غير مصنفمقالات

تفكيك النظام الدولي: من إرث يالطا إلى صعود نادي الأقوياء.. قراءة استشرافية في مآلات النظام العالمي، وتحولات القوة، ومستقبل الحوكمة الدولية

يدخل العالم في عام 2026م نفقًا تاريخيًا لم يشهده منذ مؤتمر “يالطا” عام 1945م، الذي عُقد في مدينة يالطا الواقعة على سواحل البحر الأسود، إبان الحقبة السوفيتية.

وبالنظر إلى الواقع العالمي، فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد اضطراب عابر في السياسة الخارجية الأمريكية أو صعودًا مؤقتًا لتيارات شعبوية، بل هو “زلزال بنيوي” يضرب أعمدة النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية.

إن التوصيف الأقرب لما يحدث الآن هو أننا أمام محاولة أمريكية علنية لتفكيك “الليبرالية الدولية” التي سادت ما بعد الحرب العالمية الثانية، والقائمة على المؤسسات والقواعد، واستبدالها بنظام “الواقعية الفجّة” القائم على القوة الصلبة، والمصالح القومية الضيقة، ومنطق الصفقات الثنائية.

وهنا لا بد من التأكيد أن ترامب ليس صانع هذا التحول، بل هو أكثر من عبّر عنه بصراحة سياسية، كاشفًا عن مسار كان يتشكّل تدريجيًا داخل بنية النظام الدولي ذاته.

أولًا: تآكل المؤسسات.. من القيادة إلى التقويض

منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة هي “المهندس” والمموّل والضامن للنظام الدولي المؤسسي عبر عقود. إلا أن التحول الذي تقوده إدارة البيت الأبيض في عهد الرئيس ترامب يمثّل ما يمكن تسميته انقلاب المهندس على بنائه.

فعندما ننظر إلى التحركات الأمريكية في الفترة الأخيرة، سنجد -على سبيل المثال- استهدافًا للمحكمة الجنائية الدولية، بما في ذلك فرض عقوبات على قضاتها، وتقزيم دور الأمم المتحدة، والانسحاب الممنهج من الاتفاقيات البيئية والتجارية. وكل ذلك لا يعبّر عن “عزلة” أمريكية كما يروّج البعض، بل يعبّر عن توجّه أمريكي واضح نحو “إعادة تعريف الهيمنة”.

وينطلق تفسير هذا التوجّه الأمريكي من أن واشنطن ترى أن “تعددية الأطراف” في النظام الدولي (Multilateralism) قد باتت قيدًا يكبّل حركتها ويمنح منافسيها، كالصين، ميزات مجانية. لذا فإن استراتيجية “الضرب بعرض الحائط” بالقانون الدولي ليست جهلًا به، بل فعل مقصود لإنزال العالم من “منصة القواعد” إلى “حلبة المصارعة”، حيث لا صوت يعلو فوق صوت القوة الاقتصادية والعسكرية.

إن إهانة المحكمة الدولية ومعاقبة قضاتها تمثّل رصاصة الرحمة على مفهوم “العدالة الدولية”، وتحويلها إلى أداة تُستخدم فقط ضد الضعفاء، بينما تُمنح القوى الكبرى حصانة مطلقة.

ثانيًا: مجلس السلام العالمي.. عودة إلى “كونسرت” القوى العظمى

تمثّل الدعوة إلى إنشاء “مجلس سلام عالمي”، في ظل العجز المتزايد للأمم المتحدة عن القيام بدور فعّال، عودة فعلية لمنطق القرن التاسع عشر؛ أي نظام “الكونسرت الأوروبي” الذي كان يدير العالم عبر اتفاقات بين القوى العظمى لتوزيع مناطق النفوذ. وقد ظهر هذا الكونسرت بعد هزيمة نابليون عام 1815م.

كانت الفكرة بسيطة لكنها خطِرة في الوقت نفسه؛ إذ ضمّت عددًا محدودًا من القوى الكبرى التي تتشاور فيما بينها، وتدير النظام الدولي، وتمنع الحروب الكبرى دون إشراك فعلي لبقية الدول.

كان هدف هذا الكونسرت هو “الاستقرار”، لكن الثمن كان تجاهل سيادة الدول الصغيرة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

وإذا نظرنا إلى “مجلس السلام العالمي”، الذي وقّع ترامب ميثاقه التأسيسي في منتدى دافوس، فإنه ليس إلا “نظامًا أمنيًّا” يهدف إلى تجميد الصراعات الكبرى التي تهدّد التجارة والمصالح المباشرة، مع تجاهل تام لقضايا سيادة الدول الصغرى أو حقوق الشعوب.

في الشرق الأوسط مثلًا، يُراد لهذا المجلس أن يشرعن واقعًا أمنيًا واقتصاديًا يضمن تدفّق الموارد وتأمين إسرائيل، بعيدًا عن قرارات مجلس الأمن أو مبادئ تقرير المصير.

هذا النموذج “الترانزاكشنال” (النفعي) يجعل من قضايا كبرى، مثل فنزويلا أو أوكرانيا، مجرد “أوراق مساومة” في صفقات أوسع تشمل التكنولوجيا والحدود والديون.

ثالثًا: الجغرافيا السياسية المتوحشة.. غرينلاند وفنزويلا نموذجًا

عندما ننظر إلى الطموح الأمريكي المعلن للسيطرة على موارد أو أراضٍ في دول أخرى، كما هو الحال في الطرح المتجدد بشأن غرينلاند، فإننا أمام ممارسات تعيد إلى الأذهان عصر “الاستعمار الجيوسياسي”، والتحول من “السيطرة عبر النفوذ” إلى “السيطرة عبر الاستحواذ”.

ففي عالم يعاني من ندرة الموارد واحتدام التنافس على القطب الشمالي، لا تجد الإدارة الأمريكية الحالية حرجًا في طرح شراء الأراضي أو ضمّها اقتصاديًا كحل استراتيجي.

أما في فنزويلا، فإن التحركات الأمريكية الأخيرة تعكس بوضوح “مبدأ مونرو” في نسخته الأكثر حدّة. هذا المبدأ الذي أُعلِن عام 1823م على لسان الرئيس الأمريكي جيمس مونرو، وخلاصته في جملة واحدة: “الأمريكيتان للأمريكيين لا للأوروبيين”. وقد تحوّل هذا المبدأ لاحقًا إلى تبرير للتدخل الأمريكي، مع إضافة روزفلت التي تنص على أن للولايات المتحدة حق التدخل بوصفها “شرطيًا” في أمريكا اللاتينية.

واليوم عاد هذا المبدأ بأشكال جديدة، عبر رفض النفوذ الصيني والروسي في أمريكا اللاتينية، والحساسية المفرطة تجاه كوبا وفنزويلا، وتصريحات أمريكية حتى قبل ترامب بأن نصف الكرة الغربي مجال نفوذ أمريكي.

إذ لم يعد الأمر يتعلق بدعاوى نشر الديمقراطية، بل بتأمين “المجال الحيوي” الأمريكي وتطهيره من أي أثر صيني أو روسي.

هذا الانتهاك الصارخ لسيادة الدول، تحت غطاء “الأمن القومي الأمريكي”، يشرعن لروسيا والصين القيام بخطوات مماثلة في محيطهما الجغرافي، ما يعني نهاية مفهوم “حرمة الحدود الدولية”.

رابعًا: تحولات القوى الكبرى.. الصمت الصيني والقلق الأوروبي

في مواجهة هذا “التنمّر الاستراتيجي” الأمريكي، نجد استجابات دولية متباينة على النحو التالي:

بالنسبة للدور الروسي، لا يمكن النظر إلى موسكو باعتبارها مجرد مستفيد من تراجع الهيمنة الأمريكية، بل فاعلًا نشطًا في تسريع تآكل القانون الدولي.

فمنذ ضمّ شبه جزيرة القرم عام 2014م، مرورًا بالحرب في أوكرانيا، وصولًا إلى التدخلات العسكرية في سوريا وإفريقيا، شاركت موسكو -وإن بدرجة أقل من واشنطن – في كسر أحد أهم أعمدة نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، والمتمثل في مبدأ حرمة الحدود وسيادة الدول.

لقد تعاملت موسكو، بوصفها قوة كبرى، مع القانون الدولي كأداة انتقائية تُستخدم حين تخدم مصالحها وتُهمل حين تعيق طموحاتها الجيوسياسية، وهو النهج ذاته الذي باتت واشنطن تمارسه اليوم، وإن باختلاف الخطاب والأدوات.

وبهذا المعنى، فإن تفكيك النظام الدولي لا يتم عبر الولايات المتحدة منفردة، بل عبر تفاعل بين قوى كبرى أعادت تطبيع خرق القواعد، وتحويل منطق القوة من استثناء إلى قاعدة حاكمة للعلاقات الدولية.

أما الصين، فتتبنّى مقاربة مختلفة تعتمد استراتيجية “الصبر الاستراتيجي”، إذ تدرك بكين أن تقويض أمريكا للنظام الدولي يمنحها فرصة لتقديم نفسها بوصفها “راشدًا دوليًّا” بديلًا.

والصين هنا لا تدافع عن القيم الليبرالية حبًا فيها، بل لأنها توفّر غطاءً لنموها الهادئ، كما أنها تملأ الفراغات التي تتركها واشنطن في إفريقيا وآسيا، وتبني “نظامًا موازيًا” عبر بريكس وطريق الحرير.

أما أوروبا، فتعيش عواصمها حالة يمكن تسميتها “اليُتم الاستراتيجي”، حيث انتهى عصر الاعتماد المطلق على المظلة الأمنية الأمريكية دون ثمن، وأصبحت اليوم أمام خيارين: إما التحول إلى “تابع مطيع” ضمن نظام الصفقات الأمريكي، أو المضي قدمًا في مشروع “السيادة الأوروبية” الذي يتطلب ميزانيات عسكرية ضخمة ووحدة سياسية تفتقر إليها القارة العجوز حاليًا.

وفيما يتعلق بالجنوب العالمي، فهناك تصور بأن تداعي النظام القديم يمثل فرصة للتخلص من الازدواجية الغربية، لكنه يُخشى في الوقت نفسه من “دهس” القوى العظمى لمصالح دول الجنوب في ظل غياب أي حماية قانونية دولية.

خامسًا: التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.. السلاح الجديد

لا يمكن تحليل المشهد الدولي دون الالتفات إلى أن الصراع في 2026م بات محكومًا بـ”السباق السيبراني”، حيث تندرج الرغبة الأمريكية في الاستيلاء على التكنولوجيا الصينية أو تقييدها ضمن إطار “الحرب الباردة الجديدة”.

في هذا النظام العالمي، لم تعد الحدود الجغرافية هي العائق الوحيد، بل أصبحت “السيادة الرقمية” جوهر الصراع، إذ إن من يمتلك خوارزميات الذكاء الاصطناعي وسلاسل توريد الرقائق هو من سيملي شروطه في “مجلس السلام” القادم.

سادسًا: مستقبل الدول العربية في عالم “المقايضة

بالنسبة للعالم العربي، فإن هذا النظام الجديد يمثل تحديًا وجوديًا. ففي ظل غياب الأمم المتحدة، ستجد الدول العربية نفسها مضطرة لإدارة أمنها عبر تحالفات ثنائية “مدفوعة الثمن”.

فالخليج العربي سينتقل من “التحالف التاريخي” إلى “الشراكة النفعية”، حيث بات الأمان غير مضمون بالاتفاقيات القديمة، بل بمدى توافق المصالح الاقتصادية اللحظية مع واشنطن، ما يدفع العواصم الخليجية إلى تسريع تنويع تحالفاتها مع الشرق (الصين) والغرب (أوروبا المستقلة).

ومع تهميش المحاكم الدولية وتقزيم الأمم المتحدة، ستعاني قضايا المنطقة من مزيد من التهميش، وعلى الأخص القضية الفلسطينية، التي ستواجه محاولات تصفية سياسية تحت شعار “السلام مقابل الازدهار”، حيث تُستبدل الحقوق بالصفقات المالية، وهو نهج يهدد استقرار دول الجوار تاريخيًا.

سابعًا: مآلات الانهيار.. هل نحن بصدد حرب كبرى؟

تكمن خطورة النهج الأمريكي القائم على “ضرب عرض الحائط بالقانون الدولي” في غياب “مكابح الفوضى وصمامات الأمان”.

فعندما تُحيَّد المحاكم الدولية، وتُهمَّش الأمم المتحدة، وتُصبح المعاهدات النووية مثل “نيو ستارت” – المعاهدة الموقعة بين الولايات المتحدة وروسيا للحد من عدد الرؤوس الحربية النووية الاستراتيجية – في ذمة التاريخ مع اقتراب أجلها عام 2026م، يصبح سوء التقدير الاستراتيجي كفيلًا بإشعال فتيل مواجهة كبرى.

إن النظام الدولي الحالي بات يشبه بناءً قديمًا تُزال أعمدته الأساسية قبل إقامة هيكل بديل، ما يعني أن العالم سيواجه مرحلة “الفراغ السيادي”، التي ستغري القوى الإقليمية بممارسة سياسات توسعية، وتجعل من “البلطجة السياسية” نهجًا مقبولًا لتحقيق المكاسب.

وتدور السيناريوهات المستقبلية المحتملة للنظام الدولي بين سيناريو متشائم، وآخر معتدل، وثالث متفائل.

وفقًا للسيناريو المتشائم، يستمر ضرب المؤسسات الدولية وانتشار النزاعات الإقليمية، وزيادة الصراعات حول الموارد والتكنولوجيا.

أما السيناريو المعتدل، فيتضمن تشكّل أقطاب متعددة عبر صفقات وتحالفات، يواكبها السعي إلى إنشاء مؤسسات دولية أكثر مرونة وتفاعلية.

وفي السيناريو المتفائل، قد تتم إعادة بناء مؤسسات دولية أكثر قدرة على التكيّف، مع تفعيل دور القانون الدولي والسيادة الرقمية بما يحد من الفوضى والتوسع الأحادي.

خاتمة: نحو عالم بلا بوصلة

إن سياسة الولايات المتحدة في عهد ترامب ليست مجرد “خروج عن النص”، بل كتابة لنص جديد كليًا، يقدّس “الأنانية القومية” ويرى في التعاون الدولي عبئًا ماليًا.

إن العالم اليوم يعيش مرحلة انتقال من عالم “تعددية الأطراف” (Multilateralism) إلى عالم “تعددية الأقطاب المتصارعة” (Multilateralism)، أي إدارة العالم عبر تكتلات صغيرة مغلقة بدل مؤسسات شاملة، حيث تُحكَم العلاقات بالصفقات اللحظية لا بالمبادئ المستدامة.

إن غياب الأمم المتحدة عن القيام بأي دور فعلي، ومعاقبة المؤسسات القضائية الدولية، يعني أننا دخلنا فعليًا عصر “ما بعد النظام الدولي”.

في هذا العصر، لن تكون الحماية مكفولة بالقانون، بل بقدرة كل دولة على التحول إلى رقم صعب في معادلة القوة الأمريكية أو الصينية. إنه عالم “السيولة الاستراتيجية” التي لا تحترم صغيرًا ولا ترحم ضعيفًا، وبوصلته الوحيدة هي “المصلحة” بمعناها الأكثر تجردًا وقسوة.

خلاصة التحليل

إن النظام الدولي الذي نعرفه يتفكك عمليًا، وما نعيشه اليوم هو مرحلة انتقال مؤلمة نحو نظام جديد ستكون ملامحه “إمبريالية تقنية” بامتياز، تُدار من قبل “نادي الأقوياء”، وسط تراجع تاريخي لمفاهيم العدالة والسيادة والقانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى