الخبر:
رغم توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية، يوم 10 أكتوبر 2025م، اتهمت حكومة غزة، يوم 22 نوفمبر، جيش الاحتلال بخرق الاتفاق 497 مرة، وقتل 342 فلسطينيًّا، أي في 44 يومًا!
ورغم توقيع اتفاق سابق للتهدئة ووقف الحرب بين إسرائيل ولبنان، في 27 نوفمبر 2024م، أظهرت بيانات مجموعة رصد بيانات مواقع وأحداث الصراعات المسلحة (ACLED) الأمريكية أن الاحتلال خرق الاتفاق بعمليات قصف وتوغل واغتيالات نحو 3000 مرة.
فيما قالت وزارة الصحة اللبنانية وتقارير قوى الأمن الداخلي أن عدد الخروقات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية منذ 27 نوفمبر 2024م وحتى 15 أغسطس فقط بلغت 4300 خرقًا.
الخروقات الصهيونية لاتفاق وقف الحرب في غزة ولبنان تتم بحجج واهية مثل إطلاق نار على جنودها أو منع حزب الله من استعادة قوته، وتبرر تل أبيب لنفسها عمليات القتل وخرق الاتفاقيات باعتبارها حقًّا لها نصت عليه الاتفاقيات!
كان آخر عدوان إسرائيلي على غزة، يوم 22 نوفمبر، قد أدى إلى استشهاد أكثر من 20 وإصابة العشرات بجروح، ولذلك التقي قادة حماس، مع رئيس المخابرات العامة المصرية، باعتبار مصر وسيطًا، لشرح الخروقات الإسرائيلية.
فيما نتج عن أخر عدوان إسرائيلي على لبنان، في 23 نوفمبر، تفجير عمارات سكنية بأكملها، وقتل 5 لبنانيين أبرزهم الرجل الثاني في حزب الله “هيثم طباطبائي”، الذي يتولى حاليًا رئاسة الجناح العسكري بصفته قائد الأركان.
ووسط أنباء عن أن الغارة تمَّ تنفيذها بالتنسيق مع الجانب الأمريكي، إذ سبق للولايات المتحدة أن أعلنت عن مكافأة لمن يبلغ عنه بقيمة 5 ملايين دولار، بزعم أنه قائد القوات الخاصة للجماعات المسلحة الموالية لإيران في لبنان وسوريا.
التعقيب:
تشير حملات العدوان المستمرة على غزة ولبنان لوجود ضوء أخضر أمريكي، وأن اتفاقيات الهدنة ليست سوى سراب وخداع مؤقت لإعطاء الاحتلال فرصة لالتقاط الأنفاس ثم معاودة القتل وانتقاء القيادات لاستهدافها وفرض الخطط الصهيونية الأمريكية على المنطقة بخدعة أن هناك ما يُسمَّى “وعد بلفور الأمريكي”، لقيام دولة فلسطينية مستقبلًا.
يمكن الحديث عن أربعة أسباب لعربدة الاحتلال وخرقه اتفاقيتي لبنان وغزة بمباركة أمريكية:
- أولًا: لأن الانتقال إلى المرحلة التالية في غزة أو لبنان يعني الاعتراف بفشل الحرب، فهناك إجماع في إسرائيل على أن الحملة العسكرية العدوانية لم تُحقق أهدافها بالكامل لا في غزة ولا لبنان رغم الدمار والإبادة، وهناك أمل في استعادة النفوذ المفقود بمزيد من العدوان.
- ثانيًا: واشنطن تلعب لعبة مزدوجة من الجانبين، حيث تحاول الظهور علنًا كأنها تضغط على تل أبيب للامتثال، لكنها في الوقت نفسه تسمح للجيش الإسرائيلي بالعدوان وتباركه ببيانات رسمية كي تسمح لتل أبيب بفرض معادلتها على المنطقة.
- ثالثًا: وزراء حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل تعتبر أي انسحاب من غزة أو لبنان أو سوريا استسلامًا، ويُهددون حال تقدم وقف إطلاق النار وانسحاب الاحتلال بتفتيت الائتلاف الحاكم، وانهيار حكومة نتنياهو، لذا تستمر الخروقات كي ينهار الاتفاق.
- رابعًا: لأن تل أبيب تحاول انتزاع ما عجزت عن فرضه بالقوة عبر المفاوضات، فهي تطالب بنزع سلاح المقاومة في لبنان وغزة دون تنازلات، وتدمير الأنفاق وسلاح المقاومة دون قتال، وإشراف دولي في غزة يعفيها من مسئولية الإبادة في غزة كدولة احتلال.
بالنسبة لقطاع غزة:
قال القيادي في حركة حماس، عزت الرشق، إن إسرائيل “تختلق الذرائع للتهرب من الاتفاق والعودة إلى حرب الإبادة”، وإنها تنتهك الاتفاق يوميًا وبشكل منهجي ثم تدعي أنها قامت بالاعتداءات والقتل رَدًّا على خرق حماس للاتفاق، كي لا تنفذ المرحلة الثانية من الاتفاق والانسحاب.
أوضح بيان للحركة، أهمية وقف الخروقات الصهيونية المستمرة والتي تهدد بتقويض الاتفاق، وذلك من خلال آلية واضحة ومحددة برعاية ومتابعة الوسطاء، تقوم على إبلاغ الوسطاء بأية خروقات لاتخاذ الإجراءات اللازمة لوقفها بشكل فوري ومنع الإجراءات الأحادية التي تلحق الضرر بالاتفاق.
كل المؤشرات تؤكد أن الاحتلال يسعى لعدم الوصول للمرحلة الثانية من اتفاق خطة ترامب وتنفيذ انسحاب جديد، خاصَّة بعدما التزمت حماس وأطلقت كل أسراه الأحياء وسلمت جثث الموتى ولم يتبق سوى 3 فقط بسبب ظروف تدمير غزة.
يري تحليل لموقع “ذا كرادل” The Cradle(المهد)، في 20 نوفمبر 2025م، أن هدف وإستراتيجية الاحتلال كانت وقف إطلاق النار لالتقاط الأنفاس و”لم يكن من المتوقع أن تكون هناك مرحلة ثانية” من الاتفاق.
وأكد الموقع أنه “لم تكن نيَّة تل أبيب قط التقدم إلى مرحلة ثانية، بل انتزاع ما تستطيع، ثم المماطلة، وتغيير مسار الأمور، وإعادة فرض السيطرة بوسائل أخرى”.
ووَصَف الموقع وقف إطلاق النار، بأنه “كان بمثابة هندسة من جانب تل أبيب وواشنطن كأداة لاستعادة قبضتهما، على غزة، ضمن “إستراتيجية التوقف والهيمنة”.
وأوضح أنه “لطالما استخدمت القوى الغربية المفاوضات كآليات لإعادة إضفاء الشرعية على هيمنتها، حيث تُستخدَم لغة القانون الدولي، وبنية الدبلوماسية، وحتى مفردات العمل الإنساني، بشكل روتيني لخدمة مصالح الإمبريالية”.
وأكد أنه وراء التصريحات العلنية والتأخيرات الإجرائية، كان هناك مخطط أعمق يهدف إلى تحويل الهدنة إلى نقطة تحول، وإعادة صياغة مستقبل غزة بطريقة تُهمش الفلسطينيين تمامًا، وأصبحت عملية وقف إطلاق النار نفسها أداة هيمنة، تُشكلها القوى نفسها التي دفعت آلياتها العسكرية والسياسية غزة إلى الكارثة.
بالنسبة للبنان:
هناك حملة تحريض واسعة من الإعلام العبري على لبنان وحزب الله منذ اليوم الأول لوقف الحرب، بزعم أن الحزب استعاد قدراته العسكرية، وتهديدات يومية من الاحتلال بأنه سوف يُنفذ ضربات ضد الحزب ولبنان.
كل عدوان على لبنان يحدث بالتنسيق مع الأمريكيّين، فهم الوسيط (المنحاز لإسرائيل) في الاتفاق في لبنان، وكذلك في غزة، ووسيطه “باراك” هدد لبنان وحزب الله عدة مرات، وأعطي لإسرائيل الضوء الأخضر باستئناف العدوان بحجة أن حزب الله يرفض نزع سلاحه.
اعتداء إسرائيل على لبنان وخرقها الاتفاق باستمرار وقتل قادة حزب الله يرجع للتحول الخطير في مؤسسة الحكم اللبنانية منذ انتخاب الرئيس جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام، وخروجهما عن المعادلة السابقة التي كانت تعتبر سلاح المقاومة هو سلاح الدولة، ومطالبتهما – مثل إسرائيل وأمريكا – بنزعه، ما أضعف موقف الحزب وزاد الضغط الشعبي عليه، وزاده ضعفًا الخرق الأمني الإسرائيلي والأمريكي له واغتيال قياداته العليا.
ضعف الالتزامات التنفيذية في اتفاق إسرائيل ولبنان بشأن وقف إطلاق النار جعل إسرائيل تستغل بنود الاتفاق لتحقيق مصالحها وتفسيره وفق مصالحها، أي أن غموض بنود الاتفاق ساعد إسرائيل على تبرير بعض العمليات على أنها مثلا “مراقبة أمنية” وليس تجاوزًا كاملًا وفق صحيفة “واشنطن بوست”.
الاتفاق نص على لجنة مشتركة لمراقبة تنفيذ وقف النار، لكن هناك تأخير في تفعيل بعض آليات اللجنة، وهناك ضعف في مصداقية آليات الرقابة الدولية (اليونيفيل، اللجنة المشتركة) مما يعطي إسرائيل هامشًا أوسع للقيام بعمليات دون محاسبة فورية.
يَعتقد بعض المحللين أن إسرائيل تستخدم الخروقات كمظهر ضغط دائم كي تُظهِر قدرتها على الضرب، ما يُرسل رسالة إلى لبنان وخصومها بأنها ليست ضعيفة.
تداعيات هذه الخروقات الإسرائيلية سوف تؤدي إلى تقويض الثقة في الاتفاق وشرعيته بين اللبنانيّين، خاصَّة المدنيّين الذين ينالهم القصف، وقد تدفع حزب الله للرد، خاصَّة بعد قتل قادته وأخرهم قائد جناحه العسكري، وكي لا يستمر شعور الاحتلال بالإفلات من العقاب.




