارجية والأمنية)([27]) ؛ حيث يقول: في حين اختارت إسرائيل رسميًّا تجاهل تحركات الشرع، أكَّد في مايو/أيار 2025م أن حكومته تُجري “محادثات غير مباشرة” مع إسرائيل عبر وسطاء. الهدف المعلن لهذه المحادثات هو “تهدئة الأوضاع ومحاولة استقرارها حتى لا تصل إلى مستوى يفقد فيه الطرفان السيطرة”.
لقد أفادت وسائل إعلام عربية وغربية بعقد اجتماعات في أذربيجان والإمارات بين ممثلين عن الجانبين، كما وردت تقارير مؤخرًا عن اجتماعات عُقدت في المنطقة العازلة بين إسرائيل وسوريا؛ حيث مثَّل الجانب الإسرائيلي رئيس شعبة العمليات في جيش الدفاع الإسرائيلي، بينما مثَّل الجانب السوري قائد قوات الأمن الداخلي في السويداء العميد أحمد الدالاتي. وعلاوة على ذلك، تشير تقارير أمريكية إلى أنه خلال الاجتماع التاريخي مع رئيس الولايات المتحدة، طُلِب من الشرع الانضمام إلى مبادرة “اتفاقيات إبراهيم” وتطبيع العلاقات مع إسرائيل. ووفقًا لهذه التقارير، أبدى الزعيم السوري استعداده المبدئي لذلك، وألمح أيضًا إلى إمكانية التعاون المستقبلي مع إسرائيل في القضايا الأمنية. وفي تصريح غير مسبوق، أعلن الشرع “أن لدينا أعداءً مشتركين، ويمكننا أن نلعب دورًا محوريًّا في الأمن الإقليمي”.
ويضيف نيريا أنه وبعيدًا عن التصريحات الشفهية، بادر الزعيم السوري الجديد بمبادرة فريدة تهدف إلى بناء الثقة مع إسرائيل. في أوائل مايو/أيار 2025م، نُقلِت إلى إسرائيل مقتنيات شخصية ووثائق وصور تتعلق بإيلي كوهين، الجاسوس الإسرائيلي الذي أُعدِم في دمشق عام 1965م. وتشير التقارير إلى أن أحمد الشرع وافق شخصيًّا على عملية النقل.
بالإضافة للانفتاح الخليجى على سوريا وروابطها الأعمق مع تركيا وقطر، يشهد المشهد الدولى مؤخرًا مؤشرات على انفتاح أمريكى متزايد تجاه سوريا، سواء عبر تخفيف القيود، خاصَّة إلغاء قانون قيصر، أو فتح قنوات تواصل أمنية وسياسية محدودة. فهذه التطورات قد تسهم فى تقليص عزلة دمشق الدولية، وهو ما يخفف بدوره من كلفة الانفتاح العربى عليها. لكن من الخطأ افتراض أن القاهرة تربط خياراتها الاستراتيجية بالموقف الأمريكى. السياسة الخارجية المصرية لطالما اتسمت بالاستقلالية والقدرة على الموازنة بين القوى الكبرى، ومن ثم فإن التقارب السورى- الأمريكى قد يكون عاملًا مساعدًا، لكنه ليس عاملًا حاسمًا فى تطوير العلاقات المصرية-السورية([28]).
أثر التقارب الإقليمي مع سوريا في القرار المصري:
لعلمن أهم آثار هذا التقارب الإقليمي ودعمه للنظام السوري أنه قد ساعد، وإن شئت الدقة قد ضغط، على النظام المصري لتسريع العلاقات مع النظام، كما أفاد موقع المسار للدراسات الإنسانية([29])؛ حيث إنه على الرغم من التحفظات المصرية، فإن النظام لم يكن ليُقدِم على الاعتراف بحكومة الشرع لولا عامل الضغط الإقليمي والدولي. فقد سبقته دول إقليمية كبرى إلى التواصل مع دمشق، وفي مقدمتها السعودية وتركيا، كما أبدت الولايات المتحدة مرونة واضحة في التعامل مع الواقع الجديد. هذا التحول في البيئة الإقليمية والدولية جعل مصر تبدو، مؤقتًا، في موقع المتفرج، بل الممانع الوحيد، وهو موقع لا يخدم مصالحها الإقليمية. ومن ثم، كان لا بد من التحرك، ولو بحذر، لتجنُّب عزلة دبلوماسية في هذا الملف، ولضمان ألا تفقد القاهرة مقعدها في أي ترتيبات تخص مستقبل سوريا.
مع ذلك، فقد اتسم التحرك المصري بما يمكن أن نسميه “الاعتراف البارد”، فمستوى الانخراط الدبلوماسي لا يزال محدودًا، والخطاب الإعلامي الرسمي لم يشهد تحولًا نوعيًّا تجاه حكومة دمشق الجديدة، مما يعكس استمرار التحفظ، رغم الانفتاح الظاهري.
رابعًا: إسرائيل وموقفها من عودة العلاقات بين مصر وسوريا
تبني إسرائيل موقفها من عودة العلاقة بين مصر وسوريا على ركيزتين: الأولى ضمان عدم تهديد أمنها القومي. والثانية: مدى إفادتها من هذه العلاقة؛ أي أنها تتخذ نهجًا براغماتيًا في صياغة سياستها مع البلدين.
وبالعود إلى دراسة أميرة أورون، نجد أنها تؤكد هذا المعنى بقولها: قد تُساعد دراسة العلاقات بين مصر وسوريا إسرائيلَ في صياغة سياسة تجاه سوريا ومكانتها في النظام العربي والإقليمي. وتكتسب هذه الدراسة أهمية خاصَّة نظرًا لتأسيس النظام في دمشق وتولي الشرع زعامته، ومن بين الأمور الأخرى، كونه من صفوف داعش وأنصار الفكر السلفي، الذي يتناقض مع فكرة الدولة المدنية التي تُمثلها مصر. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تُسهم بداية العلاقة بين النظام الجديد في سوريا ومصر في استشراف المستقبل، وبالتالي في صياغة سياسة إسرائيلية دقيقة تجاه جارتها الشمالية، في سياق النظام العربي الأوسع.
رد الفعل العسكري الإسرائيلي:
توضح أميرة أورون أن التحول التاريخي الذي شهدته سوريا بسقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024م، قد استلزم صياغة سياسة إسرائيلية جديدة تجاه جارتها الشمالية. وكانت أولى خطوات إسرائيل، في الساعات الأولى التي أعقبت انهيار النظام، هي العمليات العسكرية الهجومية، التي تصاعدت حدتها تدريجيًّا لمنع وقوع القدرات العسكرية والبنية التحتية للجيش السوري المنهار في أيدي النظام الجديد. وفي الوقت نفسه، وسَّعت إسرائيل سيطرتها على الأراضي السورية خارج المنطقة العازلة وهضبة الجولان.
وأشارت أورون كذلك إلى رد الفعل الإقليمي؛ حيث أكدت على مراعاة الموقف المصري من أنشطة إسرائيل في سوريا. فمباشرةً بعد سقوط نظام الأسد، أدانت مصر سيطرة إسرائيل على المناطق العازلة واحتلالها للأراضي السورية في انتهاك لاتفاقية فصل القوات لعام 1974م. ووفقًا لبيان صادر عن وزارة الخارجية، فإن تحركات إسرائيل تنتهك القانون الدولي ووحدة الأراضي السورية وسيادتها. وقد أصدرت جامعة الدول العربية بيانًا يدين إسرائيل على غرار البيان الذي أصدرته مصر، داعيةً إلى انتقال سلمي نحو إقامة نظام سياسي جديد يلبي تطلعات الشعب السوري، من خلال انتخابات وتحت إشراف الأمم المتحدة.
علاوة على ذلك، عززت تحركات إسرائيل الفهم السائد في الخطاب المصري بأن القوى الإقليمية غير العربية المؤثرة – إيران وتركيا وإسرائيل – تستغل ضعف العالم العربي للقيام بتحركات عدوانية تهدف إلى تعزيز مصالحها. هذا الفهم جزء من خطاب فكري في مصر، من منظور تاريخي، حول الدول العربية، يستنكر وضعها في العقود الأخيرة. فسقوط سوريا، التي كانت عاصمتها عاصمة الدولة الأموية ومهد فكرة العروبة، في يد قوة إسلامية بمساعدة دولة غير عربية – تركيا – تمامًا كما كانت سوريا في عهد بشار تحت هيمنة إيران.
رد فعل النظام السوري الجديد:
كان رد الفعل السوري مفاجئًا؛ حيث تشير أورون إلى أن الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، اختار أن يتخذ خطوات دبلوماسية مؤثرة، شملت بيانات وتصريحات تصالحية تجاه إسرائيل أيضًا، سعيًا منه لكسب قبول المجتمع الدولي.
وفي تلك الأثناء، زار الشرع الرياض في 14 مايو/أيار 2025، والتقى، بوساطة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي أردوغان، بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كان في السعودية آنذاك. وأعلن الرئيس ترامب حينها رفع العقوبات المفروضة على نظام الأسد. وكانت الأهمية المحورية لهذه اللقاءات، حتى قبل زيارة الرئيس ترامب للخليج، تكمن في اعتراف الزعماء العرب، بمَن فيهم الملك عبد الله الثاني ملك الأردن، الذي استضافه في عمّان في فبراير/شباط 2025م، بالشرع كزعيم شرعي([30]).
يؤكد في هذا الصدد العقيد جاك نيريا، على أهمية تصريحات الشرع التي أعلن فيها أن حكومته “لن تسعى إلى الصراع، لا مع إسرائيل ولا مع أي طرف آخر، ولن تسمح باستخدام سوريا قاعدةً لمثل هذه الأعمال العدائية”. والتي أكَّد فيها كذلك: “لا نريد تهديد أمن إسرائيل أو أمن أي دولة أخرى”. ويضيف جاك نيريا أن الالتزام باتفاقية فصل القوات لعام 1974م يُعد موضوعًا متكررًا في تصريحاته؛ حيث أكَّد الشرع التزام سوريا بالاتفاقية، ودعا قوة مراقبة الأمم المتحدة لفض الاشتباك (UNDOF/ أندوف) إلى العودة إلى خط الفصل الأزرق. كما صرح الشرع مرارًا وتكرارًا بأنه بعد سقوط نظام الأسد، “لا يوجد أي مبرر لإسرائيل لقصف المنشآت السورية أو التوغل داخل سوريا. ليس لدى إسرائيل أي سبب لمواصلة إلحاق الضرر بسوريا؛ لأن نظامها يعارض إيران وحزب الله اللبناني”.
وفي معرض دعوته للحوار، حثَّ الشرع إسرائيل على وقف غاراتها الجوية المستمرة على الأراضي السورية، مصرحًا: “يجب أن ينتهي عهد القصف بالعين بالعين. لا تزدهر أي أمة عندما تمتلئ سماؤها بالخوف”. ويشير العقيد نيريا إلى أن هذه التصريحات، على أهميتها، قد أثارت دهشة الباحثين والسياسيين على حد سواء، بشأن علاقة النظام الجديد بإسرائيل. وقد قُوبلت تصريحاته التصالحية تجاه إسرائيل بالتشكيك والريبة حول نواياه الحقيقية. واستند موقف إسرائيل المتشكك والمتجاهل إلى قول النبي إرميا، الذي مفاده: “هَلْ يُغَيِّر النمرُ رُقَطَهُ؟”([31]).
كانت الحجة الأساسية، ولا تزال، أن الشرع جهادي، وكان سابقًا عضوًا في تنظيم داعش، وأحد مؤسسي جبهة النصرة (الفصيل المنشق عن داعش)، ومؤسس “هيئة تحرير الشام” التي سيطرت على جيب إدلب في شمال سوريا خلال السنوات الأخيرة، والتي نجحت في 8 ديسمبر/كانون الأول في الإطاحة بنظام عائلة الأسد وحزب البعث الذي دام خمسين عامًا.
الاهتمام الإسرائيلي بموقف مصر:
اعتمدت الحكومة الإسرائيلية في تقييمها لموقف عودة العلاقات بين مصر وسوريا على موقف مصر بصفة خاصَّة، وبقية الدول العربية بشكل عام من تطبيق الشريعة الإسلامية؛ حيث يكتسب موقف مصر أهمية خاصة لثلاثة أسباب:
- مكانة مصر الرفيعة ونفوذها على الساحة العربية والإقليمية.
- موقف المصري تجاه الشريعة الإسلامية والذي يعكس الخلاف القائم في العالم السني حول العلاقة بين الإسلام والدولة، أو الإسلام السياسي، كما يتجسد في الفكرة التي تُوَجِّه حركة الإخوان المسلمين، مقابل فكرة الدولة المدنية التي تروج لها مصر.
- في ضوء ماضي الشريعة الإسلامية، التي نشأت من منظمة غير حكومية ذات طابع جهادي أطاحت بالدولة السورية، تزداد حدة مسألة التزامها بفكرة الدولة العربية وتطبيقها، لا سيما فيما يتعلق بقدرة الدولة على السيطرة على القوة العسكرية وأراضيها.
أوجه الشبه والاختلاف بين الموقفين المصري والإسرائيلي:
تختتم أورون دراساتها عن عودة العلاقات المصرية مع سوريا الجديدة وانعكاسها على إسرائيل بالتأكيد على وجود نقاط تشابه واضحة بين البلدين، وإن كانت هناك فجوات كبيرة؛ حيث تشير إلى أن كلًّا من إسرائيل ومصر تنظران إلى الرئيس الشرع بعين الريبة لكونه “إرهابيًّا”، يتبنى فكر الجهاد المنتمي لتنظيم القاعدة.
ورغم امتناع النظام المصري عن توجيه انتقادات علنية للشرع نفسه، إلا أن هناك عزوفًا وتجاهلًا ملحوظين تجاهه، مفضلًا مخاطبته مباشرة للشعب السوري. مع ذلك، تبنت مصر نهجًا براغماتيًا في الحوار مع الرئيس وأعضاء نظامه؛ حيث تدرس أفعاله التي قد تشير إلى سياسته، بدلًا من تصريحاته.
ويبدو أن إسرائيل بدأت تتبنى نهجًا مماثلًا، وتجري حوارًا غير مباشر مع نظام الشرع بشأن الترتيبات الأمنية اللازمة على الحدود بين البلدين([32]).
ورغم الاتفاق في نظرة الريبة التي تشترك فيها مصر وإسرائيل إلى الرئيس أحمد الشرع؛ إلا أنه مع ذلك، تبرز فجوة كبيرة بين مصر وإسرائيل فيما يتعلق بوحدة سوريا وسيادتها، وضرورة الحفاظ على حكومة مركزية فيها.
تبنت إسرائيل سياسة حماية الطائفة الدرزية في سوريا، والتي قد تتوسع لتشمل حماية طوائف أخرى في سوريا تعاني من ضائقة أو خطر. إلا أن الخطاب الواسع النطاق في إسرائيل حول ضرورة التدخل لحماية الدروز قد يُنظَر إليه من قِبَل سوريا ودول عربية أخرى كوسيلة لتعزيز إسرائيل لأهدافها الأمنية والاستراتيجية داخل سوريا.
هذا التفكير السياسي، الذي يُمكن تسميته “دبلوماسية الأقليات”، يتعارض مع المبدأ الذي تدعو إليه مصر ودول عربية أخرى؛ لأنه قد يُسرِّع أو يُفاقم النزعات الانفصالية بين مختلف الأقليات في سوريا، وصولًا إلى انقسام الدولة وتفككها.
إن الخطوات التي اتخذتها إسرائيل حتى الآن تُعزز وجود مناطق أو جيوب ذات طابع طائفي وعرقي، على عكس تحركات النظام المركزي التي تهدف إلى توحيد سوريا. وكما أظهرت التجارب السابقة، فإن التشرذم وغياب أو ضعف حكومة مركزية يُشجعان على تدخل جهات أجنبية، حكومية وغير حكومية. وستكون سوريا المنقسمة أرضًا خصبة للنشاط الإرهابي أو التدخل الإيراني والتركي فيها، وهو ما يتعارض مع المصالح المصرية والإسرائيلية على حد سواء.
تتمثل المصلحة المشتركة لإسرائيل ومصر في أن تنأى سوريا الجديدة بنفسها عن جماعة الإخوان المسلمين. ويُفترض أنها لن تتجه نحو هذا المسار ما دام هناك بديلٌ يتمثل في تحالف دولي([33]).
خامسًا: أثر عودة العلاقات بين مصر وسوريا الجديدة في إسرائيل
تتعدد مظاهر الآثار المترتبة على عودة العلاقات بين مصر وسوريا في إسرائيل، فمنها ما يمثل المصالح المشتركة مع النظام المصري الذي يرفض الإسلام السياسي وبالتالي يضمن احتواء النظام السوري فيما يُعرَف بالتيار السني المعتدل المتوافق مع السياسة الإسرائيلية. ويتبعه بدوره تغيير في المواقف تجاه النظام السوري مما قد يمثل مصالح مشتركة كذلك مع النظام السوري الجديد خاصَّة وأن أمريكا تدعم الوصول لهذا الاتفاق، وذلك من خلال تأمين الحدود والتحكم فيها وضمان الحد من التدخل الإيراني وغيرها من التنسيقات الأمنية.
ولكن رغم ما يبدو من أن هذه المظاهر مكاسب لإسرائيل، إلا أنها لا تخلو أيضًا من مصادر للقلق والخطر على إسرائيل؛ لأنه من ناحيةٍ تؤدي إلى تعزيز المحور العربي وظهوره بشكل قوي، وهذا ما ترفضه الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية التي تسعى إلى تفكيك أي قوة تمثل خطرًا على أمنها القومي في المنطقة، خاصَّة إذا كانت على تماس مباشر معها، مثل مصر وسوريا. ومن ناحيةٍ أخرى تضر هذه العلاقة الساعية إلى وحدة الأراضي السورية واستقرارها بما تعتمد عليه السياسة الإسرائيلية فيما يُعرَف بـ “دبلوماسية الأقليات”، التي تهدف إلى تقسيم سوريا وإضعافها، وما حادثة التدخل الإسرائيلي العسكري في سوريا بعد سقوط بشار الأسد تحت ذريعة حماية الدروز ببعيد.
فيما يتعلق بكون عودة العلاقة بين مصر وسوريا قد تمثل مصدرًا خطيرًا للمخاوف والقلق فقد ظهرت أولى آثار ذلك في إسرائيل وسياساتها ومواقفها مما يحدث في سوريا فيما أقدم عليه الرئيس السوري، الذي يرسخ أقدامه في الحكم بتعزيز شبكة علاقاته الإقليمية وعلى رأسها مصر والدولية بزعامة أمريكا نفسها.
أما ما أقدم عليه الشرع ونجح فيه بالفعل، فقد أشار إلىه “إيتمار آيخنر” المحرر السياسي في موقع “واي نت” (Ynet)التابع لجريدة “يديعوت أحرونوت”([34])؛ حيث أكَّد أن تحرير الرئيس السوري أحمد الشرع مناطق شرق الفرات من مليشيات قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الانفصالية يعد “تطورًا سلبيًّا للغاية وحدثًا مقلقًا جدًا لإسرائيل”. وتوقعت الصحيفة أن ينعكس ذلك الانتصار على العلاقات بين دمشق وتل أبيب في إطار المساعي الأمريكية للتوصل إلى اتفاق بينهما.
خطر دولة الشرع على الحدود الإسرائيلية:
حذرت ساريت زهافي، مؤسسة ورئيسة مركز “ألما”، وهو مركز بحثي أمني يُعنى بتحديات أمن إسرائيل على الجبهة الشمالية، من أن الشرع يبني دولة قوية على حدود إسرائيل”. وقالت: “كنت من بين الذين أرادوا رؤية واقع مختلف، لكن للأسف السنة الأخيرة قدمت لنا ما يكفي من الأدلة على العكس”. ولفتت إلى أن ما أسمتها “شبكة المدارس التابعة لهيئة تحرير الشام، ضاعفت عددها في أنحاء سوريا خلال عام واحد فقط.. وتابعت: “في هذه المدارس يُدرَّس الطلاب أيديولوجية القاعدة. الجيل القادم في سوريا لن يكون كما قلنا سابقًا، مجتمعًا علمانيًّا، بل سيكون مجتمعًا دينيًَا”. وتوقعت زهافي أنه “في غضون عشر سنوات ستصبح المشكلة أكبر بكثير”.
وفي سياق متصل، ذكرت أنه “في الذكرى الأولى لإسقاط بشار الأسد (8 ديسمبر/ كانون الأول 2025م)، ظهرت رسائل داعمة لحماس، وشهدنا عروضًا عسكرية تحمل شعارات تصوِّر إسرائيل كعدو، بينما يتحدثون في الوقت نفسه عن رغبة في اتفاق مع إسرائيل”. وأردفت: “الأخطر من ذلك، كانت هناك هتافات (خيبر خيبر يا يهود) من قبل عسكريّين ومدنيّين”. وزعمت أن “هذا الأمر حدث كذلك بعد سيطرة الجيش على الأحياء الكردية في حلب”. واستطردت: “هذه الهتافات أصبحت أمرًا شائعًا، وهي شعارات معادية للسامية، وليست مَدًّا ليد السلام”.
في حديث زهافي عن تأثيرات الاتفاق بين النظام السوري و”قسد” على إسرائيل، قالت: “هذا يضعنا في موقع أقل قوة؛ لأن الأفضل هو توقيع اتفاق مع طرف ضعيف في بداية طريقه ويحتاج إلينا أكثر مما نحتاج إليه. ما يحدث مع قسد يعزز موقف الشرع بشكل كبير. وعن سؤال ما إذا كان على إسرائيل مساعدة قسد؟ أجابت زهافي: “لقد فات الأوان”.
الحرص على العلاقة مع الولايات المتحدة:
فيما يخص العلاقة مع الولايات المتحدة، قالت ذكرت ساريت زهافي أن “هناك اتفاقًا رعاه الأمريكيون، ولذلك المفتاح بأيديهم”. وقالت: “نحن لسنا لاعبًا رئيسًا في هذا الملعب، وليس من المؤكد أننا بحاجة الآن إلى إفساد علاقاتنا مع الأمريكيّين. ما يجب علينا فعله هو العمل دبلوماسيًّا معهم وشرح ما يجرى هنا”.
في هذا السياق، ذكرت الصحف الإسرائيلية أن وزير الخارجية جدعون ساعر الذي سبق أن دعا المجتمع الدولي لحماية الأقلية الكردية في سوريا ووصفها بأنها مصدر استقرار، قد أدان “هجمات نظام أحمد الشرع على قسد”. وقال: “هجمات قوات النظام السوري على الأقلية الكردية في مدينة حلب خطيرة جدًا. المجتمع الدولي، والغربي خصوصًا، مدين باحترام تجاه قسد الذين حاربوا داعش بشجاعة ونجاح”. وأضاف: “القمع المنهجي والقاتل للأقليات في سوريا يتناقض مع وعود (سوريا الجديدة). الصمت الدولي سيؤدي إلى تصعيد العنف من قبل النظام السوري”. كما هاجم وزير الشتات عميحاي شيكلي نظام أحمد الشرع بشدة بسبب معاملته للأكراد، وعرض تسجيلات تظهر اعتداءات من قبل عناصر النظام على نساء كرديات. على حد زعمه. وكتب: “إنهم يتخفون باسم الله، لكن سلوكهم أسوأ من سلوك الحيوانات البرية. عصابة من مغتصبين وقاتلين يقودها المغتصب والقاتل الرئيس أحمد الشرع، وتدعمه مجموعاته في قطر وتركيا، ويسمح بها بشكل مخجل عدد قليل من الحمقى المتعاونين في الغرب”.
أهمية قضية “قسد” لإسرائيل:
ترى صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، بدورها، أن التطورات في قضية “قسد” تضع إسرائيل أمام تحدٍّ كبير، وهو: كيف تحمي تل أبيب الأقلية الدرزية الانفصالية التي تحالفت معها. وأوضحت أن إسرائيل تعد نفسها ملتزمة بحماية الفئات الدرزية الانفصالية في سوريا. مضيفة: “في الماضي، كان هناك من داخل إسرائيل من دافعوا عن حماية “قسد”، لكن يبدو الآن أنهم فقدوا مصداقيتهم تمامًا”. وتابعت: “تصر تل أبيب على ضمان مرور آمن إلى منطقة محافظة السويداء، لكنّ هناك شكًا كبيرًا في موافقة السوريين على ذلك؛ لأن المنطقة تبعد نحو 100 كيلومتر عن الحدود مع إسرائيل”. في الوقت ذاته، تعتقد الصحيفة أنه “سيكون من الصعب على إسرائيل تبرير الانسحاب من النقاط التسع في سوريا التي تشكل حاجزا لمنع أي غزو بري”.
حول الحل الأنسب للخروج من هذه المعضلة، قالت: “الكرة الآن في ملعب الأمريكيين، ويجب على واشنطن استدعاء أحمد الشرع والتوضيح أنها لن تتسامح مع سلوكه”. ويُذكَر أن الشيخ حكمت الهجري، أحد زعماء الدروز في سوريا، كان قد صرَّح في مقابلة مع صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن إسرائيل “أنقذت أبناء طائفته من مجزرة”. وأبرزت الصحيفة “تطورًا سلبيًا آخر يتمثل في تعاظم النفوذ التركي في سوريا”، وقالت: “إسرائيل تريد إبعاد تركيا وأكدت مرارًا أنها لن تقبل بوجود عسكري تركي دائم هناك”. واستدركت: “لكن الآن، مع استسلام قسد، يبدو أن المنتصر الأكبر هم الأتراك”، وهو ما يعني أن “إسرائيل مطالبة بالتكيف مع الواقع الجديد في سوريا”. وفق رأيها.
مستقبل سوريا الجديدة:
في تعليقه على التطورات التي تحدث في سوريا، قال البروفيسور إيال زيسر، الخبير في الشؤون السورية: “الهجوم الذي شنَّه أحمد الشرع على “قسد: تمَّ بلا شك بدعم تركي وبضوء أخضر من واشنطن التي قدمت حتى الآن رعاية وحماية للأقلية الكردية التي ساعدت القوات الأمريكية في هزيمة تنظيم الدولة في العقد الماضي”. مضيفًا: “المعركة ما زالت في بدايتها، ولم تصل بعد إلى مناطق معيشة “قسد” التي سيدافعون عنها بلا شك بقوة أكبر”. وأضاف البروفيسور زيسر: أحمد الشرع يخطو خطوة إضافية لترسيخ حكمه في الدولة السورية التي يسعى لتحويلها إلى دولة إسلامية خالية من الأقليات مثل العلويين أو الدروز، الذين يعدُّهم، كما قسد، كفارًا”، على حد قوله. واختتم قائلًا: “المستقبل فقط سوف يُحدِّد ما إذا كانت ستكون سوريا دولة إسلامية على نمط السعودية أو الإمارات، أو ربما مثل تركيا التي تحمي الشرع، أو حتى دولة شبيهة بالخلافة التي أنشأتها داعش والتي حاربها الغرب في العقد الماضي”.
ترجيح كفة التنسيق بين إسرائيل وسوريا:
رغم المخاطر والمخاوف التي تتحسَّب لها إسرائيل، فإن الظروف المحيطة والضمانة الأمريكية للأمن القومي الإسرائيلي من خلال احتواء النظام السوري الجديد، تدفع إلى ترجيح كفة استغلال إسرائيل لهذه الظروف بالتنسيق مع سوريا الجديدة. ويشير جاك نيريا إلى أهم العوامل المحددة لهذا التوجه الإسرائيلي؛ حيث يقول: لقد أحسنت الولايات المتحدة صنعًا عندما قررت رفع جميع العقوبات المفروضة على نظام الأسد، في حين وقَّعت الإمارات عقدًا بمئات الملايين من الدولارات لإعادة تأهيل ميناء طرطوس. وفي هذه الأيام، أعلنت الولايات المتحدة أنها لن تعارض بعد الآن دمج 3500 جهادي في صفوف الجيش السوري الذي يسعى لإعادة التأهيل، وقررت سحب قواتها من حقول النفط “كونوكو” لتمكين سوريا من استعادة السيطرة على مواردها الطبيعية وتوليد دخل لخزائنها الخاوية.
كما ترسم تصرفات أحمد الشرع وتصريحاته منذ 8 ديسمبر/كانون الأول 2024م صورة لقيادة سورية تسعى إلى استقرار حدودها واستكشاف علاقات جديدة ومختلفة مع إسرائيل. وتشير هذه التصريحات، إلى جانب مبادرات ملموسة كإعادة أرشيف إيلي كوهين، كما ذكرنا من قبل، إلى تحول استراتيجي نحو خفض التصعيد وإمكانية الانخراط في المستقبل، بعيدًا عن عقود من العداء الصريح.
ومن المحددات كذلك التي أكَّد عيها نيريا، ما يتعلق بالواقع الجيوسياسي الراهن الذي خلق تقاربًا نادرًا في المصالح بين إسرائيل وسوريا. فإسرائيل مهتمة بمنع تدفق الجهاديّين نحو مرتفعات الجولان، وهو وضع من شأنه أن يُعيد كارثة 7 أكتوبر على هذه الجبهة، ولذا فهي بحاجة إلى تعاون من جانب النظام السوري الجديد. من جهةٍ أخرى، يدرك الشرع جيدًا علاقة إسرائيل بجزء من الطائفة الدرزية، وكذلك علاقاتها مع الأكراد، وما تنطوي عليه هذه العلاقة من إمكانية لزعزعة استقرار النظام في سوريا.
وفي ضوء كل هذه الجوانب، وبالنظر إلى السياسة الأمريكية التي تسعى إلى تدمير المحور الإيراني عبر خلق بديل إقليمي بقيادة إسرائيل، فمن المناسب أن يحاول صناع القرار والسياسيون في إسرائيل نسيان ما قيل عن النبي إرميا وإعطاء فرصة لشيءٍ آخر (كما قال مناحيم بيجن).
يتفق هذا التوجه مع ما ذكره ليزر بيرمان (في تايمز أوف إسرائيل) من أن إسرائيل أبدت رغبتها في الحفاظ على “علاقات طبيعية” مع النظام السوري الجديد، ولكن من خلال مُحدِّد مهم، صرَّح به رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي أوضح قائلًا: “إذا سمح هذا النظام لإيران بإعادة ترسيخ وجودها في سوريا، أو نقل أسلحة إيرانية أو أي سلاح آخر إلى حزب الله اللبناني، أو هاجمنا، فسوف نرد بقوة ونُلِحق بهم خسائر فادحة”.
خاتمة
لقد اتضح من هذه الدراسة أن الموقف الإسرائيلي من عودة العلاقات المصرية مع النظام السوري الجديد قد مرَّ بعدة مراحل تقييمية للطرفين في ظِل علاقة قائمة بالفعل، رغم تجاذباتها، مع الطرف الأول والفاعل الرئيس في المنطقة وهو النظام المصري، وعلاقة محتملة مع الطرف الثاني المتمثل في النظام السوري الجديد. وكلاهما؛ أي مصر وسوريا، تعي إسرائيل تمامًا أنهما يمثلان محورًا سياسيًّا مهمًا في المنطقة، وأن كلًّا منهما يمثل عمقًا للأمن القومي للآخر، ويعدان الركيزة الأساسية للأمة العربية بشكل عام. وفي خلفية هذه المراحل تأتي مواقف الدول الإقليمية من عودة هذه العلاقة، خاصة تلك التي تصفها إسرائيل بالدول المعتدلة، وعلى رأسها دولة الإمارات ثم قطر والسعودية على الصعيد العربي، وتركيا على الصعيد الإسلامي، ويراقب الجميعَ ويرعى هذه التحركات النظام العالمي المتمثل في أمريكا وحلفائها الأوربيّين.
تمثلت أهم مراحل تقييم إسرائيل لعودة العلاقات بين مصر وسوريا الجديدة في ثلاثة خطوات رئيسة، بدأت الخطوة الأولى بتحذير القوى الإقليمية والعالمية بخطورة النظام السوري الذي يأتي من خلفية إرهابية، بالتعبير الإسرائيلي، بل وتُذكِّر إسرائيلُ، في هذا الصدد، العالمَ بأن أمريكا قد خصصت 10 مليون دولار للقبض على أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني). أما الخطوة الثانية فكانت تمضي بالتوازي مع هذه التحذيرات من خلال عقد لقاءات سرية بين المسؤولين الإسرائيليين أو ممثلين إقليميين عنهم مع قادة النظام السوري الجديد مثل العميد أحمد الدالاتي. وفيما يتعلق بالخطوة الثالثة فهي قبول إسرائيل بالأمر الواقع والتفكير في إمكانية التعامل مع النظام السوري الجديد، كما سنوضح لاحقًا.
انعكست هذه العلاقات الجديدة بين سوريا وكل هذه الدول، وخاصَّة مصر، على تقييم إسرائيل للوضع بما يحقق أمنها القومي ويحافظ على علاقاتها مع هذه الدول؛ وذلك من خلال تعزيز المصالح بينها ومحاولة تقليل أوجه الضرر المتمثلة في ضعف سياستها الداعمة للأقليات أو ما يُعرَف بدبلوماسية الأقليات التي تعتمد عليها إسرائيل في تفتيت أي قوى تهدد أمنها القومي، وهو ما انعكس على موقفها من اتفاقية الدروز مع أحمد الشرع، كما سَبَّب تحريره لمناطق شرق الفرات من مليشيات “قسد” الانفصالية قلقًا شديدًا لإسرائيل؛ مما أدى إلى وصف هذا الموقف بأنه خذلان لسياسة إسرائيل تجاه الدروز تحديدًا في سوريا من قبل مراكز الأبحاث الإسرائيلية.
لقد دفع تقييم إسرائيل للنظام السوري الجديد، في ظِل أوجه الشبه بينها وبين النظام المصري في موقفهما من تيار الإسلام السياسي، وإقدام مصر على استئناف العلاقات التاريخية مع النظام السوري الجديد، دفع رئيس الورزار بنيامين نتنياهو إلى إلاعلان عن إمكانية التعاون مع النظام السوري الجديد وفقًا لمحددات مهمة على رأسها عدم تدخل إيران في الشأن السوري وعدم إمدادها لحزب الله اللبناني وغيره من قوى المقاومة (القوى الإرهابية وفقًا للتعبير الإسرائيلي) بالسلاح؛ حرصًا على عدم تهديد أمن إسرائيل القومي.
اتضح من تحليل الدراسات المتنوعة للمراكز والمعاهد الإسرائيلية مدى حرصها على توفير المعلومات الدقيقة للنظام الحاكم، والمُدَّعَمَة بالآراء والتحليلات العلمية المعبرة عن الأوضاع الراهنة الواقعية سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا. وبالتالي تتخذ القيادة السياسية القرارات المناسبة للتعامل مع الأطراف جميعها، الحليف منها والعدو، وفقًا لمحددات رئيسة في ظل مبدأ عام يمنع المساس بالأمن القومي الإسرائيلي.
ختامًا يوصي البحث بأمور ثلاثة:
- الأول: حث الباحثين على مزيد من الاهتمام بما يصدر عن المراكز والمعاهد الإسرائيلية في مختلف المجالات؛ لأهمية هذه الدراسات في قراءة المشهد الإسرائيلي جيدًا، بعيدًا عن التخمينات والنتائج المسبقة، ومن مصادره دون اللجوء إلى الاعتماد الزائد على البدائل الوسيطة.
- الثاني: الإفادة من مناهج هذه المراكز والمعاهد وأدواتها في تعزيز مراكز البحث العربية وتنميتها بما يوفر لأنطمة الحكم العربية، فضلًا عن أجهزتها السياسية والأمنية والاستخباراتية، الآراء العلمية الدقيقة المبينة على التحليلات الواعية بالأوضاع الراهنة والمستشرفة في ضوء ذلك للتوقعات المستقبلية، لكل ما يخص الشأن العربي إقليميًّا وعالميًّا بشكل عام، وما يتعلق بالشأن الإسرائيلي على وجه الخصوص.
- الأمر الثالث والأخير: تركيز المراكز البحثية العربية على إبراز أهمية الشراكات العربية وتعزيزها، رغم العوائق الداخلية والخارجية، على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية، وذلك من خلال الدراسات العلمية الدقيقة في ضوء تجارب الاتحادات الدولية المختلفة ودورها في تنمية شعوب هذه الدول المتحدة، وفي ضوء توضيح إمكانيات الدول العربية وتكاملها، خاصَّة مع وجود مقومات مشتركة فعلية كاللغة والتاريخ والجغرافيا، وغيرها من عناصر القوة التي تضمن للجميع الحماية والوقاية ضد أي تهديد للأمن القومي العربي.
([1]) حسن محمد محيي الدين السعدي، دراسة مرجعية للعلاقات المصرية السورية في الألف الثاني قبل الميلاد، حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية، الرسالة 181، الحولية 22، مجلس النشر العلمي، جامعة الكويت، 2001- 2002م، ص13.
([2]) محمد سعد أطلس، مصر والشام في الغابر والحاضر، القاهرة، الناشر مؤسسة هنداوي، 2020م، ص9.
([3]) تقع نقادة في محافظة قنا بالصعيد. وبدأت هذه المنطقة نشاطها الحضاري بطابع محلي خاص بها خلال عهد يسمى اصطلاحًا باسم عهد نقادة الأول، ثم اشتركت بهذا النشاط المحلي في نشاط حضاري آخر واسع.
([4]) حسن محمد محيي الدين السعدي، مرجع سابق، ص17.
([5]) محمد سعد أطلس، مرجع سابق، ص10-11. وانظر أيضًا: موقع المعرفة، مقال العلاقات السورية المصرية، على الرابط الآتي: https://www.marefa.org/
([6]) إبراهيم محمد محمد إبراهيم، مقدمات الوحدة المصرية السورية (1943- 1958م)، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م، ص152. وانظر أيضًا: موقع المعرفة، مرجع سابق.
([7]) الدراسة منشورة على موقع معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، وأعدَّتها أميرة أورون، وتحمل عنوان (יחסה של מצרים לסוריה “החדשה”/ موقف مصر من سوريا “الجديدة”)، العدد 2025م، يوليو ٢٠٢٥م، على الرابط الآتي: https://www.inss.org.il/he/publication/egypt-syria/
([9]) صالح جعيول جويعد السراي، محمد رحيم جبر، العلاقات المصرية – السورية من القطيعة الى المصالحة – 1989م، مجلة الدراسات المستدامة، السنة الثانية، المجلد الثاني، العدد الرابع، سنة 1441هـ/2020م، ص21.
([11]) لواء محمد قشقوش، (في ذكرى الوحدة المصرية- السورية) المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية،على الرابط الآتي: https://ecss.com.eg/32912/
([12]) السفير محمد حجازي، (العلاقات المصرية السورية 2026: “بين عواطف التاريخ وثوابت الدولة”)، جريدة المصري اليوم، 19 ديسمبر 2025م، على الرابط الآتي: https://www.almasryalyoum.com/news/details/4154995
([13]) ب. تشيرنيتسكي، (המשטר המצרי מקדם קשר עם הממשל הסורי החדש, עקב חששו מפני הפיכה דומה במצרים/ تعزيز النظام المصري للتواصل مع الحكومة السورية الجديدة، عقب خشيته من حدوث انقلاب مماثل في مصر)، على موقع معهد أبحاث إعلام الشرق الأوسط، على الرابط الآتي: https://www.memri.org.il/cgi-webaxy/item?6331
([14]) جريدة الشرق الأوسط، (مصر وسوريا.. العلاقات “تتجاوز” المخاوف إلى تعاون أكبر)، 5 مارس 2025م، على الرابط الآتي: https://aawsat.com/
([16]) السفير محمد حجازي: مصدر سابق.
([17]) أميرة أورون: مصدر سابق.
([19]) السفير محمد حجازي، مصدر سابق.
([20]) جريدة الشرق الأوسط، مصدر سابق.
([21]) ب. تشيرنيتسكي، مصدر سابق.
([22]) السفير محمد حجازي، مصدر سابق.
([23]) ب. تشيرنيتسكي، مصدر سابق.
([24]) مركز المسار للدراسات الإنسانية، (موقف النظام المصري من النظام السوري الجديد؛ سياقات العلاقة ومستجدات التفاعل)، 24 يوليو 2025م، على الرابط الآتي: https://almasarstudies.com/egypt-syria-al-sharaa/
([25]) ليزر بيرمان، موقع تايمز أوف إسرائيل، على الرابط الآتي: https://www.zman.co.il/551852/popup/
([27]) جاك نيريا، (האם ישראל יכולה לסמוך על המנהיג החדש של סוריה?/ هل يمكن لإسرائيل أن تثق بالزعيم السوري الجديد؟)، على موقع مركز أورشليم للشؤون الخارجية والأمنية، على الرابط الآتي: https://he.jcfa.org/can-israel-trust-syrias-new-leader/
([28]) السفير محمد حجازي، مصدر سابق.
([29]) موقع المسار للدراسات الإنسانية، مصدر سابق.
([30]) أميرة أورون، مصدر سابق.
([31]) ورد هذا الجزء من الفقرة في سفر إرميا (13: 23)، ونص الفقرة كاملًا على النحو الآتي: “”هَلْ يُغَيِّرُ الْكُوشِيُّ جِلْدَهُ أَوِ النَّمِرُ رُقَطَهُ؟ فَأَنْتُمْ أَيْضًا تَقْدِرُونَ أَنْ تَصْنَعُوا خَيْرًا أَيُّهَا الْمُتَعَلِّمُونَ الشَّرَّ”.
([32]) أميرة أورون، مصدر سابق.
([34]) إيتمار آيخنر، (ניצחון לטורקיה וארדואן, הפקרת הדרוזים: כך תשפיע כניעת הכורדים על ישראל/ انتصار لتركيا وأردوغان، والدروز: هكذا سيؤثر استسلام الأكراد على إسرائيل)، 19 يناير 2026م، على الرابط الآتي: https://www.ynet.co.il/news/article/rkn11wcjhbx




