خبر وتعقيبغير مصنف

مأزق مصر بين السعودية والإمارات في صراعهما باليمن

الخبر:

عقب صدور بيان مصري رسمي في 30 ديسمبر 2025م تعليقًا على تطورات الأزمة السعودية–الإماراتية في اليمن، اتسمت صياغته بالتحفظ واعتماد مقاربة وسطية، من دون تأكيد صريح على وحدة الأراضي اليمنية، فُسِّر هذا التوجه باعتباره منسجمًا مع الموقف الإماراتي الداعم لإعادة تشكيل الوضع في جنوب اليمن عبر كيانات محلية موالية لها.

وفي 5 يناير 2026م، زار وزير الخارجية السعودي القاهرة للقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي. وقبيل الزيارة، أعلنت وزارة الخارجية المصرية، في بيان رسمي، متابعتها باهتمام بالغ التطورات الأخيرة على الساحة اليمنية، مؤكدة إجراء اتصالات مكثفة مع الأطراف المعنية بهدف خفض التصعيد.

كما أعرب البيان عن ثقة مصر في حرص كلٍّ من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة على التعامل بحكمة مع المستجدات، وعلى تغليب قيم التعاون والأخوة بين البلدين.

وبالنظر إلى توقيت زيارة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، رجّحت بعض المصادر الإعلامية أن تحمل الزيارة رسالة محددة من القيادة السعودية إلى الجانب المصري. وعقب اللقاء، أفادت رئاسة الجمهورية المصرية بأن المباحثات أكدت تطابق الموقفين المصري والسعودي بشأن ضرورة التوصل إلى حلول سلمية لأزمات المنطقة، بما يضمن وحدة الدول وسيادتها وسلامة أراضيها، ولا سيما في السودان واليمن والصومال وقطاع غزة.

التعقيب:

تشير قراءة سياق زيارة وزير الخارجية السعودي إلى القاهرة إلى أنها حملت، وفق تقديرات تحليلية، رسالة سياسية محددة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى السيسي، مفادها ضرورة توضيح الموقف المصري من التباين القائم بين الرياض وأبو ظبي بشأن مسار الأزمة اليمنية. وفي هذا الإطار، لوحظ محدودية التغطية الرسمية والإعلامية المصرية لخبر وصول الوزير السعودي، وهو ما فسَّره بعض المراقبين باعتباره دلالة على حساسية الزيارة.

وتذهب تحليلات إلى أن الجانب السعودي كان يسعى إلى موقف مصري أكثر وضوحًا إزاء مسألة وحدة اليمن، بما ينسجم مع الرؤية السعودية، في مقابل الطرح الإماراتي الداعم لإعادة تشكيل الوضع في جنوب اليمن عبر قوى محلية موالية للإمارات. غير أن البيان الصادر عن رئاسة الجمهورية المصرية عقب اللقاء ركّز على التأكيد المشترك على وحدة وسيادة عدة دول عربية، من بينها اليمن والسودان والصومال، دون تخصيص اليمن وحده، وهو ما فُسِّر على أنه محاولة للحفاظ على توازن دقيق في العلاقات مع الطرفين.

ويعكس بيان وزارة الخارجية المصرية، الصادر في 30 ديسمبر 2025م، ثم بيان الرئاسة في 5 يناير 2026م، بحسب محللين، حجم المأزق السياسي الذي يواجهه النظام المصري في ظل علاقاته المتشابكة مع كلٍّ من السعودية والإمارات، باعتبارهما حليفين رئيسيين يقدمان دعمًا سياسيًّا واقتصاديًّا للقاهرة، وما يترتب على ذلك من صعوبة الانحياز العلني إلى أحدهما على حساب الآخر.

وفي هذا السياق، رأى محللون أن زيارة وزير الخارجية السعودي لا يمكن التعامل معها بوصفها زيارة بروتوكولية اعتيادية، بل جاءت في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تتقاطع فيه الأزمة اليمنية مع تحولات أوسع في الإقليم. ويرى هؤلاء أن بعض السياسات الإقليمية، لا سيما تلك القائمة على دعم قوى مسلحة محلية وانفصالية، تسهم في تعقيد المشهد الأمني العربي، وتنعكس على استقرار المنطقة ككل.

ويربط محللون المأزق المصري أيضًا بطبيعة العلاقات الاقتصادية الوثيقة مع الإمارات، التي تمتلك استثمارات واسعة داخل مصر، ما يمنحها، وفق هذه الرؤية، أوراق تأثير غير مباشرة في مسارات صنع القرار. ويُشار في هذا الإطار إلى الدعم الذي قدمته أبو ظبي للنظام المصري منذ عام 2013م، وما نتج عنه من تشابك في المصالح السياسية والاقتصادية.

وتذهب تحليلات أكثر نقدية إلى أن انخراط مصر في محاور إقليمية معينة، أو التزامها بسياسات متحفظة تجاه بعض الأزمات، قد يَحدُّ من قدرتها على اتخاذ مواقف أكثر وضوحًا في ملفات تمسُّ الأمن القومي العربي، وفي مقدمتها اليمن والسودان والصومال. وترى هذه المقاربات أن المتغيرات الإقليمية تفرض على القاهرة إعادة تقييم أولوياتها الإستراتيجية بما يضمن الحفاظ على وحدة الدول العربية واستقرارها.

وفي هذا السياق، عبَّر عدد من السياسيين والمحللين عن مخاوف من أن تؤدي التطورات الجارية في اليمن والسودان وليبيا إلى تهديدات أوسع للأمن القومي العربي، ولا سيما ما يتعلق بأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. وأشاروا إلى أن هذه التهديدات لا تمس دولًا بعينها، بل تطال منظومة الأمن الإقليمي الممتدة من الخليج إلى القرن الإفريقي.

ويرى بعض المعلقين أن التحركات السعودية الأخيرة في اليمن عكست تحولًا في مقاربتها للملف، في حين بدت المواقف المصرية، وفق هذه القراءة، أكثر حذرًا أو تحفظًا. كما اعتبر آخرون أن التطورات المتسارعة أربكت صانع القرار المصري، ودفعته إلى تبني خطاب يدعو إلى التهدئة وضبط النفس، في وقت تتشكل فيه وقائع جديدة على الأرض في ملفات ذات صلة مباشرة بالأمن القومي المصري.

في المقابل، قدَّم محللون سعوديون قراءة مغايرة، معتبرين أن البيان المشترك الصادر في القاهرة بعد الزيارة يعكس تقاربًا مصريًّا–سعوديًّا في ملفات إقليمية رئيسة، لا سيما اليمن والسودان والصومال. وذهب بعضهم إلى توصيف هذا التقارب باعتباره مؤشرًا على إعادة تموضع سياسي لمصر باتجاه تعزيز ما يُسمى بـ”الارتكاز العربي”، في مواجهة مشاريع تفكيك الدولة الوطنية في الإقليم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى