ترجماتغير مصنف

تشاتام هاوس: ستظل السياسة الخارجية المصرية شحيحة جدًا ومتأخرة جدًا في عام 2026م

في التاسع عشر من ديسمبر، نشر معهد “تشاتام هاوس” أو المعهد الملكي للشؤون الدولية – وهو مركز أبحاث بريطاني مستقل مقره لندن ويركز على السياسات الدولية، حيث تأسس المعهد عام 1920م في لندن ويقدم أبحاثًا وتحليلاتٍ حول القضايا العالمية لمتخذي القرار – نشر تقريرًا بعنوان: “ستظل السياسة الخارجية المصرية شحيحة جدًا ومتأخرة جدًا في عام 2026م”.

أعد هذا التقرير الذي نشره “تشاتام هاوس” الباحث “أحمد أبو دوح”، وهو زميل مشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد تشاتام هاوس. وهو متخصص في الشؤون الخارجية والأمن والجغرافيا السياسية؛ ويركز في تقاريره على تنامي النفوذ الصيني في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والجغرافيا السياسية في الخليج، والتنافس الأمريكي الصيني وتداعياته على مستوى العالم.

يقول التقرير إن القاهرة والدوحة وأنقرة كانوا هم الوسطاء الرئيسيين الثلاثة الذين عملوا مع الولايات المتحدة لتأمين وقف إطلاق النار بين “إسرائيل” وحركة المقاومة الإسلامية حماس في غزة. وأنه في هذا الإطار، برز الدور الذي لعبته مصر حيث أصبح لا غنى عنه لإنجاح ما عُرف بـ “خطة ترامب للسلام في غزة”.

والأهم من ذلك، أنه على عكس خطة ترامب السابقة “للسيطرة”، فإن خطة السلام تلك لا تتضمن النص على تهجير الفلسطينيين من غزة بشكل صريح، وهو الأمر الذي كانت القاهرة تعارضه باستمرار.

ويخلص التقرير إلى أنه على الرغم من ذلك، فمن المرجح، بشكل كبير، أن تستمر السياسة الخارجية المصرية في الافتقار إلى التخطيط الاستراتيجي طويل الأجل والموارد اللازمة لتشكيل الجغرافيا السياسية الإقليمية في عام 2026م. وأنه حتى عند محاولة التعبير عن الاستياء أو القيام بلعب أدوار الوساطة، ستظل جهود القاهرة هادئة ومحافِظة ومصمَّمة بشكل خاص لتجنب استعداء أي طرف”.

وفيما يلي يقدم منتدى الدراسات المستقبلية ترجمة كاملة للتقرير الذي نشره المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس) لـ “أحمد أبو دوح”، الباحث في المعهد، المتخصص في الشؤون الخارجية والأمن والجغرافيا السياسية، وذلك على النحو التالي:

ستظل السياسة الخارجية المصرية شحيحة جدًا ومتأخرة جدًا في عام 2026م

في ظل التهديدات الأمنية على حدودها، من المرجح أن تستجيب مصر لتفضيلات ترامب بشأن غزة مع القيام في نفس الوقت بتعميق علاقاتها مع دولة قطر والجمهورية التركية والتركيز على العمل على إنعاش اقتصادها المتعثر.

وخلال العامين الماضيين، اضطلعت مصر بدور (إقليمي) فاعل على عدة جبهات. فقد قامت بدور الوساطة في محادثات بشأن غزة والبرنامج النووي الإيراني، وعملت على خفض التصعيد العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان. كما دعمت القوات المسلحة السودانية في مواجهة ميليشيا الدعم السريع في الحرب السودانية.

يمكن النظر إلى هذا النشاط الجديد، ولو ظاهريًّا، على أنه محاولة من القاهرة لاستعادة مكانتها وتعزيز دورها كعامل استقرار إقليمي. لكن حرب غزة وما تلاها من اضطرابات إقليمية أدت في واقع الأمر إلى ترسيخ نظام إقليمي تم فيه تهميش مصر إلى حد ما، في حين تُولي واشنطن الأولوية لعلاقاتها مع إسرائيل ودول الخليج العربي.

ويعكس هذا جزئيًّا نهج “رد الفعل” المتحفظ الذي تتبناه مصر في سياستها الخارجية، فضلًا عن القيود الاقتصادية التي تكبِّلها وتجعلها تعتمد على الاستثمار الأجنبي.

هل عادت مصر من جديد إلى سابق عهدها؟

لطالما ركزت السياسة الخارجية المصرية بشق الأنفس على ثلاثة أهداف رئيسية، وهي: مواجهة التهديدات القريبة من حدودها والعمل على صدها ، والحفاظ على بقاء النظام الحاكم قائمًا، والعمل على إنعاش اقتصادها المتعثر. ومن أجل تحقيق هذه الأهداف، فقد اتخذت مصر في عام 2025م عدة إجراءات.

حيث تقاربت الحكومة في مصر مع دولة قطر والجمهورية التركية، وهما دولتان كانت تربطها بهما علاقات متوترة تاريخيًّا، فضلًا عن المملكة العربية السعودية.

ويعكس هذا جزئيًا توافق المصالح الإقليمية (لهذه الدول) في قطاع غزة والجمهورية السودانية. كما يتأثر هذا التوجه بعودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى منصبه من جديد، والذي يُنظر إليه على أنه يتمتع عمومًا بعلاقات وثيقة مع دول الخليج العربي.

وكانت القاهرة والدوحة وأنقرة هم الوسطاء الرئيسيين الثلاثة الذين عملوا مع الولايات المتحدة الأمريكية لتأمين وقف إطلاق النار بين “إسرائيل” وحركة حماس في قطاع غزة. وقد حرصت القاهرة على تبَوُّؤ موقع ولعب دور لا غنى عنه من أجل إنجاح خطة ترامب للسلام في غزة. والأهم من ذلك، أنه على عكس خطة ترامب السابقة “للسيطرة” على القطاع الفلسطيني، لا تتضمن خطة السلام اللاحقة طرد الفلسطينيين من غزة، وهو ما دأبت القاهرة على معارضته باستمرار.

وإلى جانب دور الوساطة، سعت مصر إلى أن تكون قوة تجميعية بمقدورها تنظيم الاجتماعات واللقاءات. فقد استضافت القمة العربية الطارئة التي عُقدت بشأن غزة في مارس 2025م و قمة شرم الشيخ للسلام في 13 أكتوبر 2025م والتي كانت بمثابة إعلان بنهاية الحرب القطاع الفلسطيني.

وفي السودان، تقف كل من مصر وتركيا والمملكة العربية السعودية مجددًا صفًا واحدًا، حيث تدعم الدول الثلاث القوات المسلحة السودانية للحيلولة دون إحكام ميليشيا الدعم السريع، المدعومة من دولة الإمارات العربية المتحدة، سيطرتها الكاملة على البلاد – مع ملاحظة أن الإمارات دائمًا ما تنفي دعمها لميليشيا الدعم السريع.

كما أن مصر والجمهورية التركية متحالفتان في الوقوف في وجه طموحات إثيوبيا للهيمنة في القرن الأفريقي من خلال دعمهما للصومال وإريتريا.

كما سعت الدولتان إلى الحفاظ على الاستقرار في منطقة شرق المتوسط. وكانت مصر وتركيا قد أجريتا أول مناورات بحرية مشتركة بينهما منذ 13 عامًا في شهر سبتمبر 2025م، مما يُعد بمثابة إشارة إلى تنامي الشراكة العسكرية بينهما.

تأمين الاستثمارات الأجنبية

إلا أن استراتيجية مصر الإقليمية تواجه العديد من التحديات، بعضها من صنع يدها. فهي مُكَبّلة باختلالات اقتصادية مستمرة نتيجة ما يُثقل كاهلها من ديون عامة غير مستدامة، وسوء إدارة اقتصادية، وبطء في وتيرة الإصلاحات الاقتصادية الداخلية، على الرغم من ظهور بوادر للتعافي.

وكان قيام مصر بتنويع علاقاتها الخارجية مدفوعًا جزئيًّا بالبحث عن مصادر جديدة للاستثمار الأجنبي. حيث  تضررت إيرادات مصر من قناة السويس – وهي مصدر رئيسي للعملة الأجنبية – بشدة جراء هجمات الحوثيين على السفن (خاصة تلك التابعة لدول متهَمة بدعم الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة) في البحر الأحمر، حيث انخفضت الإيرادات من أكثر من 10 مليارات دولار في عام 2023م إلى حوالي 4 مليارات دولار فقط في عام 2024م.

وتمكنت القاهرة من النجاح في استقطاب سلسلة من صفقات الاستثمار والتمويل، ما قد يعكس الاعتراف بدورها كوسيط (إقليمي):

ففي شهر فبراير 2024م، أعلنت مصر عن صفقة رأس الحكمة الاستثمارية مع دولة الإمارات العربية المتحدة بقيمة 35 مليار دولار. وفي شهر مارس 2024م، رفع صندوق النقد الدولي قيمة قرضه لمصر إلى 8 مليارات دولار.

وكنتيجة بارزة لعلاقاتها الوثيقة مع الدوحة، وقَّعت مصر مؤخرًا اتفاقية بقيمة تقارب 30 مليار دولار مع قطر لتطوير منطقة “علم الروم” على الساحل الشمالي، وذلك بعد اتفاقية لمتابعة حزمة استثمار قطري مباشر بقيمة تقارب 7.5 مليار دولار.

لكن على الرغم من الإرهاصات والمؤشرات المبكرة على التعافي الاقتصادي، لا تزال هناك تحديات هيكلية مستمرة. فقد أثَّر تدهور مستويات المعيشة في البلاد على الاستقرار الاجتماعي، وأدى إلى شبه اختفاء للطبقة الوسطى في مصر.

كما ساهم التوسع الاقتصادي للمؤسسة العسكرية، و مشاريع الزهو الباهظة التي تقوم بها الحكومة، وركود إصلاحات السوق، في هروب رؤوس الأموال من القطاع الخاص. وقد يُرسخ هذا النموذج الرأسمالي المُدار من الدولة في مصر، ويحول دون انفتاح الاقتصاد بشكل أكبر.

شحيحة جدًا، ومتأخرة جدًا

وإلى جانب القيود الاقتصادية المكبِّلة، تعاني السياسة الخارجية المصرية أيضًا من كونها مبنية على ردود الأفعال. وقد أدى ذلك إلى عقد تحالفات قصيرة الأمد والحصول على مكاسب مؤقتة فقط.

ويعود الموقف الإقليمي الحَذِر لمصر بشكل جزئي إلى طبيعة قيادتها الحالية التي تعمل على تجنب المخاطرة، حيث تتولى زمام السياسة الخارجية برُمَّتها. فمنذ وصول الجنرال السيسي إلى السلطة بشكل رسمي عام 2014م (على إثر انقلاب عسكري قاده على الحكومة المنتخبة منتصف عام 2013م)، تجنب السيسي وحاشيته إلى حد كبير المشاركة في التدخل أو المساهمة بجهود لخفض التصعيد في النزاعات الكبرى البعيدة عن حدود مصر. ويعكس هذا النهج سياسة السيسي الخارجية شبه الانعزالية والتي تركز على التركيز على الانكفاء على الذات أو الاهتمام بـ “مصر أولًا” (فيما يبدو استنساخًا لشعار “أمريكا أولًا”)، والمصممة خصيصًا لخدمة الأولويات الاقتصادية الداخلية.

وسعت القاهرة إلى تجنب استفزاز الولايات المتحدة، وكذلك المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، اللتين تقدمان دعمًا سياسيًّا وماليًّا هامًّا لمصر. وبذلك، تنازلت عن لعب دور أكثر فاعلية لصالح هذه القوى.

ويبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يفضل نظامًا إقليميًّا جديدًا يتمحور حول الخليج العربي و “إسرائيل”، في ظل تراجع الأهمية التي تمثلها مصر، كما يتضح من جولته رفيعة المستوى التي قام بها -إلى دول رئيسية- في الخليج العربي و زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اللاحقة إلى واشنطن.

ومن المرجَّح أن تستمر السياسة الخارجية لمصر في الافتقار إلى التخطيط الاستراتيجي طويل الأجل اللازم لتشكيل الجغرافيا السياسية الإقليمية بشكل كبير في عام 2026م.

قد يكون لنهج  “رد الفعل” الذي تتبناه مصر عواقب وخيمة

ففيما يخص (الحرب الأهلية) الدائرة في السودان، تقول تقارير عديدة إن مصر ترددت كثيرًا في دعم القوات المسلحة السودانية بمساعدات عسكرية كافية خلال المراحل الأولى من الحرب. ومنذ ذلك الحين، حققت ميليشيا الدعم السريع مكاسب كبيرة، بما في ذلك استعادة مدينة “الفاشر”، عاصمة ولاية شمال دارفور، مؤخرًا (والمجازر التي ارتكبتها هناك).

وبينما لوّحت مصر فيما بعد بإمكانية قيامها بالتدخل عسكريًّا إذا تم تجاوز “خطوطها الحمراء”، بما في ذلك محاولة إجراء أي تقسيم للسودان، إلا أن مثل هذا التدخل سيكون الآن أكثر تكلفة وخطورة بكثير مما كان يمكن أن يكون عليه لو تم في بداية الحرب.

وبالمثل، لم تتبلور الخطة المصرية العربية لإعادة إعمار قطاع غزة إلا كـ “رد فعل” على الخطط التي كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلنها “للسيطرة” على القطاع الفلسطيني. كما أن خطر تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة لا يزال قائمًا؛ فقد أعلنت مصر ودول عربية أخرى رفضها إعلان إسرائيل مؤخرًا بإعادة فتح معبر رفح الحدودي بين غزة ومصر في اتجاه واحد فقط.

وكذلك تبنّت مصر نهجًا متأخرًا وغير كافٍ فيما يخص النزاع حول سد النهضة الإثيوبي الكبير، إذ فشلت الحكومة المصرية في إجبار إثيوبيا على توقيع اتفاقية مُلزمة قانونيًّا بشأن تقاسم مياه النيل. وبذلك، فقدت مصر فعليًّا حق النقض غير الرسمي التاريخي الذي كانت تتمتع به على مشاريع النيل، مما أثار مخاوف كثيرة بشأن الأمن المائي.

العام المقبل

ومن المرجح أن تستخدم مصر في عام 2026م قناتها المفتوحة مع الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب كوسيط في محاولة لمواجهة أي محاولات متجددة لتهجير الفلسطينيين من غزة والدفع من أجل تنفيذ المرحلة الثانية الصعبة من وقف إطلاق النار في القطاع الفلسطيني.

وقد يشهد العام المقبل تعميق مصر للشراكة مع دولة قطر والجمهورية التركية والمملكة العربية السعودية، مما قد يُسهم في تشكيل جبهة توازن ناشئة في مواجهة الدور الإقليمي المتنامي لـ “إسرائيل”.

ومع ذلك، ستسعى القاهرة إلى الحفاظ على معاهدة السلام الموقَّعة مع إسرائيل كأولوية استراتيجية قصوى، ومن غير المرجح أن تتخذ أي إجراءات قد تُعرّض هذه المعاهدة للخطر.

أما بالنسبة للمسألة السودانية، فإذا بدا أن ميليشيا الدعم السريع قد تستولي على العاصمة الخرطوم أو الحدود مع مصر، فقد تتدخل القاهرة عسكريًّا لمنع ذلك.

وإلا، فمن المرجح أيضًا أن تسعى القاهرة إلى إبطاء تقدم ميليشيا الدعم السريع عبر التعاون مع تركيا والمملكة العربية السعودية لزيادة الدعم المقدَّم للقوات المسلحة السودانية وتعزيز موقفها في أي مفاوضات مستقبلية.

ولتحقيق هذه الغاية، قد تسعى القاهرة أيضًا إلى استغلال الاهتمام المتجدد لإدارة ترامب بالسودان وتصاعد التنافس بين السعودية ودولة الإمارات مؤخرًا.

وبشكل عام، فمن المرجح أن تستمر السياسة الخارجية المصرية في حالة الافتقار إلى التخطيط الاستراتيجي طويل الأجل والموارد اللازمة لتشكيل الجغرافيا السياسية الإقليمية بشكل كبير في عام 2026م.

وحتى عند التعبير من جانبها عن الاستياء أو لعب أدوار الوساطة، ستظل الجهود التي تقوم بها القاهرة هادئة ومحافظة ومصمَّمة خصيصًا لتجنب إقصاء أي طرف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى