ترجماتغير مصنف

الجارديان: الكابوس الأسوأ – خطة ترامب حول غزة تضع مصر والأردن في مأزق مستحيل

نشرت صحيفة الجارديان البريطانية في السادس من شهر فبراير 2025م مقالًا بعنوان: “الكابوس الأسوأ – خطة ترامب حول غزة تضع مصر والأردن في مأزق مستحيل”، للصحفي البريطاني “جيسون بيرك”، مراسل صحيفة الجارديان المختص بتغطية الموضوعات المرتبطة بالأمن الدولي.

يقول جيسون بيرك إنه “على الرغم من اعتماد عمان والقاهرة على المساعدات الأمريكية بشكل كبير، فإن كلا البلدين سيواجهان كارثة سياسية في الداخل إذا امتثلا للخطة التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتهجير الفلسطينيّين من أرضهم… حيث لا يستطيع أي من الزعيمين العربيّين تحمل عواقب التواطؤ في التطهير العرقي الممنهج على أرض فلسطين”، ربما لخشية السلطات من تفاقم حالة السخط الشعبي والرفض الجماهيري للتهجير، واحتمالات تطور الأمور إلى انفجار حركات احتجاج جماهيرية لا قِبل لهما بها.

وفيما يلي يقدم منتدى الدراسات المستقبلية ترجمة كاملة لمقال الصحفي البريطاني جيسون بيرك، والذي نشرته صحيفة الجارديان، على النحو التالي:

ركّزت حالة الغضب الدولي التي اشتعلت مؤخرًا على الاقتراح الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن تتولى الولايات المتحدة الأمريكية “ملكية” غزة، على حد قوله، وأن يتم تهجير أكثر من مليوني مواطن فلسطيني للسماح بتحويل المنطقة من “موقع هدم” إلى “ريفييرا” في الشرق الأوسط. (ملحوظة: قد يطلق مسمى “ريفييرا” على أي منطقة ساحلية يرتاد منتجعاتها السيَّاح لامتلاكها خصائص طبوغرافية متنوعة وأجواء مشمسة ومناخ معتدل).

في الأردن ومصر، فرضت خطة ترامب التي تطالب البلدين بقبول تهجير أعداد ضخمة من الفلسطينيّين من غزة إليهما – على الأرجح بشكل دائم – حالة من القلق في كلا البلدين على حد سواء. فقد رفض زعيما البلدين هذا الاقتراح على الفور، في الوقت الذي تمَّ ترتيب زيارات لهما إلى الولايات المتحدة، بحيث يسعى العاهل الأردني عبد الله الثاني، وكذلك الزعيم المصري عبد الفتاح السيسي، في واشنطن إلى إقناع ترامب بتغيير هذا المسار.

وقال نيل كويليام، وهو زميل مشارك في برنامج الشرق الأوسط في مركز تشاثام هاوس للأبحاث في لندن: “إنهم يشعرون بالرعب خشية أن تتحوَّل سياسة إسرائيل لتهجير السكان الفلسطينيّين إلى حقيقة واقعة”.

ويعلم كل من عبد الله والسيسي أنهما عرضة للوقوع تحت طائلة الأسلوب (التجاري) الذي يجيده ترامب في تناول الموضوعات المرتبطة بالجغرافيا السياسية، حيث يعتمد اقتصاد بلديهما وأمنهما بشكل كبير على مستويات ضخمة من المساعدات والتجارة الأميركية.

وكانت المملكة الأردنية الهاشمية قد استقبلت أعدادًا كبيرة من الفلسطينيّين النازحين في عام 1948م أثناء الحروب التي صاحبت إنشاء دولة “إسرائيل”، وكذلك فعلت عمّان في عام 1967م عندما احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة. حيث تُعتبرَ نسبة كبيرة من سكان الأردن – ربما كانوا أكثر من النصف – من أصل فلسطيني، على الرغم من أن العديد منهم لا يزالوا مصنفين كلاجئين.

وقالت كاترينا سمور، المحللة المستقلة المقيمة في عمّان: “سيكون ذلك بمثابة تكرار لصدمات مشابهة تعرض لها بالفعل الشعب الفلسطيني من قبل. إن صدمة النكبة (تهجير الفلسطينيّين من أرضهم، والذي حدث عام 1948م) لا تزال حاضرة بقوة في الذاكرة الجماعية للشعب العربي”.

ويُعدّ الدور الذي يؤديه الفلسطينيون ووجودهم ومستقبلهم في الأردن من أكثر القضايا حساسية على المستوى السياسي في البلاد.

ففي عام 1970م، اقتربت الفصائل المسلحة التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية من انتزاع السيطرة على المملكة من الملك الراحل حسين بن طلال، والد العاهل الأردني الحالي. ورغم أن تكرار مثل هذه الأحداث أمر غير مرجح إلى حد كبير، إلَّا أن الأحداث التي وقعت قبل 55 عامًا لم تُنسَ حتى الآن.

وقد حذر المسؤولون الأردنيون من عواقب تهجير الفلسطينيّين من الضفة الغربية المحتلة منذ بداية الحرب، حيث تزايدت أعمال العنف هناك وتوسَّعت المستوطنات الإسرائيلية بشكل كبير. وقال المسؤولون الأردنيون إن أي جهود لإجبار الفلسطينيّين على مغادرة الضفة الغربية إلى الأردن – وهي طموحات طويلة الأمد لليمين الإسرائيلي – ستكون بمثابة خط أحمر يعتبره الجار القوي عسكريًّا بمثابة “إعلان حرب”.

وقال كويليام إن “الأردنيّين يشعرون بالقلق الشديد من احتمالات بأن يؤدي ما يحدث في غزة حاليًا إلى فتح الباب أمام ضم الضفة الغربية من قبل الحكومة الإسرائيلية”.

وكانت السلطات في الأردن قد واجهت شهورًا من الاحتجاجات التي اندلعت داخليًّا والتي كانت تطالب باتخاذ تدابير أقوى لدعم الفلسطينيّين، وأن أي تحرك للامتثال لمطالب ترامب سيُنظر إليه على أنه خيانة للقضية الفلسطينية. لكن الأردن لديه معاهدة سلام كان قد وقعها مع إسرائيل وعلاقات عسكرية واقتصادية وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية. كما أن النظام الأردني يتلقى مساعدات مالية ضخمة وحيوية من واشنطن، مما يمنح ترامب نفوذًا كبيرًا على الملك عبدالله. ويشير المسؤولون في عمان بشكل خاص إلى ضرورة الحفاظ على “عملية الموازنة” التي تتطلبها السياسة في المملكة.

وتقول علياء الإبراهيمي، الخبيرة الإقليمية في مركز أبحاث المجلس الأطلسي (Atlantic Council): “إن الأسئلة المتعلقة بمَن يُعتبَر أردنيًّا وما يعنيه أن تكون مواطنًا أردنيًّا هي أسئلة قابلة للاشتعال. فهناك قضية ديموغرافية، ولكن هناك أيضًا حقيقة مفادها أن ترامب (بما يقوم به) إنما يلفت الانتباه إلى علاقات الملك عبد الله بـ “إسرائيل” وتحالفه مع الولايات المتحدة الأمريكية، بل واعتماده عليها. وكلا الأمرين يحملان في طياتهما إمكانية حقيقية لزعزعة استقرار النظام الملكي الأردني”.

وهناك قضية أخرى، وهي قضية عملية. فقد عانى الاقتصاد الأردني بالفعل من جراء الحرب، وأصبحت الخدمات العامة منهَكة بشدة تصل إلى حد الانهيار. كما أن الأجهزة الأمنية كافحت كثيرًا لاحتواء المتشددين الإسلاميّين، في الوقت الذي تزايد فيه الدعم للإسلاميّين الأكثر اعتدالًا بوضوح. وتقول سمور: “إن خطة مثل هذه تحتاج إلى سنوات من التحضير والإعداد… وأنها قد تُصبح كابوسًا أمنيًّا، إذ سوف يُنظَر إلى الأردن باعتباره خائنَ القضية الفلسطينية”.

وفي القاهرة، يشكل الأمن مصدر قلق بالغ أيضًا، وخاصة في المنطقة شديدة الحساسية في صحراء سيناء، حيث اقترح البعض (مؤخرًا) بناء مخيمات ضخمة لإيواء اللاجئين. و كانت مصر قد رفضت السماح للفلسطينيّين في غزة بالفرار إلى أراضيها إبّان الحرب الأخيرة التي استمرت 16 شهرًا في القطاع الفلسطيني، خوفًا من تدفق أعداد هائلة (من الفلسطينيّين) مما سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار في البلاد بشكل دائم.

وقالت علياء الإبراهيمي: “بالتأكيد، سوف يكون هناك دائمًا عناصر مسلحة من بين السكان (الفلسطينيّين) النازحين قسرًا، ، سواء كانوا من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أو من مجموعات جديدة تسعى إلى الدفاع عن جيل جديد من الفلسطينيّين المظلومين والمحرومين من حقوقهم. وإذا ما انطلقت أنشطة هؤلاء المسلحين من الأراضي المصرية فإن هذا من شأنه أن يعرض معاهدة السلام المنعقدة بين مصر و”إسرائيل” للخطر، بل ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى قلبها رأسًا على عقب، وبالإضافة إلى ذلك فإن من شأنه أيضًا أن يساعد في تنشيط وتشجيع الجماعات المسلحة المحلية المعارضة للنظام المصري”.

ومن ناحية أخرى، فإن مصر تعاني أيضًا من مشاكل اقتصادية عميقة، على الرغم من تلقيها كميات هائلة من المساعدات من الولايات المتحدة وغيرها. حيث يقول كويليام: “رغم أن مصر دولة ضخمة، فإن هذه الحقيقة من شأنها أن يترتب عليها تكاليف اقتصادية باهظة أيضًا. والاقتصاد المصري يعاني بالفعل من مشاكل هائلة”.

وتبذل أجهزة الأمن في مصر جهودًا كبيرة للسيطرة على حالة السخط العام (في المجتمع المصري)، ويخشى المسؤولون أن تؤدي حالة عدم الاستقرار الجديدة إلى اندلاع حركة احتجاج جماهيرية أخرى على غرار تلك التي حدثت في (25 يناير) عام 2011م. وقالت الإبراهيمي: “وكما هو الحال مع الملك عبد الله، ملك الأردن، فإن هناك احتمالات لوقوع كارثة سياسية أيضًا في البلاد، حيث لا يستطيع أي من الزعيمين العربيّين تحمل مغبّة التواطؤ في عملية التطهير العرقي الممنهج المزمع على أرض فلسطين. وبصريح العبارة، فقد أيقظ ترامب أسوأ الكوابيس التي يمكن أن تقض مضاجع القيادات في عمان والقاهرة”.

ولكن يبدو أن ترامب قد لا يتفق مع هذا الرأي. ففي المؤتمر الصحفي الذي عقده مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كان الرئيس الأمريكي قد قال إن كلًّا من الملك عبد الله والجنرال السيسي سوف يتقبلان اقتراحه (في نهاية المطاف) وأنهما سوف “يفتحان قلبيهما (من أجل) منحنا قطعة الأرض التي نحتاج إليها لإنجاز هذه المهمة، حتى يتمكن الناس من العيش في وئام وسلام”!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى