ترجماتغير مصنف

فورين بوليسي: لا تزال جماعة الإخوان المسلمين ليست منظمة إرهابية

في العاشر من ديسمبر 2025م، نشرت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية مقالًا بعنوان: “لا تزال جماعة الإخوان المسلمين ليست منظمة إرهابية” لـ “مارك لينش“، أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن ومدير مشروع العلوم السياسية في الشرق الأوسط.

يقول لينش إن وَصْم الجماعة بالإرهاب لن يؤدي إلَّا إلى تعزيز القمع في منطقة الشرق الأوسط والولايات المتحدة. ويجادل أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن بأن تصنيف ترامب فروع لجماعة الإخوان كمنظمات “إرهابية” خارجية قد يُرسِي أساسًا قانونيًّا للتدقيق في تمويل هذه المنظمات وتراخيصها وعضويتها، ولكنه قد يُصبح أيضًا أساسًا لتشديد وزارة الخارجية الأمريكية لإجراءات التدقيق على طالبي التأشيرات، فضلًا عن المضايقات وإجراءات الترحيل من قِبل إدارة الهجرة والجمارك.

لذا، فإن لينش يخلص إلى أن تصنيف بعض فروع الإخوان لا يتعلق بمواجهة تهديد أمني للولايات المتحدة، بل هو مجرد تصعيد آخر نحو ترسيخ الاستبداد في منطقة الشرق الأوسط والولايات المتحدة على حد سواء.

وفيما يلي يقدم “منتدى الدراسات المستقبلية” ترجمة كامل المقال الذي نشرته مجلة فورين بوليسي للبروفيسور “مارك لينش“، وذلك على النحو التالي:

لا تزال جماعة الإخوان المسلمين ليست منظمة إرهابية

في الرابع والعشرين من نوفمبر، أصدرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًّا لبدء عملية تصنيف بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين كمنظمات “إرهابية” أجنبية. وقدَّم الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس ترامب القليل من “الأدلة” أو “المبررات” لهذا التصنيف.

وبالنظر إلى تلك “الأدلة” أو “المبررات”، فقد اقتصرت في مجملها على بعض التصريحات التي وًصِفت بأنها “تحريضية” من قبل قادة جماعة الإخوان في كلٍّ من الأردن ومصر عقب الهجمات التي قامت بها حركة حماس (على المستوطنات في غلاف غزة) في السابع من أكتوبر عام 2023م، والدور الثانوي المزعوم الذي قام به “فرع” الجماعة في لبنان في الهجمات الصاروخية التي وقعت في نفس الفترة.

وكما يُشير العرض الهزيل لإدارة ترامب، فإنه لا يوجد ببساطة أي دليل جديد ومُقنِع على أن جماعة الإخوان المسلمين يمكن تصنيفها بأنها منظمة “إرهابية”.

إنَّ السعي لحثّ الولايات المتحدة على تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمةً “إرهابية” فكرةٌ سيئةٌ لها تاريخٍ طويلٍ يعود إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر (2001م) على الأقل. وقد دافعت عن تلك الفكرة السيئة مرارًا جماعاتٌ يمينيةٌ في الولايات المتحدة، وكذلك حلفاؤها المناهضون لجماعة الإخوان في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك دولة الإمارات العربية المتحدة ومصر و”إسرائيل”.

وقد رُفِضت هذه الفكرة مرارًا وتكرارًا. وكما أدرك الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش، وغيره، فإنَّ هذا التصنيف لن يكون غير دقيقٍ فحسب، بل إنه سوف يؤدي إلى تقويض حقوق الإنسان والديمقراطية في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

لكن إدارة ترامب الحالية لا تُبالي لا بالحقيقة ولا بالديمقراطية، فقد قامت بتطهير وطرد العديد من الكفاءات التي كانت تعمل في الخدمة المدنية ممن كانوا قادرين على تقديم تحليلاتٍ مُستنيرة حول هذه المسألة. ونتيجةً لذلك، فإنها تُعِدُّ الآن لاتخاذ هذه الخطوة في وقتٍ ستكون فيه غير ذات صلة البتة في منطقة الشرق الأوسط بشكل أكبر، كما أنها سوف تُلحِق ضررًا أكبر في الداخل الأمريكي كذلك.

وكان حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط قد أمضوا أكثر من عقد من الزمن في إطلاق العنان لأجهزتهم الأمنية بكامل قوتها دون أي قيود ضد جماعة الإخوان المسلمين (وكذلك ضد جميع قوى المجتمع المدني والمعارضة الأخرى). ونتيجة لذلك، تضررت شعبية جماعة الإخوان المسلمين بشكل كبير، ولم يَعد داعموها الإقليميون الرئيسيون، مثل قطر وتركيا، يهتمون بالدفاع عنها كما كان الأمر في السابق.

أما في الولايات المتحدة، فهناك ما يدعو إلى الخوف من أن تستخدم إدارة ترامب تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة “إرهابية” خارجية كأداة لاستهداف خصومها السياسيين. وسوف يؤدي ذلك إلى تصعيد حملة قمع خطيرة بالفعل ضد المهاجرين، ومنظمات المجتمع المدني ذات الميول اليسارية، والمعارضة السياسية الداخلية.

ولطالما كانت جماعة الإخوان المسلمين هدفًا لنظريات المؤامرة بشكل مكثف منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر (2001م)، لا سيما بين أوساط اليمين المتطرف التي تهيمن على إدارة ترامب الحالية. ونتيجة لذلك، فمِن المهم للغاية التمييز بين الخرافات والحقائق فيما يخص هذه المسألة.

في الحقيقة، لا توجد جماعة عالمية موحدة للإخوان المسلمين، وهو أمرٌ أقرَّ به حتى الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي حدَّد فروعًا فردية للجماعة بدلًا من تسمية عالمية شاملة.

وكانت جماعة الإخوان المسلمين قد تأسست في مصر عام 1928م، وانتشرت بسرعة في المنطقة والعالم على حد سواء.

وتشترك كل الفروع الوطنية (القُطْرية) في التزامات تنظيمية وأيديولوجية عامة، لكن كل فرع قام بتطوير نفسه استجابةً للظروف المحلية التي يعيش فيها، ولم يتلقَّ أيٌّ منها أي أوامر تُذكر من أي مكتب مركزي سواءً في القاهرة أو أوروبا أو أي مكان آخر. نعم هناك أوجه تشابه بينها، على غرار العائلة الواحدة، أكثر من كونها تخضع لقيادة أو سيطرة مركزية.

وقد أنكرت تنظيمات إسلامية رئيسية، مثل حركة النهضة التونسية، انتماءها إلى جماعة الإخوان المسلمين، حتى مع اتباعها إستراتيجيات تنظيمية وأيديولوجية مشابهة.

وتشترك فروع جماعة الإخوان المسلمين في مختلف الأقطار في تبني مرجعيات فكرية مشتركة، مثل حسن البنّا وسيّد قطب، كما تقتدي بمجموعة من المراجع الدينية المعاصرة، مثل يوسف القرضاوي. إلَّا أن كل فرع من فروع الجماعة دأب على تطوير قادته السياسيين ومرشديه الدينيين الخاصين به.

وعلى مستوى المنطقة، سَعَت فروع الإخوان في أغلب الأحيان إلى تعزيز الجمعيات الدينية وتبني سياسات اجتماعية أكثر محافظة. ومع ذلك، فلم تبالغ هذه الفروع كثيرًا في إظهار معتقداتهم الدينية بشكل خاص. فعلى عكس التركيز بشكل مكثف على التفسير القرآني الذي تميل إليه الحركات السلفية أو دوائر تنظيم الدولة الإسلامية، فقد كان قادة الإخوان يميلون إلى تبسيط فكرهم والتركيز على الجوانب العملية للسلطة السياسية والنظام الاجتماعي.

ونتيجةً لذلك، فخلال العقود التي سبقت عام 2011م، كان الإخوان المسلمون أقرب إلى اليمين المسيحي الإنجيلي الأمريكي منهم إلى تنظيم القاعدة. فقد كانت حركةً واسعة النطاق، تهدف إلى بناء مجتمع أكثر تدينًا من خلال الدعوة، وتقديم الخدمات الاجتماعية، والانخراط في منافسة سياسية شرسة (مع الأنظمة الحاكمة).

وحافظت معظم منظمات الإخوان على شبكة من الخدمات الاجتماعية والجمعيات الخيرية، وعملت بشكل علني حتى في الأقطار التي كانت تُصنَّف فيها بأنها غير قانونية من الناحية الفنية. وكانت كوادر الإخوان في أغلب الأحوال من الكفاءات المهنية الحضرية التي تنتمي إلى الطبقة المتوسطة، وليس من أولئك الشباب المهمَّشين والفقراء الذين انجذبوا نحو الجماعات الجهادية الأكثر عنفًا أو المنظمات السلفية الأكثر تشددًا. وكانت منظمات الإخوان تشارك باستمرار في الانتخابات كلما أتيحت لها الفرصة، وكانت تفوز في هذه الانتخابات باستمرار.

وعندما حدث ذلك، واجهت جماعة الإخوان المسلمين اتهامات بأن التزامها بالديمقراطية كان مجرد وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية، على غرار قاعدة: “فرد واحد، صوت واحد، مرة واحدة”. وسواء كان ذلك الأمر عادلًا أم لا، فإن الجماعة لم تُمنَح فرصة لدحض مثل هذا الاتهام.

وفازت جماعة الإخوان المسلمين في مصر في الانتخابات التي جرت خلال الفترة ما بعد عام 2011م، لكن تمَّت الإطاحة بها من خلال انقلاب عسكري قاده الفريق عبد الفتاح السيسي عام 2013م.

وفي تونس، فازت حركة النهضة في انتخابات ما بعد عام 2011م، لكن بعد عقد من الزمن تمَّ تجريمها على يد الرئيس الشعبوي العلماني قيس سعيّد.

ولا يعني هذا أن جماعة الإخوان المسلمين لم تتورط قط في أي أعمال عنف. فبينما يرفض خطابها الرسمي استخدام العنف، وأنها تعارض بشدة منافسيها من الجهاديين العنيفين كتنظيم القاعدة، إلا أن بعض فروعها قد تكون قد انخرطت بالفعل في بعض أعمال العنف، لا سيما في مواجهة القمع العنيف الذي تمارسه الدولة.

يُذكر أنه قد وقع انقسام جزئي في جماعة الإخوان المسلمين في مصر في ستينيات القرن الماضي، بسبب مسألة العنف، ولم تظهر الجماعة مجددًا على الساحة إلَّا في سبعينيات القرن نفسه بعد نبذها جناحها الذي وُصِف بـ “التطرف”.

أما جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، فقد تبنت خطابًا أكثر “تطرفًا” وممارسات “عنيفة” في سبعينيات القرن الماضي في مواجهة القمع الذي كان يمارسه نظام الأسد. وفي وقت لاحق، لعب الإخوان المسلمون السوريون، ومعظمهم كان في المنفى، دورًا محوريًّا في تسهيل التدخل الخارجي في الحرب الأهلية التي أعقبت عام 2011م.

ونشأت حركة حماس من تنظيم تمَّ تأسيسه على غرار جماعة الإخوان المسلمين، في غزة، في سياق الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت عام 1987م، وكانت رائدة في تنفيذها لعمليات انتحارية (استشهادية) ضد الإسرائيليين خلال سنوات اتفاقية أوسلو.

ولعبت تنظيمات الإخوان المسلمين العراقيين دورًا رئيسًا في حركة التمرد (المقاومة) السُّنية العراقية ضد الاحتلال الأمريكي والتي اندلعت بعد عام 2003م.

وانعكست الطبيعة المعقدة لجماعة الإخوان المسلمين في النقاش السياسي الأمريكي المتطور. ففي تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الجديدة، ركز النقاد على العنف المنسوب لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وحركة التمرد (المقاومة) العراقية (في مواجهة الاحتلال الأمريكي)، فضلًا عن مزاعم خروج شخصيات أصبحت بارزة في تنظيم القاعدة، مثل عبد الله عزام وأيمن الظواهري، من عباءة جماعة الإخوان المسلمين. بينما رأى آخرون أن الجماعة تمثل حصنًا منيعًا ضد التطرف، مستخدمةً تنظيمها الصلب والقوي وأساليبها الدعوية الأيديولوجية في استقطاب أولئك “المتطرفين المحتملين” والمحافظة عليهم (بعيدًا عن التطرف).

ويُجسّد نهج إدارة الرئيس جورج بوش تجاه جماعة الإخوان المسلمين هذه التناقضات. فقد دعا العديد من أصحاب الأيديولوجيات المتشددة (الصقور) آنذاك إلى استهداف الجماعة، زاعمين أنها تبدو معتدلة ظاهريًّا، بينما هي في الواقع تمثل خطوة خطيرة على طريق “التطرف”. وفي المقابل، فضّل آخرون، بمن فيهم بعض المحافظين الجدد البارزين (في إدارة بوش)، إشراك جماعة الإخوان في الانفتاحات الديمقراطية في المنطقة أملًا في تعزيز اعتدال المنظمة وترسيخ الممارسات الديمقراطية في المجتمعات العربية.

ولذلك، دعم أعضاء بارزون في الإدارة الأمريكية آنذاك مشاركة جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات المصرية التي جرت عام 2005م، ومشاركة حماس في الانتخابات الفلسطينية التي جرت عام 2006م.

وفي العراق، أدرك فريق مكافحة التمرد (المقاومة العراقية) بقيادة الجنرال ديفيد بترايوس أهمية التمييز الدقيق بين مختلف أنواع الإسلاميين. وقد أدى ذلك إلى ما يُعرَف بـ “الصحوات السُّنية” التي نشطت بين عامي 2006 و2008م، والتي قيل إن الولايات المتحدة تحالفت فيها مع بعض المتمردين (المقاومين) الإسلاميين القوميين، والذين غالبًا ما كانوا في الأصل قد خرجوا من عباءة جماعة الإخوان المسلمين، ضد “تنظيم القاعدة” و”تنظيم الدولة الإسلامية” الناشئ.

ولكن بعد عام 2011م، تغيّر كلٌّ من النقاش والواقع حول الجماعة بسرعة كبيرة. فقد برزت جماعة الإخوان المسلمين كقوة مؤثرة خلال انتفاضات الربيع العربي التي اجتاحت منطقة الشرق الأوسط عام 2011م وأطاحت بالعديد من الأنظمة الحاكمة بها.

وقد اعتبرت الأنظمة التي كانت ترتعد خوفًا (من التطورات المتلاحقة بسبب الربيع العربي) في جميع أنحاء المنطقة أن جماعة الإخوان المسلمين هي أكبر تهديد لبقائها في سدة الحكم، ليس لكونهم إرهابيّين (كما يزعمون)، بل لكونهم حركة اجتماعية شعبية وفعَّالة. وقد استشاطت هذه الأنظمة غضبًا من (مزاعم حول) استعداد إدارة أوباما لمنح جماعة الإخوان المسلمين فرصة، لا سيما في مصر، ومن الدعم الذي قيل إن دولة قطر والجمهورية التركية قدمته للجماعة.

وجاء رد الفعل العنيف من تلك الأنظمة سريعًا، إذ أدّى عامان من التقدُّم السياسي لجماعة الإخوان المسلمين بالمنطقة إلى قمع شديد من قبل الأنظمة الاستبدادية ضد الجماعة في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وتصدرت دولة الإمارات العربية المتحدة المشهد، وذلك من خلال دعمها للانقلاب العسكري في مصر (والذي قاده وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي ضد الحكومة المنتخبة) في شهر يوليو 2013م، بالإضافة إلى دفاعها عن مذبحة رابعة العدوية التي استهدفت المتظاهرين (مؤيدي الشرعية)، خاصَّة الإسلاميين، بعد شهر تقريبًا من وقوع الانقلاب (14 أغسطس).

وشمل القمع الوحشي الذي أعقب ذلك (والذي مارسته الإدارة الجديدة بعد الانقلاب) اعتقال ما يُقدَّر بنحو 60 ألف سجين سياسي، ومصادرة جميع الأصول المالية والمادية التي أمكن تحديدها لجماعة الإخوان المسلمين تقريبًا. كما شهد ذلك إطلاق حملة دعائية دولية تهدف إلى تصوير جماعة الإخوان المسلمين على أنها تنظيم “معادل” لتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية.

ودفعت مخاوف محددة جميع دول المنطقة تقريبًا إلى تبني هذه الحملة (ضد الجماعة). ثم جاءت حملة السعودية على جماعة الإخوان المسلمين في إطار الهجوم الخاطف الذي شنه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على سلطة المؤسسة الدينية الإسلامية في المملكة.

وكان التداخل بين الفكر السلفي وسياسات الإخوان المسلمين المحرك الرئيس للصحوة الإسلامية في المملكة العربية السعودية. وكانت هذه الصحوة تمثل حركة شعبية متعاطفة مع الإخوان المسلمين، تضم شخصيات بارزة على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل سلمان العودة، والذين قيل إنهم استخدموا منابرهم ومنصاتهم الدينية لانتقاد السياسات السعودية داخليًّا وخارجيًّا. واليوم، فمعظم قادة هذه الحركة إما يقبعون في السجون أو أنهم قد فارقوا الحياة، رغم عدم وجود أي صِلة لهم بالإرهاب.

واتخذت الأردن إجراءات مماثلة ضد جماعة الإخوان المسلمين، والتي تحوَّلت من ركيزة أساسية لدعم النظام الملكي في الأردن إلى معارضته السياسية المنظمة الرئيسة. ففي مواجهة أزمة سياسية داخلية متصاعدة وضغوط متزايدة من داعميها الماليين في الخليج، اتخذت الأردن خطوات غير مسبوقة لتفكيك جماعة الإخوان المسلمين الأردنية، فدعمت قيادة بديلة لها أولًا، ثم صادرت أصولها المالية، وفي نهاية المطاف قامت بتجريمها.

وبلغت الحملة الإقليمية ضد جماعة الإخوان المسلمين ذروتها عام 2017م عندما فرضت دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية حصارًا على دولة قطر وطالبتا الدوحة بإنهاء دعمها الإقليمي (المزعوم) للجماعة.

وامتد الضغط إلى واشنطن، حيث مارست مجموعة متنوعة من مراكز الأبحاث وشركات العلاقات العامة (جماعات الضغط) ضغوطًا على إدارة الرئيس دونالد ترامب الأولى لإعلان جماعة الإخوان المسلمين منظمة “إرهابية” خارجية. وبينما كانت القاعدة الشعبية لترامب (المؤيدين لحركة “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”) يرحبون بنظريات المؤامرة، خاصَّة تلك المعادية للمسلمين، إلَّا أن العقلاء آنذاك تصدوا لها.

وعندما تولى الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن منصبه عام 2021م، أنهت كلٌّ من الإمارات والسعودية بهدوء المقاطعة التي كانتا قد أعلنتاها ضد قطر، وأصلحتا العلاقات مع تركيا، وخففتا من حدة الحملة الإقليمية المناهضة لجماعة الإخوان المسلمين. لكن الضرر كان قد وقع على جماعة الإخوان بالفعل. فالجماعة اليوم تبدو “مجرد ظِل لما كانت عليه من قبل”.

ففي معظم أنحاء المنطقة، جُرِّدت جماعة الإخوان المسلمين قسرًا من الخدمات الاجتماعية والحضور الشعبي اللذين كانا أساس قوتها السياسية. وتضرَّرت سمعتها بشدة جَرَّاء حملات الدعاية المتواصلة التي تقودها الأنظمة ضدها. ونتيجة لذلك، لم تعد الجماعة تمثل قوة سياسية مؤثرة كما كانت من قبل. ومع ذلك، فإن الأنظمة التي تخشى اندلاع جولة أخرى من الاحتجاجات ضدها لا تزال تخشى بعثها وعودتها من جديد.

وأدت الهجمات التي شنتها حركة حماس على المستوطنات في غلاف قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023م إلى تصعيد إجراءات التدقيق في علاقات جماعة الإخوان المسلمين التاريخية بحماس ودعمها لها. وكان ذلك بمثابة الشرارة المباشرة للجهود المتجددة لإقناع واشنطن أخيرًا بتصنيف الجماعة كمنظمة “إرهابية” خارجية.

وتعتبر “إسرائيل” هذا التحرُّك جزءًا من حربها الشاملة على حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وما تعتبره قاعدة دعمها العالمية. وتأمل كلٌّ من مصر والإمارات والسعودية في الحصول على هذا التنازل (من قِبل الإدارة الأمريكية الحالية) مقابل دعمها لخطة ترامب بشأن غزة. أما دولة قطر والجمهورية التركية، (اللتان يُزعم أنهما) الحليفتان التقليديتان لجماعة الإخوان المسلمين، فقد تراجع اهتمامهما اليوم بالجماعة والتضحية من أجلها بعد سنوات من تزايد الإحباط من حركة حماس.

وإذا تمَّ اعتماد هذا التصنيف ضد الجماعة، فسوف يؤدي ذلك إلى تكثيف التوجهات الحالية نحو القمع في المنطقة، بينما يدفع هذا الإجراء ما تبقى من جماعة الإخوان المسلمين إلى مزيدٍ من التهميش.

لكن الدافع الحقيقي للأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس ترامب والأثر الأساسي له قد يكمن في السياسة الأمريكية. فإن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة “إرهابية” قد يمنح إدارة ترامب نفوذًا رسميًّا لدعم جهودها في تشويه صورة معارضيها والضغط عليهم وتجريمهم.

وبالنسبة لنظريات المؤامرة اليمينية المتطرفة، فإن جماعة الإخوان المسلمين تُشكِّل هدفًا غامضًا وغير محدد المعالم، يشمل منظمات إسلامية أمريكية مثل مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR)، ومؤسسات التعليم العالي ومراكز دراسات الشرق الأوسط، ومنظمات غير حكومية، وحتى الطلاب اليهود المتظاهرين ضد الإبادة الجماعية.

وقد يُرسِي تصنيف ترامب لجماعة الإخوان المسلمين كمنظمة “إرهابية” أساسًا قانونيًّا للتدقيق في تمويل كل هذه المنظمات وتراخيصها وعضويتها. وقد يُصبح هذا التصنيف أيضًا أساسًا لتشديد وزارة الخارجية إجراءات التدقيق على طالبي التأشيرات، فضلًا عن المضايقات وإجراءات الترحيل من قِبل إدارة الهجرة والجمارك.

إن تصنيف الإخوان المسلمين كمنظمة “إرهابية” لا يتعلق بمواجهة تهديد أمني (ضد الولايات المتحدة)، بل هو تصعيد آخر نحو تكريس الاستبداد في منطقة الشرق الأوسط والولايات المتحدة على حد سواء.

ملحوظة: هذا المقال جزء من التغطية المستمرة التي تقوم بها مجلة “فورين بوليسي” لإدارة دونالد ترامب الحالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى