خبر وتعقيبغير مصنف

تعزيز التواجد العسكري في سيناء.. بين هاجس التهجير وحماية الأمن القومي

الخبر:

في أغسطس 2025م، تكررت الأنباء عن تعزيز مصر لتواجدها العسكري على الحدود مع قطاع غزة، بعد أشهر من خرق إسرائيل اتفاق وقف النار مع حماس في مارس الماضي. الدافع الأساسي لهذا التحرك هو المخاوف المصرية من أن يؤدي اجتياح إسرائيلي واسع لغزة إلى دفع ما يقارب مليون فلسطيني نحو حدود سيناء، بما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي من خلال نقل الأزمة الإنسانية والأمنية إلى داخل الأراضي المصرية.

صحيفة العربي الجديد نقلت عن مصدر مصري أن القاهرة تعتبر هذا السيناريو غير مقبول، فيما أوضحت صحيفة ميدل إيست آي البريطانية أن الجيش المصري نشر نحو 40 ألف جندي في شمال سيناء، أي ضعف العدد المسموح به وفق اتفاقية كامب ديفيد لعام 1979م. وقد شمل الانتشار قوات خاصة، ومدرعات، ودبابات M60، وأنظمة دفاع جوي في مناطق رفح والشيخ زويد والجورة، مع حالة تأهب قصوى بأوامر مباشرة من السيسي عقب اجتماع مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الأمن القومي.

إسرائيل من جانبها تابعت هذه التطورات عن كثب؛ إذ أشارت تقارير في صحفها مثل جيروزاليم بوست وi24NEWS  إلى أن مصر تجاوزت الحصة العسكرية المقررة، وأن توسيع المرافق العسكرية في سيناء يعد خرقًا للاتفاقيات.

التعقيب:

القلق المصري والحشود ليس من غزو إسرائيل لمدينة غزة التي يتواجد بها أكثر من مليون نسمة وطردهم تجاه الحدود مع مصر، ولكن من أن يؤدي وجود هؤلاء على حدود مصر في رفح إلى حدوث مشكلات أمنية واحتمال أن يدفعهم الاحتلال بالقصف، أو يندفعوا هم تجاه حدود مصر للنجاة ونقص الطعام والرعاية.

تخشى القاهرة أن تستغل إسرائيل حالة الفوضى الناجمة عن الحرب لترسيخ سياسة “الترانسفير” (التهجير القسري)، بحيث يتم تهجير الفلسطينيين من مدينة غزة في الوسط إلى رفح في الجنوب ثم تحول جنوب غزة إلى محطة مؤقتة قبل محاولة دفع المدنيين باتجاه معبر رفح لدخول مصر.

سبق أن أكد مسؤولون أمنيون إسرائيليون في 31 مارس 2025م لصحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية أن “مثل هذه الحشود والإجراءات المصرية قابلة للتراجع، وليس هناك مشكلة في سحب مصر الدبابات”.

أوائل أغسطس 2025م، أصدر محافظ شمال سيناء، خالد مجاور، تحذيرًا صارمًا من أي هجمات إسرائيلية محتملة ضد مصر، وردًا على أسئلة حول إمكانية المواجهة مع إسرائيل، قال مجاور: “كل من يفكر في الاقتراب من حدودنا سيواجه برد فعل غير متوقع وصادم”.

تصريحات مجاور، الذي شغل في السابق منصب لواء في الجيش وتولى رئاسة الاستخبارات العسكرية، روجت لها صحف مصر ولجانها كنوع من الرد الحازم على إسرائيل وتهديدها، لكن سياسات التطبيع وآخرها شراء مصر الغاز من الاحتلال بـ 35 مليار دولار ستغذي موازنة الحرب الصهيونية تشير لعكس هذه التصريحات والتهديدات.

تعزيز الجيش المصري وجوده على الحدود يهدف لنقل رسالة مزدوجة لإسرائيل وأمريكا: الأولي أنه سوف يمنع أي اختراق أمني أو عبور جماعي من غزة لسيناء، والثاني، توجيه رسالة سياسية بأن مصر ترفض أي حلول على حساب أراضيها أو سيادتها، وفق مراقبين.

كشفت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية، في 19 أغسطس 2025م، أن مصر أبلغت إسرائيل بنشر هذه التعزيزات العسكرية، ولكنها قوبلت بشكاوى إسرائيلية حول حجم القوة وتواجدها في مناطق محظورة، ما يعني أن الموقف المصري يراعي إسرائيل ويحسب حسابها ويبلغها بتحركاته رغم أن إسرائيل لم تفعل المثل حين نشرت قواتها في منطقة الحدود.

ونقلت الصحيفة عن مصدر مصري أن “ضباط الاتصال المصريين أبلغوا نظراءهم الإسرائيليين أن نشر التحشيدات المصرية هي “إجراءات دفاعية بحتة وتهدف إلى تأمين الحدود وسط تصاعد التوترات”، أي أنها ربما تكون موجهة ضد الفلسطينيين لو حاولوا اجتياز الحدود لا إسرائيل بالضرورة.

هناك حديث عن أن الجيش المصري سيكون أول من ينتشر في غزة برفقة قوات عربية (40 ألف من جيش مصر و 40 ألف من جيوش عربية) لاستلام زمام الأمور بعد الاجتياح الإسرائيلي وإعلان الهدنة، وأن زيارة السيسي للسعودية ولقاء ولي العهد محمد بن سلمان تحمل في طياتها ملف غزة وسيناء.

محلل سياسي قال لموقع ميدل إيست آي: “من المرجح أن تختبر الأيام المقبلة استعدادات مصر الأمنية وقدرتها الدبلوماسية على المساعدة في إدارة أزمة غزة دون المساس بمصالحها الإستراتيجية”، إذ أن “هجومًا إسرائيليًّا بهذا الحجم قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، مما يجبر الفلسطينيين على الفرار من غزة بشكل جماعي تجاه مصر.

هناك دعوات إسرائيلية متكررة لمكافأة نظام السيسي لو قبل تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، منها إلغاء ديون مصر الـ 165 مليار دولار، أو التدخل لحل مشكلة سد النهضة الإثيوبي، والأخيرة عرضها الرئيس الأمريكي ترامب بوضوح في أحاديثه.

لذا تُثار مخاوف من أن يقبل نظام السيسي التهجير ولكن بصيغة أنه “أُجبر على ذلك” حين تدفع إسرائيل الفلسطينيين دفعًا، بالقتل والقصف، إلى الحدود المصرية، فيبدو وكأنه مضطر للقبول، وتتصاعد التوترات في العلاقات لكن يتم الأمر الواقع ويجري مكافأة النظام اقتصاديًّا لتعويض ذلك.

المحلل الإسرائيلي مائير مصري سبق أن فسر الحشود المصرية بأنها لـ “امتصاص حالة الغضب الداخلي”، و”رفع الحرج عن الموقف المصري عربيًّا”، و”استعراض حالة القوة كرسالة للداخل والخارج”، وربما “حركة استباقية من مصر لمنع تهجير الفلسطينيين”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى