الخبر:
بعد تحقيق الجيش السوداني ومَن معه مِن المتطوعين مِن الشعب السوداني سلسلة انتصارات مفاجئة في العاصمة الخرطوم، وتوقع قرب تحريرها، أعلنت الخارجية السودانية، في 9 فبراير 2025م، “خارطة طريق” لمرحلة ما بعد الحرب.
الخارطة اشترطت وضع المتمردين من ميليشيا الدعم السريع السلاح، وإخلاء المناطق المدنية لأي محادثات، وعدم القبول بالدعوة لوقف إطلاق نار ما لم يُرفع الحصار عن مدينة الفاشر، والانسحاب من الخرطوم وغرب كردفان وولايات دارفور.
كما تتضمن الخارطة إطلاق حوار وطني شامل لكل القوي السياسية والمجتمعية، وتشكيل حكومة من الكفاءات الوطنية المستقلة لاستئناف مهام الفترة الانتقالية، وإجراء تعديلات في الوثيقة الدستورية التي تحكم السودان منذ سقوط نظام الرئيس عمر البشير.
وأعلن قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، في 8 فبراير 2025م، اعتزامه تشكيل حكومة انتقالية قريبًا، سوف تتألف من “كفاءات وطنية مستقلة”، لوضع أسس استكمال الانتقال للانتخابات.
وفي سلسلة تطورات متلاحقة، حقق الجيش السوداني والقوات المشتركة التي تحارب معه، من الإسلاميّين وغيرهم من طوائف الشعب، سلسلة انتصارات كبيرة في العاصمة الخرطوم التي توشك أن تتحرر بالكامل من قوات حميدتي التي سيطرت عليها منذ بداية الحرب في أبريل 2023م.
حيث نجح الجيش في تحرير مطار الخرطوم الدولي والسيطرة على مصفاة “جيلي” الرئيسية بالخرطوم، وفك الحصار عن مقر قيادته العامة للجيش وقاعدة سلاح الإشارة بالخرطوم بحري، ما يمهد لفرض الجيش السوداني سيطرته على كل الخرطوم.
ويشهد السودان منذ أبريل 2023 حربًا مدمرة بين الجيش السوداني بقيادة البرهان وميليشيا الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف بـ”حميدتي”.
وأدى النزاع إلى مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 12 مليون سوداني ودخول البلاد في “أكبر أزمة إنسانية تمَّ تسجيلها على الإطلاق”، وفق منظمة “لجنة الإنقاذ الدولية” غير الحكومية.
التعقيب:
إعلان قائد الجيش السوداني قرب تشكيل حكومة انتقالية وإعلان وزارة الخارجية (خارطة طريق) لما بعد وقف الحرب هو مؤشر جيد على تحقيق الجيش انتصارات بالفعل على قوات حميدتي الذي يتردد أنه هرب من الخرطوم.
باستعادة الجيش مقر القيادة العامة في الخرطوم، ومطار الخرطوم الدولي، من ميليشيا الدعم السريع، بعد عام ونصف من الحرب، تكون المرحلة الثانية من خطة التقدم الميداني للجيش قد اكتملت تقريبًا، حيث شملت استعادة مواقع استراتيجية، لتبدأ المرحلة الثالثة.
كانت المرحلة الأولي دفاعية، تضمن امتصاص هجمات الدعم السريع وتحجيمها وصمود قوات الجيش في مراكزها، وتلتها الثانية باستعادة مواقع حيوية، وبدأت الثالثة لاستعادة العاصمة بأكملها، والتخلص تمامًا من قوات حميدتي وتحجيم التمرد كي ينحصر في دارفور فقط.
المعارك الضارية حاليًا في الخرطوم تستهدف تسهيل عودة الوزارات السودانية إلى العاصمة بعدما انتقلت في بداية الحرب إلى مدينة بورتسودان.
يعود جانب من الانتصارات إلى تدهور قوات (حميدتي)، وحدوث انشقاقات فيها جعلت الجيش يسيطر على بعض المناطق، بلا قتال تقريبًا، حيث انهارت وانسحب بعضها على غرار جيش بشار الأسد في سوريا، وفق المصادر السودانية.
وقد أكدت صحيفة “وول ستريت جورنال”، في 8 فبراير 2025م، أن قائد قوات الدعم السريع حميدتي لم يظهر علناً منذ أشهر، ويتردد أنه ترك الخرطوم مما أثر سلبًا على معنويات مقاتليه.
سبب آخر لهذا الانهيار “العسكري” هو انهيار التحالف “السياسي” المعارض الذي يدعم حميدتي، من المجموعات اليسارية والليبرالية التي كانت تشارك الجيش الحكم في الفترة الانتقالية ووقوع انشقاق في تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) بسبب الخلاف حول تشكيل “حكومة موازية” تعتزم ميليشيا الدعم السريع إعلانها.
وهناك جانب هام يعود لفشل خطة كانت تعدها الإمارات، تتلخص في توفير دعم لحميدتي من قواعد المتمرد خليفة حفتر بشرق ليبيا، ومده بقوات مرتزقة وأسلحة.
وهي خطة أفشلها الجيش السوداني، وتردد أن الجيش المصري شارك في قصف المرتزقة شرق ليبيا، وأن رأس النظام المصري عبد الفتاح السيسي استدعي حفتر، يوم 18 يناير 2025م، للاحتجاج على دعمه قوات حميدتي التي تناصب مصر العداء.
وقد ترددت أنباء قوية عن استدعاء القاهرة لقائد جيش شرق ليبيا المتمرد خليفة حفتر وزيارته القاهرة لهذا الغرض، بعد أنباء تزويده قوات حميدتي بأسلحة إماراتية، باعتبار أن هذا يضر بمصالح مصر في السودان.
ذكرت تقارير أن مصر دعمت بشكل واضح قوات الجيش السوداني بالعتاد العسكري وشجعت دعم دول أخري منها تركيا وإيران للجيش؛ لأن انتصار الجيش معناه عودة السودان كدولة يسيطر عليها العسكر، ومِن ثمَّ تأمين منطقة الحدود الجنوبية لمصر.
أيضًا يصب انتصار الجيش السوداني في مصلحة مصر من زاوية عودة السودان كدولة قوية متحالفة مع القاهرة في ملف مياه النيل، ضد إثيوبيا التي دشنت سد النهضة وترفض التعاون مع بلدي مصب النيل (مصر والسودان) في تحديد حصص المياه وإدارة السد.
كما يصب في مصلحة مصر، بالتخلص من ملايين اللاجئين السودانيّين الذين تشير تقارير اقتصادية إلى تأثيرهم على الأوضاع الاقتصادية في صورة موجات ارتفاع أسعار السكن والسلع، فضلًا عن تخفيف الأعباء السياسية الناجمة عن وجود ملايين اللاجئين في البلاد.
سيؤدي استقرار السودان وانتصار الجيش السوداني علي قوات الدعم السريع، بجهود مصر، لاستعادة نفوذ القاهرة في الخرطوم الذي تضرر كثيرًا على أيدي قوات حميدتي التي أسرت مجموعة من الجنود المصريّين في قاعدة مَرَوي الجوية شمال السودان وأهانتهم.
كما سيسمح لمصر بالعودة بطائرات وقوات للسودان كنوع من التهديد لإثيوبيا بسبب تهديدها الأمن المائي والقومي المصري بسد النهضة، رغم محاولة القاهرة تعويض ذلك بإرسال قوات رمزية للصومال، إذ أن السودان يشارك مصر نفس الأهداف ضد السد الإثيوبي.