في الثالث والعشرين من يناير 2025م، نشر المجلس الأطلسي، وهو مؤسسة بحثية أمريكية غير حزبية تُعنى بالشؤون الدولية ومقرها في واشنطن دي سي، مقالًا بعنوان: “في منطقة القرن الإفريقي، تتكشف تحالفات استراتيجية – أو تنافس محتمل – بين تركيا ومصر” لـ “فيديريكو دونيلي”، وهو أستاذ مساعد للعلاقات الدولية في قسم العلوم السياسية والاجتماعية بجامعة تريستي بإيطاليا؛ وهو أيضًا باحث في معهد الدراسات السياسية الدولية في ميلانو وزميل غير مقيم في معهد أوريون للسياسات في واشنطن العاصمة.
يقول فيديريكو دونيلي إن المصالحة التي تمت مؤخرًا بين تركيا ومصر، بما في ذلك ما نتج عنها من اتفاقيات جوهرية تمَّ التوقيع عليها من كلا البلدين، توضح إمكانات التعاون بين القوتين الإقليميتين في ظل التوترات الكامنة في منطقة القرن الإفريقي، والتي قد تعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي في المنطقة. ولكن دونيلي يستدرك بأنه في حين يبدو أن المصالح الاستراتيجية للبلدين تتقارب، إلا أن هناك دلائل قوية على أن هناك مواجهة محتملة ستحدث بينهما في المستقبل.
وفيما يلي يقدم منتدى الدراسات المستقبلية ترجمة كاملة لمقال الباحث فيديريكو دونيلي، على النحو التالي:
تبين المصالحة الأخيرة بين تركيا ومصر، والتي اتسمت بعقد مجموعة من الاتفاقيات الجوهرية، إمكانات التعاون في منطقة القرن الإفريقي، فضلًا عن التوترات الكامنة هناك، مما قد يعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي في تلك المنطقة قاطبة. وقد شهدت الأشهر العشرة الماضية، على وجه الخصوص، حدثين مهمين في التفاعل بين البلدين. كان الحدث الأول هو توقيع إعلان مشترك بين تركيا ومصر في شهر فبراير 2024م، حيث وافق كل من البلدين على التعاون الثنائي بينهما في مجالات مختلفة، بما في ذلك شؤون الدفاع والأمن.
أما الحدث الثاني فقد كان في شهر أغسطس 2024م في القاهرة، حيث وقّع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود اتفاقية دفاع مشترك مع مصر. وبعد مرور وقت قصير من توقيع الاتفاق، أرسلت مصر مساعداتها العسكرية الأولى وبضعة ضباط إلى الصومال. ويفتح التأثير السياسي والعسكري المتزايد لمصر في الصومال الباب على سيناريو جديد مشترك مع الجمهورية التركية. وبينما يبدو أن المصالح الاستراتيجية للبلدين تتلاقى هناك، فإن هناك دلائل على أن هناك مواجهة محتملة ستحدث بينهما في المستقبل.
العلاقات التركية المصرية في حقبة ما بعد الإسلاميّين
يشير التحسن في العلاقات التركية المصرية إلى التوجه إلى اصطفاف استراتيجي تدريجي نتيجة تقييمات عملية قامت بها القيادات السياسية في كلا البلدين. وقد أثّرت ثلاثة عوامل رئيسة على عملية التطبيع التدريجي للعلاقات بين مصر وتركيا. حيث جاء عاملان منهما نتيجة تقييمات عملية داخل البلدين، بينما تأثر العامل الثالث بشكل أكبر بالديناميكيات الدولية.
ففي أعقاب الانتخابات المحلية التي جرت في تركيا عام 2019م، أصبحت السياسة الخارجية التركية أكثر براجماتية. حيث حلّت القومية تدريجيًّا محل طابعها الإسلامي السابق. وبالإضافة إلى ذلك، قامت أنقرة بمراجعة موقفها بشأن الوقوف على مسافة متساوية تجاه الغرب وروسيا. وحتى عام 2021م، كان لموازنة تركيا لعلاقاتها مع “الغرب وبقية دول العالم” من خلال انتهاج استقلالية استراتيجية بشكل أكبر، عواقب إيجابية وسلبية معًا.
فمن ناحية، زادت أنقرة من حضورها في مختلف الأزمات الإقليمية والدولية، ووضعت نفسها كوسيط محتمل. ومن ناحية أخرى، كان لتبريد العلاقات مع الشركاء الغربيّين التقليديّين تأثيره الاقتصادي الواضح. لذلك، بدا أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (الذي تولى منصب وزير الخارجية منذ 3 يونيو 2023م) قد انطلق في مهمته بهدف تحسين العلاقات مع الغرب بشكل كبير وفي نفس الوقت الحفاظ على استقلالية تركيا الاستراتيجية في عدة سيناريوهات.
وبعد تطبيع تركيا علاقاتها مع خصوم سابقين مثل دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية (2020-2022م)، أعادت أنقرة على مدى العامين الماضيين التواصل مع دول الجوار مثل سوريا واليونان ومصر. حيث ترى الجمهورية التركية أن تحسين علاقاتها الإقليمية أمر بالغ الأهمية من أجل تعزيز النمو الاقتصادي والاستقرار الداخلي. وتعد مصر سوقًا مهمًّا للسلع التركية ودولة يمكن مناقشة قضايا مختلفة معها، بما في ذلك منطقة القرن الإفريقي.
لذلك، قررت تركيا التضحية، جزئيًّا، بعلاقاتها مع الحركات الإسلامية المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين من أجل إحياء العلاقات الثنائية مع القاهرة. وكانت تركيا قد استضافت العديد من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين بعد وصول الجنرال عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم في عام 2014م، والذين قاموا بإنشاء شبكات إعلامية تنتقد فيها الحكومة المصرية. وأعربت القاهرة عن استيائها من ذلك، مشيرة إلى أن علاقات تركيا مع جماعة الإخوان المسلمين تمثل عقبة أمام تحسين العلاقات الثنائية بين البلدين. ولهذا السبب، كان تبريد العلاقات مع جماعة الإخوان المسلمين بمثابة إشارة تركية إلى السيسي.
ومن المنظور المصري لهذه المسألة، فإنه يُنظر إلى استعادة علاقات القاهرة مع أنقرة على أنها بمثابة محرك لتحسين الظروف الاقتصادية للبلاد. حيث تنظر القيادة السياسية في مصر إلى الجمهورية التركية على أنها شريك تجاري إقليمي مهم، مع إيلاء اهتمام خاص بقطاعي الدفاع والزراعة. فقد سعت مصر بدأب إلى توسيع تعاونها الأمني. ولتحقيق هذا الهدف، كانت القاهرة قد كثفت تعاونها الدفاعي مع روسيا. ومع ذلك، تنظر القاهرة إلى المنتجات الدفاعية التركية بشكل متزايد على أنها بديل قابل للتطبيق.
ومنذ عام 2023م، التقى مندوبون مصريون عدة مرات مع السيد هالوك جورجون، رئيس وكالة صناعة الدفاع التركية، لإتمام اتفاقيات لتوريد منتجات دفاعية تركية إلى مصر. وإلى جانب الطائرات (المُسيَّرة) بدون طيار المصنوعة في تركيا، أعربت القاهرة عن اهتمامها القوي بمختلف المنتجات الدفاعية المتقدمة، بما في ذلك صاروخ تي آر إل جي-230 (TRLG-230)؛ والذخائر الذكية الصغيرة مثل إم إيه إم-سي (MAM-C) و إم إيه إم-إل (MAM-L) و إم إيه إم-تي (MAM-T)؛ ونظام الصواريخ المضادة للدبابات إل-يو إم تي إيه إس (L-UMTAS).
والواقع أن الاتفاق مع أنقرة يُنظر إليه على أنه أقل إشكالية من الناحية السياسية من الاتفاق مع روسيا أو الصين، لأنه يثير مخاوف أقل عند حلفاء مصر من الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن لتركيا استثمارات في قطاعات مثل المنسوجات ومواد البناء والأعمال الزراعية في مصر. حيث تنظر مصر بعين الاستحسان إلى أي استثمار تركي في هذه القطاعات.
وقد فرض الصراع الجاري في أوكرانيا والأزمات الإقليمية الأخرى ضغوطًا إضافية على المالية العامة في مصر. مما دفع القادة المصريّين إلى السعي إلى إيجاد حلول قصيرة الأجل وطويلة الأجل لتجنب الزيادات غير المنضبطة في الأسعار والتضخم الذي قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار. ويُنظَر إلى رواد الأعمال الأتراك في مصر، الذين يتمتع العديد منهم بتاريخ طويل من العمل في البلاد، على أنهم مورد قيّم لزيادة الاستثمار الصناعي في مصر.
تلاقي المصالح بين البلدين وسط التحولات الإقليمية
وبالإضافة إلى العوامل المحلية، فقد ساعد تطوران إقليميان مهمان في التقريب بين تركيا ومصر:
التطور الإقليمي الأول الذي ساعد في التقريب بين تركيا ومصر هو العمل العسكري الذي شنته إسرائيل على غزة ردًا على الهجوم الذي قامت به حماس (على المستوطنات في غلاف غزة) في السابع من أكتوبر 2023م. كان على كل من تركيا ومصر أن تقوما بتوجيه مواقفهما (حيال ما يحدث في غزة) بعناية. ففي الوقت الذي تتعاطف فيه الجماهير التركية والمصرية بشدة مع القضية الفلسطينية، فإن العلاقات المؤسسية الطويلة الأمد بين أنقرة والقاهرة وإسرائيل، وخاصة في مجالات الاستخبارات والأمن، شابها بعض الغموض.
فقد اصطدمت الإدانات القوية التي كان يطلقها الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان والسيسي للأفعال الإسرائيلية في غزة، مدعومة بتصريحات عامة تصدر بشكل منتظم، بحالة من الجمود السياسي والدبلوماسي العام حيال المسألة. لم يؤدِّ هذا النهج غير المتسق إلى إزعاج السكان المحليّين فحسب، بل تسبب أيضًا في حدوث احتكاكات، على الأقل لفظيًّا، مع إسرائيل. وفي محاولة للخروج من هذا الغموض، دعت تركيا ومصر بشكل مشترك إلى وقف إطلاق النار وإيصال مساعدات إنسانية كبيرة للشعب الفلسطيني. ومع ذلك فقد كان موقفهما يبدو مشوبًا بعلامات ضعف.
ومن بين العواقب المترتبة على الصراع في غزة تفاقم انعدام الأمن في البحر الأحمر بسبب الهجمات التي كان يشنها الحوثيون في اليمن على الشحن البحري التجاري. وإذا لم يتم استعادة حرية المرور عبر البحر الأحمر في الأشهر المقبلة، فإن التأثير المترتب على الاقتصاد المصري قد يكون مدمرًا. والواقع أن جزءًا كبيرًا من عائدات مصر (من العملة الصعبة) يأتي من مرور السفن عبر قناة السويس. وبالتالي فإن انخفاض حركة المرور يعني انخفاض تلك العائدات.
التطور الإقليمي الثاني الذي أدَّى إلى تقارب المصالح بين تركيا ومصر هو مذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا وإقليم أرض الصومال الانفصالي المعروف أيضًا بـ “صوماليلاند”. فقد أدَّى الاتفاق بين أديس أبابا وأرض الصومال إلى تكثيف التنافس بين إثيوبيا ومصر. وفي حالة تنفيذ هذا الاتفاق، فسوف يسهّل التجارة بين إثيوبيا وميناء بربرة (الميناء الرسمي لمدينة بربرة، العاصمة التجارية لإقليم صوماليلاند). وهناك أيضًا خطط لإثيوبيا لإنشاء مقر بحري لها على ساحل إقليم أرض الصومال في مقابل الاعتراف باستقلال الإقليم (عن الصومال) وتوفير أسهم لها في الشركات المملوكة للدولة.
وتنظر كل من مصر وتركيا إلى مذكرة التفاهم هذه باعتبارها تطورًا سلبيًّا للمنطقة، وإن كان لأسباب مختلفة. فالجمهورية التركية، التي تربطها علاقات قوية بإثيوبيا، تجد الاتفاق مثيرًا للقلق بسبب الاعتراف المحتمل بإقليم أرض الصومال. حيث كانت أنقرة منخرطة بنشاط في جهود بناء الدولة في الصومال لسنوات عديدة. ومن المنظور التركي، يُعتبَر الحفاظ على سلامة أراضي الصومال أمرًا ضروريًّا لاستقرار البلاد في المستقبل. ويرجع تشدد موقف تركيا في هذه المسألة في المقام الأول إلى اعتبارات سياسية محلية. فالواقع أن القضية الكردية تجبر أنقرة على معارضة أي مطالبات بالاستقلال، بما في ذلك مطالبات أرض الصومال.
وعلى النقيض من ذلك، فإن الشاغل الرئيس لمصر هو إمكانية وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر. حيث اتسعت في الآونة الأخيرة المنافسة بين إثيوبيا ومصر، والتي كانت تقتصر في السابق على حوض النيل. ومع اكتمال بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير، اكتسبت إثيوبيا نفوذًا على مصر من حيث القدرة على توريد الطاقة الرخيصة إلى البلدان الأخرى المتعطشة للطاقة في المنطقة، وبالتالي زيادة نفوذها. ونتيجة لذلك، كان على القاهرة أن تعدل نهجها وتوسع نطاق الصراع.
قام السيسي بتعزيز العلاقات مع العديد من الدول الإقليمية لإنشاء جبهة موحدة ضد إثيوبيا. وانخرطت القاهرة في دبلوماسية مكوكية، بما في ذلك زيارات رفيعة المستوى لقادة في منطقة القرن الإفريقي. وشملت هذه الجهود مشاركة رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في تنصيب حسن شيخ محمود رئيسًا للصومال. كما تمارس القاهرة الضغط المناهض لإثيوبيا في المنظمات الإقليمية والقارية.
ومن ثَمّ، ركزت السياسة الخارجية المصرية في المنطقة تدريجيًّا على البحر الأحمر. حيث كانت مصر تنظر تقليديًّا إلى البحر الأحمر الممتد بين السويس وعدن باعتباره بحيرة مصرية، ولذلك سَعَت القاهرة إلى توسيع نطاق وجودها في منطقة تعتبرها جزءًا من دائرة نفوذها. ورغم أن البعض يَرى أن عجز مصر عن التعامل مع التهديد الحوثي كشف عن ضعف البحرية المصرية، إلا أنها تظل الأكثر تقدمًا وتجهيزًا في المنطقة.
وفي خضم تلك التوترات التي اشتعلت بين إثيوبيا والصومال، سَعَت مقديشو إلى الحصول على الدعم (الخارجي)، ورأت مصر في ذلك فرصة لتأسيس وجود لها في المنطقة. ولذلك سارعت مصر إلى تقديم الدعم الدبلوماسي للصومال، في حين تدخلت تركيا، التي حافظت على توازن دقيق مع إثيوبيا، إلى جانب الصومال من خلال التوقيع على اتفاقية تعاون دفاع مشترك معها. ونتيجة لذلك، وجدت تركيا ومصر نفسيهما على الجانب نفسه بعد مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وإقليم أرض الصومال. حيث أكدت الدولتان دعمهما لسلامة جميع الأراضي الصومالية.
ولكن الاختلافات في دوافع الدولتين ظهرت عندما عارضت مصر دعوة أنقرة للوساطة الدبلوماسية بين إثيوبيا والصومال وتبنت موقفًا متشددًا في ذلك. كما أنه من الممكن أن يؤدي قرار مصر بتوقيع اتفاقية تعاون أمني ودفاعي مع الصومال إلى تفاقم الخلافات القائمة مع تركيا.
وكانت زيارة حسن شيخ محمود إلى القاهرة في شهر أغسطس 2024م بمثابة تمهيد الطريق لتعاون غير مسبوق بين مصر والصومال. وبعد ذلك بفترة وجيزة، أرسلت مصر أول شحنة من الأسلحة الصغيرة والخفيفة والمركبات المدرعة وبضعة ضباط مصريّين، مع خطط لزيادة الانتشار إلى عشرة آلاف جندي في الأشهر المقبلة.
وقد تعارضت مبادرة مصر تلك مع خطط تركيا. ولكن هناك مخاوف أخرى أيضًا. فقد تعثرت محاولات أنقرة للتوسط في الخلافات بين أديس أبابا ومقديشو بشأن اتفاقية الميناء الموقعة مع إقليم أرض الصومال بسبب تشدد موقف الصومال. وقد ساهم الدعم المصري في التشدد الذي أبداه موقف الوفد الصومالي خلال اجتماعات شهر أغسطس 2024م في أنقرة.
ولا تزال هناك مخاوف كثيرة بشأن قرار مصر بإرسال قوات إلى الصومال. ويتلخص أحد هذه المخاوف الرئيسة في ما إذا كانت مصر تتمتع بالقدرة والفعالية اللازمة للحفاظ على وجودها في مثل هذه البيئة المتقلبة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن حرص مصر على قيادة مهمة حفظ السلام المقبلة للاتحاد الإفريقي قد يتعارض مع حقيقةٍ مفادها أن القوات المصرية تفتقر إلى الخبرة العملياتية.
وهناك أيضًا مخاوف بشأن علاقة تركيا بالقوات المصرية على الأرض. فقد ظلت الحكومة التركية هادئة نسبيًّا بشأن قرار مصر بإرسال قوات، ولكنها بدأت تُظهِر استياءها من تصرفات القاهرة. ويَعتقد بعض المسؤولين الأتراك أن تورط مصر أعاق محاولات الوساطة بين إثيوبيا والصومال. ومن منظور تركي، فقد تؤدي تصرفات القاهرة إلى تصعيد التوترات مع إثيوبيا وزعزعة استقرار المشهد السياسي في الصومال، مما يشكل خطرًا أكبر على الاستثمارات السياسية والاقتصادية التركية.
التنافسات الإقليمية والأجندات المتباينة: التحديات التي تواجه التقارب التركي المصري
كان الاتجاه في العلاقات التركية المصرية في الأشهر الأخيرة نحو التطبيع السريع بين البلدين. ومع ذلك، فإن التقارب لا يَعني التغلب على جميع الخلافات حول جميع القضايا الساخنة. ففي بعض القضايا الإقليمية، مثل ليبيا وشرق المتوسط، تظل الدولتان بعيدتين عن بعضهما البعض وتتخذان مواقف متناقضة.
وفي ضوء ما سبق، قد تشكل المناورات السياسية التركية والمصرية في منطقة البحر الأحمر تحديًا جديدًا للتطبيع الكامل للعلاقات الثنائية. ففي بداية الأمر، قدمت الدولتان جبهة موحدة في دعمهما للصومال، وإن كان ذلك بناءً على أجندات أساسية مختلفة. ثم انتهزت مصر الفرصة لفتح جبهة جديدة في نطاق تنافسها مع إثيوبيا. وكانت تركيا بحاجة إلى الحفاظ على التزامها بعملية بناء الأمة الصومالية. ومع ذلك، فقد ظهر تباعد في المواقف بينهما عندما قررت مصر زيادة وجودها العسكري في الصومال.
لذلك، فليس من قبيل المصادفة أن يتزامن انفتاح الصومال وإثيوبيا على خفض التصعيد، المنصوص عليه في إعلان أنقرة، مع الصعوبات التي تواجهها مصر في الحفاظ على التزاماتها تجاه مقديشو. ورغم أن المفاوضات التي ترعاها تركيا بين الصومال وإثيوبيا لا تقدم حلًا نهائيًّا للمشاكل الصومالية الإثيوبية، فإنها على الأقل تعمل كوسيلة لكلا الطرفين للتوقف وربما إعادة التفكير في استراتيجياتهما. ومما لا شك فيه أن الخط الدبلوماسي التركي كان له حتى الآن اليد العليا على التعنت المصري في القضية.
ورغم عدم وضوح ذلك في الوقت الحاضر، فمن المرجح أن يكون لطرفين إقليميّين رئيسين آخرين – السعودية والإمارات – على التطورات المستقبلية. فالحليفان الإقليميان التاريخيان (السعودية والإمارات) على خلاف متزايد بشأن العديد من القضايا، بما في ذلك قضايا السودان واليمن والعلاقات الصومالية الإثيوبية. وقد تتدخل الرياض لدعم الجهود المصرية لإحباط المبادرات الاقتصادية والسياسية الإماراتية (وخاصة ممر أديس أبابا – بربرة).
وقد يؤدي هذا الوضع إلى تقريب تركيا من دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تعاونت معها منذ فترة طويلة فيما يتعلق بإثيوبيا. وسوف تعتمد العديد من التطورات المستقبلية على عدة عوامل، بما في ذلك موقف إدارة ترامب خلال فترة رئاسته الثانية، والاختيارات السياسية للحكومة الجديدة في إقليم أرض الصومال، والتوترات الداخلية المتزايدة في الصومال بين مقديشو والولايات الفيدرالية (مثل جوبالاند، على سبيل المثال)، وكلها ستؤدي إلى خلق مرحلة حرجة في المنطقة. وفي ظل هذه الظروف، فمن المرجح أن تشهد منطقة القرن الإفريقي انسدادًا في العلاقات بين مصر وتركيا، بل أيضًا العودة من جديد إلى الديناميكيات التنافسية الإقليمية.
ومجمل القول، تؤكد الديناميكيات المتغيرة في العلاقات بين تركيا ومصر على الطبيعة المعقدة للسياسة الإقليمية في منطقة القرن الإفريقي. ففي الوقت الذي تسعى فيه كل من الدولتين إلى تحقيق مصالحها، بينما تتعامل مع الضغوط الخارجية، فإن التفاعلات التي تجري بينهما لن تؤثر فقط على علاقتهما الثنائية ولكن أيضًا على الاستقرار الجيوسياسي الأوسع في المنطقة.