مقدمة
يعاني السودان اليوم من كارثة إنسانية تعتبر الأكبر في التاريخ المعاصر. فبحسب البيانات الواردة في تقرير مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها ACLED، فإنه منذ اندلاع القتال بين القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF) وحتى 10 مايو 2024، فقد تمَّ تسجيل 6050 حادث عنف سياسي وأكثر من 16650 حالة وفاة تم الإبلاغ عنها رسميًّا في السودان (ACLED, 2024). تركزت اغلب هذه الحالات في ولاية الخرطوم، التي استأثرت وحدها بأكثر من 3660 حادث عنف سياسي وأكثر من 7050 حالة وفاة. وقد استهدف المدنيّين منها أكثر من 650 حادث عنف وقتل ما لا يقل عن 1470 مدني حتى منتصف شهر ابريل 2024.
كما يلاحظ أن نسبة استهداف المدنيّين في ولاية دارفور يزيد بمقدار الضعف عن باقي الولايات. حيث تمَّ تسجيل 32 بالمئة من إجمالي الوفيات بين صفوف المدنيين (Mahmoud and Eltayeb, 2024).
كما أنه في الفترة ما بين 6 أبريل و10 مايو 2024 لوحظ تركز معظم أعمال العنف في ولايتي شمال دارفور والخرطوم، حيث شهدت كل منهما أكثر من 100 حدث، كما شهدت الولايتان 239 و101 حالة وفاة على التوالي. كما تصاعدت فيهما أحداث العنف ضد المدنيّين، حيث تمَّ تسجيل 160 حالة عنف ضدهم، بالمقارنة بعدد المعارك بين العسكريين والتي سجلت عدد 142 معركة. مقارنة بالأسابيع الأربعة السابقة عليها في شهر مارس 2023، بزيادة نسبتها 30 بالمئة في أعمال العنف ضد المدنيين، حيث ترتكب قوات الدعم السريع معظم هذه الحوادث في ولايتي الجزيرة وشمال دارفور (ACLED, 2024).
وبالإضافة للأعداد الرسمية للوفيات أفادت “الواشنطن تايمز” أن العدد الحقيقي للوفيات والقتلى بلغ 150 ألف شخص لقوا حتفهم منذ اندلاع الصراع العام الماضي، بحسب التقديرات الأمريكية. كما سجلت هيئة الأمم المتحدة أن تسعة ملايين آخرين أجبروا على ترك منازلهم، مما يجعل السودان موطنًا لأكبر أزمة نزوح على وجه الأرض.
وتلوح في الأفق مجاعة يحذر المسؤولون من أنها قد تقتل مئات الآلاف من الأطفال في الأشهر المقبلة، وإذا لم يتم وقفها، فإنها تنافس المجاعة الإثيوبية الكبرى في الثمانينيات (Walsh, 2024).
وبحسب “الفورين أفيرز”، فإن السودان أصبحت موطنًا لما يقرب من 11 مليون نازح – ثلاثة ملايين منهم من الأطفال – بلا مأوى، ويقف سكانها على شفا مجاعة كبرى، بالإضافة إلى انهيار النظام الطبي والذي جعل العدد الحقيقي للقتلى في الحرب غير معروف، كما يتم تدمير العاصمة السودانية الخرطوم منطقة تلو الأخرى (Prendergast, 2024).
وأفادت “النيويورك تايمز، حسب تقديراتها، بفرار ما يقرب من 1.5 مليون لاجئ إلى البلدان المجاورة، وخاصَّة جنوب السودان وتشاد ومصر. وقالت منظمة الصحة العالمية إن نحو 80 بالمئة من المستشفيات في المناطق المتضررة من النزاع أغلقت أبوابها(Cumming-Bruce and Walsh, 2024).
إن ما بدأ في البداية كصراع على السلطة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تحول إلى حرب أهلية جذبت العديد من الميليشيات والجماعات المتمردة، إلى جانب داعميها الأجانب إلى الصراع. وفي حين لا يبدو أن القوات المسلحة السودانية أو قوات الدعم السريع قادرة على استعادة السيطرة على كامل أراضي السودان، فقد استطاعت جهات فاعلة أخرى الاستفادة من هذه المنافسة لتجد لها موطئ قدم في المنطقة.
ومع تصاعد الصراع وتداخل أطراف دولية ذات مصالح استراتيجية سياسية واقتصادية في المنطقة، فشلت تمامًا حتى اليوم الجهود المبذولة لإنهاء الصراع من خلال المحادثات في جدة بوساطة المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، ومبادرة السلام التي تقودها الدول المجاورة بقيادة مصر، وجهود الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية في شرق إفريقيا، والمناقشات في العاصمة البحرينية المنامة (MEMO, 2024).
نظرة على مناطق الصراع
1- الحرب في الخرطوم
خريطة رقم 1 السيطرة الإقليمية في ولاية الخرطوم حتى 15 أبريل 2024

على مدى العام الماضي 2023، كانت مناطق الخرطوم الثلاثة واحدة من أشرس ساحات القتال، حيث اندلع الصراع في 15 أبريل 2023 بوصفه محاولة انقلاب تقليدية، وسرعان ما استولت قوات الدعم السريع على القصر الرئاسي وغيره من البنية التحتية الرئيسة للنقل والاتصالات في جميع أنحاء المدينة.
دافعت القوات المسلحة السودانية بشراسة عن مقر القيادة العامة واستخدمت تفوقها الجوي لقصف مواقع قوات الدعم السريع، مما أجبر عناصرها على استخدام المواقع المدنية كمخابئ وبدء صراع طويل الأمد في شوارع المدينة. وعندما سقطت قاعدة الفيلق الاستراتيجي للقوات المسلحة السودانية في وسط الخرطوم في أيدي قوات الدعم السريع في 30 مايو 2023 تمكنت قوات حميدتي في نهاية المطاف من خنق طرق إمداد القوات المسلحة السودانية.
بعد طردها من معظم المواقع العسكرية في الخرطوم، بما في ذلك مجمع اليرموك العسكري ومقر شرطة الاحتياطي المركزي في يونيو 2023، وجدت القوات المسلحة السودانية نفسها تعتمد في المقام الأول على الحرب الجوية وتواجه سلسلة من النكسات. على النقيض من ذلك، تمكنت قوات الدعم السريع – التي نمت في عهد البشير لتعمل كقوات مشاة سودانية – من التقدم في مدينتي أم درمان وبحري المجاورتين للخرطوم.
بشكل عام، أظهرت قوات الدعم السريع قدرة أعلى على الحركة باستخدام شاحناتها الصغيرة والمدافع الرشاشة المضادة للطائرات، مما يثبت أن إمدادات القوات المسلحة السودانية من المعدات العسكرية الثقيلة غير فعالة في حرب المدن.
وبعد أن أطبقت قوات الدعم السريع على قاعدة المدرعات في جنوب الخرطوم – والتي قاد منها الضباط الانقلابات العسكرية في السودان – أصدرت القوات المسلحة السودانية دعوة للتعبئة العامة. في البداية، لم يدعم القوات المسلحة السودانية سوى أعضاء من قوات الدفاع الشعبي التي تمَّ تفكيكها، وقوات كيان السودان، الإسلاميّين الموالين للحكومة. وكانت الجهات السياسية الفاعلة الأخرى والجماعات المتمردة حذرة بشأن التحالف مع القوات المسلحة السودانية، حيث أصبحت قوات الدعم السريع هي صاحبة اليد العليا. ونتيجة لذلك، بدأت قوات الدعم السريع تتلقى الدعم من قوات درع السودان، وجماعة تمازج المسلحة، والعديد من الميليشيات العرقية (Mahmoud and Eltayeb, 2024).
وبحلول نهاية عام 2023، وسعت قوات الدعم السريع سيطرتها على المحليات القريبة من ولاية الجزيرة في الخرطوم، والتي سيطرت عليها في منتصف ديسمبر2024. وأدى سقوط الجزيرة والعنف الانتقامي الذي شنته قوات الدعم السريع ضد السكان إلى نشر الخوف في الولايات والمجتمعات المحلية المتبقية التي تسيطر عليها القوات المسلحة السودانية.
وردًّا على تقدم قوات الدعم السريع، حشدت ميليشيات عرقية وأخرى مجتمعية ضد قوات الدعم السريع، مما شجع القوات المسلحة السودانية على تجديد دعوة التعبئة العامة. وقامت القوات المسلحة السودانية بتسليح وتدريب هذه الميليشيات المتحالفة معها حديثًا من خلال دمجها في تحالف القوات المسلحة السودانية، الذي يُطلق عليه “المقاومة الشعبية” أو “الحشد الشعبي”.
ساعدت هذه الخطوة الاستراتيجية القوات المسلحة السودانية على تحقيق مكاسب إقليمية كبيرة في الخرطوم (انظر خريطة رقم 1). وبذلك استطاعت القوات المسلحة السودانية كسر الحصار على قواتها والاستيلاء على أم درمان القديمة من قوات الدعم السريع.
ومؤخرًا، في 7 أبريل 2024، اشتد القتال في الجزيرة مع تقدم القوات المسلحة السودانية في الولاية للوصول إلى محلية أم القرى، على بعد حوالي 30 كيلومترًا شرق عاصمة الولاية ود مدني(Mahmoud and Eltayeb, 2024).
وقد اجتذبت الانتصارات الأخيرة التي حققتها القوات المسلحة السودانية في أم درمان الدعم من مختلف الجماعات المتمردة والميليشيات العرقية. وتَخرَّج العشرات من المتطوعين الجدد من معسكرات التدريب العسكري التي افتتحت في المناطق التي تسيطر عليها القوات المسلحة السودانية منذ نداء التعبئة، في حين أن الجماعات المتمردة التي حملت السلاح ضد قوات الدعم السريع – مثل فصيل ميناوي من جيش تحرير السودان وحركة العدالة والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم – نشرت قوات ضد قوات الدعم السريع، مع تحول المد لصالح القوات المسلحة السودانية. وقد سبق أن حاربت هذه الجماعات نفسها القوات المسلحة السودانية في صراع دارفور في أوائل العقد الأول من هذا القرن، لكن توقيعها على اتفاق جوبا للسلام في عام 2020 سمح لها بالوصول إلى المناصب السياسية والسلطة (Ibid.).
كما شهدت هذه الفترة كذلك تحولًا نحو ضم المزيد من الجماعات المسلحة في الحكومة المتنازع عليها، وتهميش المدنيّين، ورفع مستوى الجماعات المتمردة السابقة كحلفاء سياسيّين جدد للنخب العسكرية وخاصة القوات المسلحة السودانية.
ونتيجة لذلك، ظهرت جماعات متمردة جديدة في المناطق الوسطى لموازنة الجماعات المتمردة السابقة التي تمثل مناطق جنوب وغرب السودان. على سبيل المثال، عارضت قوات درع السودان، التي تأسست في أواخر عام 2022، اتفاق السلام الشامل وكانت تهدف إلى حماية مصالح سكان المناطق الوسطى والشمالية. على الرغم من هدفها الأولي، تحالفت قوات درع السودان مع قوات الدعم السريع، بقيادة أبوعاقلة كيكل، الذي قاد هجمات قوات الدعم السريع في الجزيرة وتولى فيما بعد قيادة الفرقة الأولى مشاة التي تمَّ الاستيلاء عليها في ود مدني.
وتؤكد هذه التعبئة واسعة النطاق للميليشيات والفصائل المتمردة والجماعات شبه العسكرية لدعم القوات المسلحة السودانية على الديناميكيات المتغيرة في السودان، حيث يسعى كل فصيل إلى وضع نفسه في النظام السياسي والعسكري الجديد(Mahmoud and Eltayeb, 2024).
بينما واصلت قوات الدعم السريع انتهاكاتها غير المبررة ضد المدنيّين في الجزيرة. كان آخرها يوم 5 يونيو 2024، حينما اقتحمت قوات الدعم السريع قرية في منطقة الجزيرة، وقتلت نحو 100 شخص في الهجوم. وقال محافظ الجزيرة، الطاهر إبراهيم الخير، لوكالة السودان للأنباء الرسمية، إن الانتهاكات الوحشية التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في منطقة “ود النورة” وما حولها تشكل جريمة حرب شاملة. وأضاف أن المليشيات تواصل حربها اليومية ضد المواطنين. وأنهم يُخضعون الناس لأقسى أنواع التعذيب وينهبون كافة ممتلكاتهم (MEMO, 2024)
إلَّا أن تقرير الأمم المتحدة خلص إلى أن كلا الجانبين اعتقل مدنيّين، بينهم نساء وأطفال، وقاموا في كثير من الأحيان بتعذيب مَن يشتبه في تعاونهم مع أعدائهم. لكنها قالت إن الغالبية العظمى من الاعتداءات الجنسية يبدو أنها نفذتها قوات الدعم السريع والميليشيات التابعة لها، واستشهدت بحادثة واحدة تمَّ فيها احتجاز ضحية واغتصابها جماعيًّا على مدار 35 يومًا على يد قوات الدعم السريع. وذكر التقرير أن ضحايا آخرين قتلوا أثناء محاولتهم منع المقاتلين من الاعتداء على أفراد عائلاتهم، وأن أفراد المجموعات العرقية الإفريقية تمَّ استهدافهم بشكل خاص من قبل المقاتلين المرتبطين بقوات الدعم السريع من خلفيات عربية عرقية.
وفي تقرير تمَّ تقديمه إلى مجلس الأمن في يناير 2024، وحصلت عليه صحيفة “نيويورك تايمز”، قدَّر محققو الأمم المتحدة أن ما يصل إلى 15 ألف شخص قتلوا خلال هجوم واحد فقط شنته قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة في مدينة الجنينة بدارفور في نوفمبر2023.
وردًّا على قوات الدعم السريع. ومع تقدم السودان، ألقى الجيش السوداني براميل متفجرة خام على المنازل والمخيمات في إقليمي دارفور وكردفان، مما أدى في كثير من الأحيان إلى مقتل عشرات المدنيّين في وقت واحد(Cumming-Bruce and Walsh, 2024).
2 – الجيش السوداني يقترب من الدعم السريع في الجيلي
وفي ولاية الخرطوم، تواصل القوات المسلحة السودانية ولواء البراء بن مالك وفصيل ميناوي التابع لحركة جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة التضييق على مصفاة الجيلي للبترول التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع. وقد كانت قوات الدعم السريع سيطرت على المصفاة بعد وقت قصير من اندلاع الحرب في 25 أبريل 2023، ومنذ ذلك الحين، اندلعت الاشتباكات في المنطقة بشكل شهري تقريبًا.
وبعد تخليها عن الحياد، تمَّ نشر العديد من الحركات المسلحة داخل القوات المشتركة في دارفور، بما في ذلك حركة جيش تحرير السودان (فصيل ميناوي)، وحركة العدل والمساواة (فصيل جبريل إبراهيم)، للقتال على الخطوط الأمامية في ولايتي الخرطوم والجزيرة وما حولهما لدعم القوات المسلحة السودانية بعد سقوط الجزيرة في يد قوات الدعم السريع في ديسمبر 2023.
وفي 19 أبريل 2024، أصدرت القوات المشتركة لدارفور بيانًا أعلنت فيه بدء معارك “التحرير” والتي كان الغرض منها تحرير المصفاة من قوات الدعم السريع. بعد هذا البيان، استولت القوات المسلحة السودانية وحلفاؤها على مواقع رئيسة كانت في يد الدعم السريع بالقرب من مصفاة التكرير، مثل معسكر قوات الدعم السريع القريب من جبل الجاري في 19 أبريل 2024 ومبنى المخابرات العامة في 26 أبريل 2024 (ACLED, 2024).
أتاحت التحركات نحو مصفاة البترول من ثلاث اتجاهات للقوات المسلحة السودانية تطويق قوات الدعم السريع، على غرار حصار مباني هيئة الإذاعة والتلفزيون بأم درمان التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع في فبراير2024، عندما قطعت القوات المسلحة السودانية تدريجيًّا طرق الإمداد والتعزيزات لقوات الدعم السريع. وتدعي القوات المسلحة السودانية أنها ألحقت خسائر مادية كبيرة ووفيات في صفوف قوات الدعم السريع أثناء تقدمها من المعاقل في الشمال، والكدرو في الجنوب، وحطّاب في الشرق. وأضعفت دفاعات الخطوط الأمامية لقوات الدعم السريع.
هذا ويبدو في الأخير أن القوات المسلحة السودانية تتزايد استفادتها وسيطرتها أمام تراجع وتشتت قوات الدعم السريع، خاصَّة في أعقاب سيطرة القوات المسلحة السودانية على أراضٍ في الخرطوم مؤخرًا، وكذلك إذا نجحت القوات المسلحة في السيطرة على مصفاة الجيلي، فسوف يكون في استطاعتها قطع خطوط الإمداد عن معاقل قوات الدعم السريع في جميع أنحاء الخرطوم (ACLED, 2024).
3 – الحرب في دارفور
خريطة رقم 2 السيطرة الإقليمية وأحداث العنف السياسي في حواضر دارفور حتى 15 أبريل 2024

وجهت قوات الدعم السريع اهتمامها إلى دارفور، مهد ميليشيات الجنجويد، في وقت مبكر من الصراع، حيث أصبح الصراع بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية متشابكًا في الفسيفساء العرقية في المنطقة. وقد تجلت المظالم التاريخية بين المساليت والميليشيات العربية في غرب دارفور حتى قبل اندلاع الصراع. بعد فترة وجيزة من اندلاع الاشتباكات بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، سرعان ما تحول الصراع في غرب دارفور إلى مواجهة بين الميليشيات العربية المدعومة من قوات الدعم السريع والميليشيات العرقية المساليت المدعومة من قوات التحالف السوداني. استمرت هذه الاشتباكات من أبريل إلى يونيو 2023، وبلغت ذروتها عند اغتيال خميس أبكر، زعيم قوات التحالف السوداني ذات الأغلبية المساليت والذي كان حاكمًا لغرب دارفور منذ عام 2020، عندما قامت قوات الدعم السريع بتعيين حكومة بديلة في غرب دارفور، بقيادة حلفائها المحليّين.
استهدفت قوات الدعم السريع السكان المساليت في غرب دارفور بشكل منظم، ما أدى إلى نزوح جماعي لشعب المساليت والإرينجا إلى تشاد. وقد وصف خبراء الأمم المتحدة تصرفات قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها بأنها جرائم حرب محتملة وجرائم ضد الإنسانية.
وكذلك يمكن تسجيل حالات قتل بدوافع غير عرقية بين الميليشيات العرقية العربية وبعضها داخل معسكر قوات الدعم السريع في دارفور في سبيل تحقيق أكبر مكاسب من الصراع القائم، ففي عدة مناسبات، اندلعت اشتباكات عنيفة بين الميليشيات العرقية العربية، مثل الاشتباكات بين السلامات وبني هلبة في جنوب دارفور والتي استمرت لعدة أشهر. وعلى الرغم من كونهما حليفين لقوات الدعم السريع، إلَّا أن التنافس على الوصول إلى الأراضي والموارد أشعل الصراع بينهما.
ومع أن قوات الدعم السريع اعتمدت عادة على الولاء القبلي في تجنيد عناصرها إلَّا أنه من الواضح أن قادتها لم يتمكنوا من السيطرة على الميليشيات المتحالفة معهم على المستوى المحلي(Mahmoud and Eltayeb, 2024).
كما تحولت ولاية جنوب دارفور إلى بؤرة للصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. وتعد نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، المدينة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في السودان خارج الخرطوم والمركز الاقتصادي للمنطقة، مما يجعلها موقعًا عالي القيمة لكلا الطرفين. وبعد إرهاق القوات المسلحة السودانية بهجمات شبه يومية، استولت قوات الدعم السريع على فرقة المشاة السادسة عشرة في 26 أكتوبر 2023، والتي كانت نقطة التحول لانهيار القوات المسلحة السودانية في المنطقة. وفي أقل من شهر، استولت قوات الدعم السريع على فرق المشاة التابعة للقوات المسلحة السودانية في المدن الكبرى المتبقية. وهذا يترك الفاشر – عاصمة شمال دارفور حيث لجأ العديد من النازحين – باعتبارها عاصمة الولاية الوحيدة المتبقية في دارفور التي لم تسقط في أيدي قوات الدعم السريع (انظر الخريطة رقم 2).
ومنذ فبراير 2024، كثفت القوات المسلحة السودانية هجماتها وضرباتها الجوية في الفاشر، ويبدو أن قوات الدعم السريع تتجنب التعامل مع الجهات الفاعلة الأخرى بسبب النظام الدقيق الذي يسود المدينة، حيث أعلنت جماعات متمردة سابقة، وكذلك ميليشيات الزغاوة العرقية، التعبئة العامة تحسبًا لأي هجوم محتمل لقوات الدعم السريع على الفاشر. إلَّا أن المنافسة بين هذه المجموعات تقوض استقرار هذا التحالف. فخلال المراحل الأولى من الصراع، شكل الموقعون على اتفاق جوبا للسلام قوة حماية مشتركة محايدة في دارفور، والتي كانت تهدف إلى حماية المدنيين والممتلكات. وقد انقسمت هذه القوة الآن، حيث تدعم بعض المجموعات القوات المسلحة السودانية بينما تختار مجموعات أخرى البقاء على الحياد. كذلك انفصلت الجماعات المحايدة وشكلت قوة حماية خاصة بها، لكن بعض قادتها العسكريّين انضموا إلى التعبئة في الفاشر على الرغم من موقف قيادتهم السياسية في أبريل 2024.
وفي الوقت نفسه، قامت حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، بتوسيع سيطرتها خلال جبل مرة، وهي منطقة جبلية تمتد عبر الحدود بين شمال ووسط وجنوب دارفور. وعلى عكس الجماعات الأخرى، لم توقع حركة جيش تحرير السودان التابع لعبد الواحد نور أي اتفاق مع الحكومة الانتقالية، ويستمر في البقاء على الحياد على الرغم من نشر قوات في الفاشر وتحذيره من هجمات قوات الدعم السريع(Mahmoud and Eltayeb, 2024).
4 – هجمات على أساس عرقي في شمال دارفور
وفي 14 أبريل 2024 سيطرت قوات الدعم السريع على مدينة مليط، التي تقع على بعد 60 كيلومترًا شمال شرق الفاشر، بعد اشتباكها مع تحالف من الجماعات المتحالفة مع القوات المسلحة السودانية. وذلك يعني تمكن قوات الدعم السريع من شق طريق إلى ليبيا لتوصيل الإمدادات، والوصول إلى الولاية الشمالية التي تسيطر عليها القوات المسلحة السودانية، والتي تستضيف فرقة المشاة التاسعة عشر التابعة للجيش. وقد أشعلت حملة قوات الدعم السريع على مليط شرارة أعمال عنف مكثفة بالقرب من الفاشر، وحوادث في 13 قرية في المناطق المحيطة بها، مع استهداف متكرر للمدنيّين. ففي الفترة ما بين 4 أبريل و10 مايو تمَّ الإبلاغ عن وقوع 20 هجومًا على المدنيّين، بما في ذلك عمليات القتل خارج القانون والتعذيب وتدمير الممتلكات والنهب على نطاق واسع. وقد استهدف العنف مجتمعات الزغاوة العرقية غير العربية وأظهر تكتيكات مماثلة لتلك التي تمَّت خلال حملة مكافحة التمرد في عام 2003 عندما استهدف الجنجويد المجموعات العرقية غير العربية في دارفور مثل المساليت والزغاوة.
وبعد سقوط أربع ولايات من أصل خمس في دارفور في أيدي قوات الدعم السريع في نوفمبر 2023، بدأت بعض الجماعات المتمردة والميليشيات العرقية في دارفور بالحشد لدعم القوات المسلحة السودانية للدفاع عن الفاشر، كان من بينها فصائل ميناوي وعبد الواحد نور ومصطفى تمبور التابعة لحركة جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة.
من المرجح أن تتصاعد الهجمات العرقية التي تشنها قوات الدعم السريع والميليشيات العربية المتحالفة معها لسببين: الأول أن مجتمعات الزغاوة في شمال دارفور تعمل كمعقل لفصيل ميناوي المناوئ لقوات الدعم السريع. والثاني أنه في 24 أبريل 2024 أعلنت إدارة الزغاوة الأهلية الحرب على قوات الدعم السريع وعرضت موعدًا نهائيًّا للعفو عن أبناء الزغاوة المنسحبين من قوات الدعم السريع. ومع ذلك قد تتخلى قوات الدعم السريع عن هجماتها الانتقامية التي تستهدف المجتمعات غير العربية إذا استنفدت معارك الفاشر المستمرة قدرتها وأجبرتها على التعبئة مرة أخرى نحو المدينة للحصول على تعزيزات (ACLED, 2024).
5 – معركة السيطرة على الفاشر وتغير التحالفات
استمرت خلال شهر أبريل 2024 الاشتباكات بين القوات المسلحة السودانية مسنودة بقوات دارفور المشتركة في جهة وقوات الدعم السريع في الجهة الأخرى للسيطرة على معسكر الفرقة السادسة مشاة التابعة للقوات المسلحة السودانية بالفاشر. وتستخدم القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة لدارفور استراتيجية هجومية في الفاشر، حيث تحولت إلى التعبئة الجماعية للقوات والغارات الجوية والقصف المستمر. ومن جانبها، تعمل قوات الدعم السريع على تعزيز صفوفها بالميليشيات العربية المتحالفة معها والتي تتحرك من ولايات دارفور الأربع لتنفيذ هجوم متعدد الجبهات. وخلال الفترة من 6 أبريل إلى 10 مايو 2024 تمَّ الإبلاغ عن اشتباكات وأعمال عنف عن بعد، مثل الغارات الجوية، بين الأطراف المتحاربة في محليات الفاشر ومليط وكتم وطويلة ودار السلام وقبقابية في شمال دارفور (انظر الخريطة رقم 3).
خريطة رقم 3 أعمال العنف السياسي في شمال دارفور في الفترة من 6 أبريل إلى 10 مايو 2024

إن الأساس الذي يجري وضعه لمعركة شاملة في الفاشر ينذر بسيناريو حرب حضرية مدمرة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الوضع الإنساني المتردي بالفعل في مدينة يسكنها 1.5 مليون مدني، بما في ذلك 800 ألف شخص نزحوا داخليًّا بسبب حرب دارفور منذ أبريل 2023. ومع تمركز قوات الدعم السريع على مشارف مدينة الفاشر وسهولة الوصول إلى القرى الريفية، يظل المدنيون محاصرين ومعرضين للخطر الشديد. علاوة على ذلك، وفي أعقاب التصاعد الأخير في أعمال العنف التي تستهدف غير العرب في شمال دارفور، هناك خطر وقوع هجمات انتقامية ضد المدنيّين العرب من قبل الجماعات المسلحة غير العربية، خاصَّة بعد أن أعلنت إدارة الزغاوة الأهلية الحرب على قوات الدعم السريع في 24 أبريل2024. على سبيل المثال، في 16 أبريل قتلت القوات المشتركة أربعة من الرعاة العرب بعد هجمات قوات الدعم السريع على مستوطنات الزغاوة. وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن تستمر القوات المسلحة السودانية في تكثيف قصفها الجوي في المنطقة بينما تقوم القوات المشتركة بعمليات توغل برية واشتباكات مع قوات الدعم السريع، حيث غالبًا ما يقع المدنيون في مرمى نيران الغارات الجوية ونيران المدفعية. ولا يزال الوضع متقلبًا حيث لا تزال قوات الدعم السريع متمركزة حول الفاشر، وتتمركز القوات المسلحة السودانية للدفاع عن المدينة.
وتؤدي النتيجة المحتملة للاشتباكات أيضًا إلى إثارة الانقسامات والاقتتال الداخلي بين الجماعات المختلفة في شمال دارفور. حيث تمَّ تسجيل أربع حالات على الأقل من الاقتتال الداخلي في شمال دارفور منذ إعلان القوات المشتركة في دارفور في 11 أبريل أنها ستدعم القوات المسلحة السودانية، مقارنة بحالة واحدة فقط في الأشهر الـ 12 السابقة على ذلك التاريخ. وقد تمَّ إنشاء مظلة القوات المشتركة لدارفور كقوة محايدة تتكون من الموقعين على اتفاق جوبا للسلام لعام 2021 وانتشرت في 27 أبريل 2023 لحماية المدنيين في الفاشر. ومع ذلك، في العام الماضي، قام العديد من أعضاء القوات المشتركة بتغيير تحالفاتهم. مثل هذه الانقسامات بين الإدارات الأهلية والجماعات المسلحة تزيد من تعقيد مشهد الصراع ومحادثات السلام، حيث أنها تقدم جهات فاعلة جديدة لها أجنداتها الخاصة (ACLED, 2024).
6 – الحرب في كردفان
إن موقع منطقة كردفان الاستراتيجي بين دارفور والمنطقة الوسطى – بما في ذلك الخرطوم – جعل منها نقطة محورية للأطراف المتحاربة التي تسعى إلى السيطرة على الموارد الحيوية وطرق الإمداد، وبالتالي ساحة معركة حاسمة، وكثيراً ما اجتذبت الجماعات المسلحة مجندين من مجتمعات كردفان المتنوعة، مما أثار منافسات عرقية وصراعات محلية (انظر الخريطة رقم 4).
خريطة رقم 4 السيطرة الإقليمية وأحداث العنف السياسي في حواضر كردفان حتى 15 أبريل 2024

في 15 أبريل 2023، اندلعت اشتباكات بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في شمال كردفان وجنوب كردفان وغرب كردفان. وفي الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، يهدد وجود القوات المسلحة السودانية طريق الإمداد الأساسي لقوات الدعم السريع من دارفور إلى الخرطوم. وخلافًا لما حدث في دارفور، اختارت بعض المجتمعات العربية في شمال كردفان، مثل بني جرار والحمر، التحالف مع القوات المسلحة السودانية بدلًا من قوات الدعم السريع. ولم تنحاز المجتمعات العربية الأخرى، مثل دار حامد وكبابيش والجوما، إلى أي من الطرفين، لكنها قررت حمل السلاح لحماية نفسها من هجمات قوات الدعم السريع. وإدراكًا للأهمية الاستراتيجية لهذه المناطق وامتلاكها لمعدات عسكرية ثقيلة، اختارت قوات الدعم السريع عدم تصعيد الصراع مع هذه الميليشيات. وظلت البلاد هادئة نسبيًّا طوال فترة النزاع، وذلك لأن خط الأنابيب الذي ينقل النفط الخام من جنوب السودان يعبر عبر الولاية. وعلى الرغم من وقوع اشتباكات متقطعة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في مدن مثل الفولة والخوي والنهود، نجحت الإدارة الأهلية للمسيرية العربية في التوسط لتهدئة التوترات والحفاظ على السلام طوال عام 2023. ولكن تغير هذا في يناير عام 2023 عندما صارت مدينة بابنوسة، التي تضم فرقة المشاة 22 التابعة للقوات المسلحة السودانية، مسرحًا لاشتباكات عنيفة بين الطرفين المتحاربين. ويمكننا ملاحظة ميل القوات المسلحة السودانية، والآن قوات الدعم السريع أيضًا، إلى الاستفادة من التوترات القبلية المحلية للتجنيد ومكافحة التمرد في المنطقة – وهي استراتيجية موروثة من نظام البشير السابق.
وفي جنوب كردفان، تركزت الاشتباكات بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في المقام الأول في الدلنج وكادوقلي. ومع ذلك، في بداية يونيو 2023، بدأ فصيل عبد العزيز الحلو التابع للحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال، وهي جماعة متمردة مؤثرة ليست جزءًا من الجيش الشعبي المشترك، في التوسع شمالًا من أراضيه في الأجزاء الجنوبية من جنوب كردفان. ودفع هذا التوسع قوات الدعم السريع إلى الانسحاب من المنطقة المحيطة بمدينة كادوقلي، واقتصر تواجدها على منطقة القوز الشمالية، حيث حاولت السيطرة على الدلنج. ثم قام فصيل الحلو بحصار القوات المسلحة السودانية في كادوقلي بهدف السيطرة على المدينة. وتصاعدت حدة العنف العرقي في جنوب كردفان بعد سيطرة قوات الدعم السريع على هبيلة في أواخر ديسمبر 2023، مما أدى إلى اشتباكات بين القوات المسلحة السودانية وفصيل الحلو ضد قوات الدعم السريع. ويلاحظ أنه تاريخيًّا كانت القوات المسلحة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال متنافسين، ولم يكن اصطفافهما ضد قوات الدعم السريع خلال هذه الاشتباكات خيارًا سياسيًّا أو استراتيجيًّا، بل كان مدفوعًا بالانتماءات العرقية، حيث تحالفت ميليشيا الحوازمة العربية مع قوات الدعم السريع ضد النوبة غير العربيّين، الذين تمَّ تجنيدهم في كل من القوات المسلحة السودانية وفصيل الحلو التابع للحركة الشعبية لتحرير السودان.
وكما هو الحال في دارفور، فإن الجماعات المتمردة والميليشيات العرقية في كردفان تمتلك القدرة على الوصول إلى الأسلحة وبالتالي إلى السلطة. لكن كيفية اصطفاف هذه الجماعات تختلف عن الديناميكيات السائدة في دارفور.
وفي بعض المناطق مثل شمال كردفان، تحالفت المجموعات العربية – المرتبطة عادة عرقيًّا بقوات الدعم السريع – بشكل غير متوقع مع القوات المسلحة السودانية أو ظلت محايدة. وتتوخى هذه الميليشيات الحذر بشأن الانخراط في أعمال عنف ضمن مسار غير متوقع، لكنها تتمتع بنفوذ كبير على مناطقها، ويتيح الفوز بها للأطراف المتحاربة ترجيح كفة ميزان الصراع لصالحها (Mahmoud and Eltayeb, 2024).
تحديد الولاءات المتغيرة
بعد عام من الحرب، يجد السودان نفسه متخندقًا بعمق في عسكرة المجتمعات المحلية – وهي ديناميكية من غير المرجح أن يتم عكسها على المدى القصير. فالمجتمعات التي كانت تعيش في سلام في السابق، حملت الآن السلاح للدفاع عن نفسها ضد قوات الدعم السريع، مما يمثل تحولًا كبيرًا عن الماضي. لعقود من الزمن، دارت السياسة السودانية حول الصراع بين المركز (الذي يجسده الجيش) والجماعات المتمردة في الأطراف، والتي كانت بمثابة هياكل بالوكالة قادرة على احتكار العنف وتأمين الأجندات السياسية. ولكن في السودان اليوم، أصبح العنف أكثر لا مركزية إلى حد كبير، حيث تعتمد المجتمعات المحلية والجهات الفاعلة الوطنية المسلحة ذاتيًّا بشكل كبير على وكلائها المحليّين لتحقيق النصر العسكري.
ومع استمرار القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تعمل قوات الدعم السريع على ترسيخ سلطتها من خلال استبدال السلطات السابقة بالنخب المحلية المتحالفة معها. وقد تكون رؤية قوات الدعم السريع للحكم أكثر قابلية للتحقيق في إقليم دارفور، حيث تعتمد تحالفاتها على أساس عرقي إلى حد كبير، لكنها قد تحتاج إلى الاعتماد على أساليب أخرى في أماكن أخرى من السودان.
على سبيل المثال، في 26 مارس 2024 عينت قوات الدعم السريع حكومة إدارة مدنية في الجزيرة بقيادة عضو محلي في حزب الأمة القومي، وهو جزء من تحالف التقدم المدني المناهض للحرب. أثار هذا التعيين انقسامات داخلية في الحزب، حيث انتقد بعض أعضاء حزب الأمة القومي انحياز التقدم تجاه قوات الدعم السريع وزيادة الانقسام داخل التحالف المدني. كذلك أدى هذا التعيين إلى اتساع الفجوة بين المدنيّين والقوات المسلحة السودانية، حيث اتهم الجيش التحالف المدني بالانحياز إلى قوات الدعم السريع، وأعلن الجيش السوداني في 25 مارس 2024 أنه سيرفض المشاركة في أي اتفاق لتقاسم السلطة مع الأحزاب السياسية المدنية وسيشكل بدلًا من ذلك حكومة انتقالية تكنوقراطية.
وعلى الرغم من ظهور خلافات داخل قيادة القوات المسلحة السودانية بشأن القوة الفعالة التي حشدتها المقاومة الشعبية، إلَّا أن القوات المسلحة السودانية كثفت حملات التجنيد في المناطق الخاضعة لسيطرتها. ويشير مسار الصراع إلى أن السيطرة على هذا الكيان الهائل ودمجه سيكون مهمة صعبة، إذ تضع المقاومة الشعبية عقبات كبيرة أمام استيعابها في هيكل القوات المسلحة السودانية واستراتيجيتها.
كما يمكن رصد اندلاع اشتباكات بين الحين والآخر بين حلفاء القوات المسلحة السودانية، مثل حركة تحرير السودان- جيش تامبور، وحركة تحرير السودان- جناح ميناوي، وكلاهما فصيلان متمردان سابقان متحالفان حاليًا مع القوات المسلحة السودانية. وبينما تتزايد تعبئة القوات المسلحة السودانية، في آخر مارس 2024 حذر شمس الدين كباشي، النائب الثاني للقائد العام للقوات المسلحة السودانية، من أن جماعات المقاومة الشعبية ستشكل خطرًا جديدًا ما لم تتم السيطرة عليها بشكل أفضل (Mahmoud and Eltayeb, 2024).
الأطراف الدولية وتأجيج الحرب الأهلية في السودان
تحت عنوان “المال القذر وتدمير السودان”، وصفت صحيفة “فورين أفيرز” الحرب الأهلية السودانية الحالية بأنها ليست مجرد تكرار للتوترات القديمة، حيث انضم لاعبون دوليون جدد للمعركة ما ساهم في تعقيد الصراع. وأوضحت الصحيفة أن بعض دول الشرق الأوسط وجدت فرصًا مغرية بشكل خاص لاستغلال الموارد الطبيعية للسودان، والوصول إلى موانئه على طول البحر الأحمر، واستخدامها كقاعدة لمحاربة الحوثيّين في اليمن، وسحق الجهود المؤيدة للديمقراطية، واللعب على تعزيز يد الجماعات الإسلامية أو المناهضين للإسلاميّين. وكذلك أصبح تصدير الذهب بشكل غير مشروع مصدرًا رئيسًا لتمويل الحرب، إذ تشتري مصر الآن الذهب القادم من المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوداني، كما أصبحت الإمارات العربية المتحدة وجهة للذهب المستخرج من المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، ويُزعَم بحسب الصحيفة أن الإمارات تقوم بتسليم الأسلحة إلى قوات الدعم السريع. كما تسهل شركة فاغنر شبه العسكرية الروسية عمليات شراء واسعة النطاق للذهب الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وتزود قوات الدعم السريع بالمساعدات العسكرية مثل صواريخ أرض جو، كذلك صارت إيران موردًا مهمًّا للأسلحة للقوات المسلحة السودانية (Prendergast, 2024).
وبحسب “نيويورك تايمز”، فإن انتقادات المسؤولين الأميركيّين تزايدت تجاه دولة الإمارات، باعتبارها أكبر راعي أجنبي للحرب الأهلية في السودان، ولديها مصالح واسعة في مجال الذهب والزراعة في السودان، وقد كانت قبل الحرب وقعت اتفاقًا لبناء ميناء بقيمة 6 مليارات دولار على البحر الأحمر. ومنذ العام الماضي، قامت بتهريب الأسلحة إلى قوات الدعم السريع. (Walsh, 2024)
الذهب ودور القوى الخارجية
وفقًا لمجلس الذهب العالمي، احتلت السودان في عام 2022 المركز السادس عشر بين أكبر منتج للذهب في العالم ورابع أكبر منتج للذهب في إفريقيا، بعد غانا ومالي وجنوب إفريقيا. وقد سيطر قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو – تاجر الإبل السابق المعروف باسم حميدتي – على العديد من مناجم الذهب في السودان بعد أن أصبح مقربًا من عمر البشير، رئيس الدولة لمدة 30 عامًا. وبحلول أواخر عام 2010، جعلت تجارة الذهب من حميدتي أحد أغنى الرجال في البلاد بعد الاستيلاء على أحد أكثر المناجم ربحية في السودان في عام 2017، واستخدم حميدتي تلك الثروة في تعزيز مكانته الرائدة في النظام السياسي في البلاد. ومع تزايد دوره في تجارة الذهب، تعمقت علاقاته مع قادة دبي، وصارت الاعتمادية بين حميدتي والإمارات قائمة منذ ذلك الحين. وبدءًا من منتصف العقد الأول من القرن الحالي، قام حميدتي بتزويد قوات المرتزقة للقتال نيابة عن مصالح الإمارات في كل من ليبيا واليمن.
الدور الإماراتي
وفقًا لـ”فورين أفيرز”، فقد خلص تقرير حديث للأمم المتحدة إلى أن الإمارات تساعد قوات الدعم السريع من خلال تلقي الذهب الذي تقوم الشركات الخاضعة للعقوبات بتهريبه بشكل غير مشروع إلى خارج السودان – غالبًا بالشراكة مع الشركات التابعة لفاغنر- وغسله وضخه في سوق الذهب الدولية. وكذلك توصلت لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بالسودان إلى أن الإمارات تدعم قوات الدعم السريع عسكريًّا، في انتهاك لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة. إذ في بداية الصراع الحالي، كانت القوات المسلحة السودانية أفضل تسليحًا من قوات الدعم السريع، ولم يكن من الممكن أن تستمر الحرب الأهلية السودانية كل هذه المدة دون مساعدة الإمارات العربية المتحدة لقوات الدعم السريع. وأفادت الأمم المتحدة ووسائل إعلام متعددة أن الإمارات تقدم مساعدة عسكرية مباشرة لقوات الدعم السريع في شكل مدافع هاوتزر، وأنظمة صواريخ متعددة الإطلاق، وطائرات مقاتلة بدون طيار، وصواريخ أرض جو محمولة. وقد مكنت هذه المساعدات قوات الدعم السريع من تغيير ميزان القوى لصالحها في أجزاء كثيرة من السودان، بما في ذلك الخرطوم وأماكن رئيسة في الشرق مثل عاصمة ولاية الجزيرة، سلة غذاء البلاد (Prendergast, 2024).
وبحلول أواخر عام 2023، سقطت أربع من الولايات الخمس في منطقة دارفور في أيدي قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًّا، والتي دمرت قواتها وأحرقت القرى، وارتكبت اعتداءات جنسية وعمليات قتل جماعي، وعرقلت إيصال المساعدات الإنسانية.
وخلال النصف الثاني من عام 2023، سعت نائبة الرئيس الأمريكي كامالا هاريس، ووزير الخارجية أنتوني بلينكن، ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان، ومسؤولون أمريكيون آخرون إلى إجراء محادثات مع قادة الإمارات، وحثهم على التوقف عن دعم قوات الدعم السريع. لكن هذه المساعي لم تُحدث أي تغيير في سياسة الإمارات تجاه السودان. وقد تمَّ توبيخ دولة الإمارات العربية المتحدة مرارًا وتكرارًا بسبب غسيل الأموال وواردات الذهب غير المشروعة.
في ديسمبر 2022، أضاف الاتحاد الأوروبي الإمارات العربية المتحدة إلى قائمة “الولاية القضائية للدول الثالثة عالية المخاطر”، وهو التصنيف الذي يتطلب من المؤسسات المالية الأوروبية تعزيز العناية الواجبة بشأن المعاملات الناشئة من دول محددة. وفي وقت سابق من العام نفسه، وضعت فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية (FATF)، وهي الهيئة الحكومية الدولية التي تأسست عام 1989 لمكافحة غسل الأموال في جميع أنحاء العالم، دولة الإمارات العربية المتحدة على القائمة الرمادية للدول التي تعاني من قصور في أطر مكافحة غسل الأموال، مما شجع البنوك والشركات لتعزيز التدقيق في تدفقات الأموال من دبي (Prendergast, 2024).
الدور المصري
كذلك توجد عمليات كبيرة لتصدير الذهب في المناطق التي تسيطر عليها القوات المسلحة السودانية في السودان، ومنذ بداية الحرب، حولت القوات المسلحة السودانية وجهة تصدير الذهب الرئيسة من الإمارات العربية المتحدة إلى مصر. ومع أن تهريب الذهب إلى مصر حظي باهتمام أقل، لكن هذه الصادرات غير المشروعة تساعد أيضًا في إدامة الصراع العنيف.
الدور الروسي
وفقًا للفورين أفيرز فقد أولى حميدتي اهتمامًا كبيرًا للسماح لروسيا بالوصول إلى ما قيمته مليارات الدولارات من الذهب السوداني، إما عن طريق استيراده مباشرة أو من خلال الشراكة مع الإمارات العربية المتحدة لغسله في أسواق الذهب الدولية كمصدر نقدي لا يمكن تعقبه نسبيًّا.
وفي يوليو 2023، أصدرت لجنة الشؤون الخارجية البرلمانية في المملكة المتحدة تقريرًا عن دور فاغنر في تمويل حرب روسيا في أوكرانيا. وأشارت اللجنة إلى أن “عمليات تهريب الذهب التي تقوم بها شركة فاغنر من السودان كبيرة، حيث وصفها أحد الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات بأنها “حاسمة لقدرة روسيا على الصمود في وجه العقوبات الكبيرة المفروضة ضدها بسبب غزوها غير القانوني لأوكرانيا” (Prendergast, 2024).
ويبدو أن قطع قدرة القادة السودانيّين على تهريب الذهب لن يقلل فقط من قدرتهم على مواصلة قتالهم المدمر، بل يمكن أن يعيق جهود روسيا لإخضاع أوكرانيا، وهذا ما يمكن أن يفسر أهمية التدخل الروسي في السودان.
ولكن يبدو أن روسيا وجدت في القوات المسلحة السودانية مؤخرًا حليفًا أفضل، كما أوضح تقرير صدر عن مركز الكريتيكال ثريتس الأمريكي Critical Threats في نهاية شهر مايو 2024 بعنوان “مركز البحر الأحمر اللوجستي الروسي في السودان” أن روسيا تخطط لبناء مركز دعم لوجستي على ساحل البحر الأحمر السوداني، والذي من المرجح أنها تنوي استخدامه لتعزيز جهودها لتأمين قاعدة بحرية روسية في السودان. أعلن عضو مجلس السيادة المدعوم من القوات المسلحة السودانية ومساعد القائد العام الفريق ياسر العطا في 25 مايو 2024 أن السودان وروسيا سيوقعان سلسلة من الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية في الأسابيع المقبلة. وتشمل الاتفاقيات إنشاء مركز دعم لوجستي بحري روسي في السودان. وأكد العطا أن “روسيا اقترحت التعاون العسكري من خلال مركز دعم لوجستي، وليس قاعدة عسكرية كاملة، مقابل إمدادات عاجلة من الأسلحة والذخائر”، واتفقا على توسيع التعاون ليشمل الجوانب الاقتصادية مثل المشاريع الزراعية، وشراكات التعدين، وتطوير الموانئ. من المرجح أن هذه المحادثات جرت عندما التقى نائب وزير الخارجية الروسي والممثل الخاص للرئيس الروسي في إفريقيا والشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف مع قائد القوات المسلحة السودانية وغيره من القادة السودانيّين في أواخر أبريل 2024.
وقد سعت روسيا إلى إنشاء ميناء على البحر الأحمر منذ عام 2008 لحماية مصالحها الاقتصادية في المنطقة وتحسين وضعها العسكري في مواجهة الغرب في المنطقة الأوسع، بما في ذلك البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي. حيث اتفق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس السوداني السابق عمر البشير في عام 2017 على قاعدة في البحر الأحمر قادرة على تمركز 300 جندي روسي وأربع سفن مقابل أنواع مختلفة من الدعم العسكري والأمني للنظام. بعد ذلك دعم الكرملين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية بعد الإطاحة بالبشير في عام 2019 لمتابعة تنفيذ الاتفاق. قاد قائد قوات الدعم السريع هذه المفاوضات بعد أن أطاحت قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية بالحكومة الانتقالية التي يقودها المدنيُّون في السودان في عام 2021، ما يفسر أحد أوجه الدعم الروسي في البداية لقوات الدعم السريع، ولكن توجهت روسيا مؤخرًا لدعم القوات المسلحة السودانية، والتي تسيطر على الساحل السوداني، ما يجعلها حارس البوابة لأي قاعدة بحرية والقادرة على إتمام الاتفاق الروسي.
ومن المرجح أن تستخدم روسيا المركز اللوجستي في بورتسودان لتسهيل أنشطتها اللوجستية في إفريقيا. وقد يستخدم الكرملين الدعم اللوجستي لكسب تأييد القوات المسلحة السودانية كجزء من مقايضة لتأمين قاعدة بحرية كاملة في نهاية المطاف. حيث وعد بوجدانوف -نائب وزير الخارجية الروسي- بتقديم “مساعدات عسكرية نوعية غير مقيدة” خلال اجتماعاته مع المسؤولين السودانيّين في أبريل 2024.
وتشير الاتفاقيات المتوقعة بين الكرملين والقوات المسلحة السودانية إلى تحول كبير في نهج روسيا تجاه السودان والذي من المفترض أيضًا أن ينهي أو يقلل الدعم المقدم لقوات الدعم السريع، التي تحارب القوات المسلحة السودانية.
ومع أن روسيا تتمتع بعلاقات طويلة الأمد مع عناصر القوات المسلحة السودانية يعود تاريخها إلى عهد البشير، لكنها كانت تدعم في المقام الأول قوات الدعم السريع بالتدريب والعتاد عبر مجموعة فاغنر حمايةً للمصالح الروسية في الذهب السوداني الذي استخدمته للمساعدة في تمويل حربها في أوكرانيا والتخفيف من تأثير العقوبات الغربية.
ومن غير الواضح كيف ستستمر هذه العلاقة مع الدعم الروسي المفتوح للقوات المسلحة السودانية. ويبدو أن روسيا قد خفضت بالفعل دعمها لقوات الدعم السريع منذ وفاة قائد مجموعة فاغنر يفغيني بريجوزين في أغسطس 2023. حيث إن التحول في الدعم الروسي لصالح القوات المسلحة السودانية قد يحرر الموارد الروسية لاستخدامها في أوكرانيا ومناطق أخرى من إفريقيا.
أفادت مصادر روسية مطلعة موثوقة في منتصف أبريل 2024 أن وزارة الدفاع الروسية كانت تخطط لإعادة نشر جنود روس من وحدات غير محددة من الفيلق الإفريقي إلى الحدود الأوكرانية. وأفادت العديد من المصادر منذ ذلك الحين في مايو 2024 أن عددًا غير محدد من قوات الفيلق الإفريقي يتكون من مجندين جدد ومقاتلين سابقين في مجموعة فاغنر، ومن المحتمل أن يكونوا مرتزقة أفارقة، يشاركون في الهجوم الروسي الأخير في منطقة خاركيف بأوكرانيا.
ويبدو أن روسيا بدأت ترمي بثقلها في المراهنة على إفريقيا لتعزيز قدراتها أمام الغرب، حيث يجتمع مسؤولون روس رفيعو المستوى مع شركاء روس في مختلف أنحاء إفريقيا، سعيًا إلى تعزيز أهداف الكرملين الاستراتيجية المتمثلة في إبراز نفوذ روسي أكبر ليحل محل الغرب وتحسين وضع روسيا في مواجهة طويلة الأمد مع الغرب. وتعمل هذه الزيارات على تعزيز البصمة العسكرية الروسية في القارة، وهو ما يمكن الكرملين من استخدام موارده المحدودة لتهديد الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي وتقليص النفوذ الغربي، وتعزيز السرد القائل بأن روسيا أصبحت قوة عظمى متجددة على قدم المساواة مع الغرب. وتحاول روسيا أيضًا تعزيز المشاركة الاقتصادية مع إفريقيا في مختلف القطاعات للتخفيف من تأثير التوترات مع الغرب من خلال استغلال مصادر الإيرادات الجديدة وأسواق التصدير. ويسعى الكرملين بالإضافة إلى ذلك إلى كسب حلفاء سياسيّين في القارة، مما يساعد على تخفيف العزلة الغربية في المنتديات الدولية وتعزيز الروايات الإعلامية الروسية (Karr, 2024b).
الدور الإيراني
يلاحظ أن إيران تحاول جاهدة لإيجاد موطئ قدم لها في إفريقيا للحصول على اليورانيوم، إذ تستخدم إيران مبيعات الأسلحة للحصول على اليورانيوم من الدول الإفريقية. وقد واصلت وسائل الإعلام الفرنسية الإبلاغ عن أن إيران تتفاوض منذ نهاية عام 2023 مع النيجر لتوفير 300 طن من كعكة اليورانيوم الصفراء لإيران مقابل طائرات بدون طيار وصواريخ أرض جو. ومن المرجح أيضًا أن تستخدم إيران مشاركتها الدفاعية لمتابعة اليورانيوم أو المعادن الأخرى في زيمبابوي، حيث زادت إيران من تواصلها مع المسؤولين الزيمبابويّين منذ بداية أبريل 2024 (Karr, 2024c).
وقد عززت إيران علاقاتها الثنائية مع القوات المسلحة السودانية منذ أواخر عام 2023 وبدأت في إرسال طائرات بدون طيار إلى القوات المسلحة السودانية في أواخر عام 2023 وأوائل عام 2024. وذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” في مارس 2024 أن إيران حاولت دون جدوى استخدام هذه العلاقات والوعود المتعلقة بسفينة حاملة طائرات هليكوبتر لتأمين قاعدة بحرية دائمة في بورتسودان. إذ تسعى إيران إلى إنشاء قاعدة بحرية في البحر الأحمر لأسباب مشابهة للأسباب الروسية، وهي إبراز قوتها باتجاه الغرب. كما التقى بوغدانوف بنائب رئيس الوزراء الإيراني قبل يومين من مغادرته إلى السودان، حيث ناقشا “أهمية العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية”، مما يشير إلى أنهما ينسقان بالفعل بشأن هذه القضية (Karr, 2024a).
السيناريوهات المحتملة
يؤدي التدخل الأجنبي المتزايد إلى إحباط الجهود الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة والسعودية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، على الرغم من أن المحللين يصفون تلك الجهود لإنقاذ السودان بأنها ضعيفة بشكل مخجل، ويحذرون من أن البلاد تتجه نحو صراع طويل الأمد يمكن أن يؤدي إلى الفوضى أو الإقطاعيات المتنافسة، مثل الصومال في التسعينيات أو ليبيا بعد عام 2011.
وقد ذكرت وسائل إعلام في 8 مايو الماضي أن البرهان قال إنه لن يشارك في محادثات السلام حتى يتم هزيمة قوات الدعم السريع بشكل حاسم (تقرير مجلس الأمن، 2024). إذ وجدت بعض الدول، خاصَّة روسيا وإيران والإمارات، فرصًا مغرية بشكل خاص لاستغلال الموارد الطبيعية للسودان خاصة الذهب، والوصول إلى موانئه على طول البحر الأحمر، ما يمنع من الوصول لاتفاق سلام أو حل قريب للأزمة.
وكذلك من الممكن أن تمتد الحرب بسهولة إلى خارج حدود السودان، إذ تسبب الحرب بالفعل توترات داخل الأجهزة الأمنية في تشاد، وتقطع عائدات النفط الحيوية عن جنوب السودان، والآن تخاطر بدفع إثيوبيا، ثاني أكبر دولة في إفريقيا من حيث عدد السكان، داخل الصراع. حيث يتهم مسؤولون سودانيون إثيوبيا بدعم قوات الدعم السريع.
وفي الوقت نفسه، وقفت إريتريا، العدو التقليدي لإثيوبيا، إلى جانب الجيش السوداني. وقال مسؤولون وجماعات إغاثة إن آلاف المتمردين من منطقة تيغراي المضطربة في إثيوبيا يتمركزون في معسكر بشرق السودان – وهو جزء من مزيج قابل للاشتعال يهدد بفتح جبهة جديدة في الحرب. (Walsh, 2024).
وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك في بيان إنه على الرغم من التقارير التي تتحدث عن “الموت والمعاناة واليأس” منذ بدء الحرب في السودان، فإنه “لا توجد نهاية في الأفق” للانتهاكات بحق المدنيّين.
وكذلك منذ اندلاع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع شبه العسكرية في أبريل 2023، تدهور وضع الأمن الغذائي بسرعة بسبب الاضطرابات اللوجستية الناجمة عن الصراع، واستنفاد المحاصيل، وانخفاض الواردات، وارتفاع سعر الغذاء. وقد حذر معهد كلينجينديل الهولندي في تقريره الصادر في مايو 2024 الذي يستند إلى بيانات منشورة عن المحاصيل والمخزونات، ومخزونات الأسر، وواردات القمح، والمساعدات الإنسانية، أنه إذا استمر الوضع الحالي، فسيكون هناك معدل وفيات زائد يقدر بنحو 2.5 مليون شخص بحلول سبتمبر 2024. وتوقع التقرير وفاة 15% من سكان دارفور وكردفان، اللتين من المرجح أن تكونا الأكثر تضررًا (Clingendael Institute;, 2024).
ومع تجاوز الصراع النطاق الأولي للقتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع حيث تتحدى الجماعات المسلحة في جميع أنحاء السودان هياكل الحكم القائمة. وتتشكل علاقات سياسية مربكة بين النخب ومجتمعاتهم، وتتغير الولاءات التاريخية وتؤثر على مشهد الصراع الحالي. أدى الاستهداف العرقي الأخير لبعض المجتمعات في دارفور وكردفان إلى تحولات كبيرة في الديموغرافيا والحكم على المستوى المحلي، والتي من المرجح أن يكون من الصعب عكسها.
ومع تشكيل التحالفات القائمة على أساس عرقي، فإن الجماعات المسلحة الأخرى – معظمها من الموقعين على اتفاق السلام المشترك – تعاني من التشرذم والمزيد من الانفصال عن قيادتها السياسية، وتتحرك الميليشيات الناشئة بدافع الفرص الجديدة فضلًا عن المظالم التاريخية(Mahmoud and Eltayeb, 2024).
التوقع خلال النصف الثاني من عام 2024
بناءً عليه، فإن الحرب الأهلية في السودان والتي يتنازعها مصالح أطراف عديدة داخلية وخارجية من المرجح استمرارها على ما هي عليه مع ظهور تقدم في موقف القوات المسلحة أمام الدعم السريع خلال النصف الثاني من العام الحالي، مع الاحتمالية الكبيرة لتفاقم الأزمة الغذائية والطبية، ودخول أطراف من دول مجاورة في الصراع. وأما عن وضع الإسلاميّين في السودان فعلى ما يظهر أن وضعهم السياسي ثابت خلال النصف الأول من هذا العام مع استمرار تأييدهم للقوات المسلحة السودانية.
المراجع
1 – ACLED. (2024, May 17). Sudan: The RSF sets its eyes on North Darfur. Retrieved June 7, 2024, from ACLED: https://acleddata.com/2024/05/17/sudan-situation-update-may-2024-the-rsf-sets-its-eyes-on-north-darfur/
2 – Clingendael Institute; (2024, May). From hunger to death: An estimate of excess mortality in Sudan, based on currently available information. Retrieved June 7, 2024, from clingendael Netherlans institute of international relations: https://www.clingendael.org/sites/default/files/CA_From_hunger_to_death__0.pdf
3 – Cumming-Bruce, N., and Walsh, D. (2024, February 24). trocities Mount in Sudan as War Spirals, U.N. Says. Retrieved June 7, 2024, from New York Times: https://www.nytimes.com/2024/02/24/world/africa/sudan-civil-war-atrocities-un.html?region=MAIN_CONTENT_1andblock=storyline_top_links_recircandname=styln-sudan-fightingandparentUri=nyt%3A%2F%2Farticle%2Fced35724-e10e-5c13-bc34-f01d0d0ee83aandpgtype=Articleandvariant
4 – Karr, L. (2024a, May 31). Africa File, May 31, 2024: Russian Red Sea Logistics Center in Sudan; JNIM Strengthens Along the Burkinabe-Nigerien Border. Retrieved JUNE 6, 2024, from CRTITICAL THREATS: https://www.criticalthreats.org/team/liam-karr
5 – Karr, L. (2024b, June 7). Africa File, June 7, 2024: Russian Diplomatic Blitz; Somalia Boots Ethiopia. Retrieved June 7, 2024, from CRITICAL THREATS: https://www.criticalthreats.org/analysis/africa-file-june-7-2024-russian-diplomatic-blitz-somalia-boots-ethiopia
6 – Karr, L. (2024c, May 16). Africa File, May 16, 2024: Russian Outreach Across Africa; Iran’s Uranium Aims; IS Mozambique Continues March. Retrieved June 7, 2024, from CRITICALTHREATS: https://www.criticalthreats.org/analysis/africa-file-may-16-2024-russian-outreach-across-africa-irans-uranium-aims-is-mozambique-continues-march
7 – Mahmoud, A., and Eltayeb, N. (2024, April 15). One Year of War in Sudan. Retrieved from ACLED: https://acleddata.com/2024/04/14/sudan-situation-update-april-2024-one-year-of-war-in-sudan/
8 – MEMO. (2024, June 6). Infographic: Nearly 100 killed in raid on village in Sudan. Retrieved June 7, 2024, from Middle East Monitor: https://www.middleeastmonitor.com/20240606-infographic-nearly-100-killed-in-raid-on-village-in-sudan/
9 – Prendergast, J. (2024, February 27). Dirty Money Is Destroying Sudan. Retrieved June 7, 2024, from Foreign Affairs: https://www.foreignaffairs.com/sudan/dirty-money-destroying-sudan
10 – Walsh, D. (2024, June 5). A War on the Nile Pushes Sudan Toward the Abyss. Retrieved June 6, 2024, from New York Times: https://www.nytimes.com/2024/06/05/world/africa/sudan-khartoum-darfur-war.html?searchResultPosition=3
11 – تقرير مجلس الأمن. (1 June, 2024). June 2024 Monthly Forecast, Africa, Sudan. تم الاسترداد من SECURITY COUNCIL REPORT: https://www.securitycouncilreport.org/monthly-forecast/2024-06/sudan-27.php