ترجماتغير مصنف

واشنطن بوست: أربعة تفسيرات لاقتراح ترامب الصادم بشأن قطاع غزة

نشرت صحيفة واشنطن بوست، مقالًا تحليليًّا، بقلم آرون بليك، عنوانه: أربعة تفسيرات لاقتراح ترامب الصادم بشأن قطاع غزة. يتناول الكاتب في هذا المقال تصريحات ترامب بشأن قطاع غزة، واقتراحه سيطرة الولايات المتحدة على القطاع بعد تهجير سكانه.

منتدى الدراسات المستقبلية بإسطنبول، يقدم فيما يلي ترجمة كاملة للمقال المذكور.  

قدم الرئيس دونالد ترامب يوم الثلاثاء – 4 فبراير 2025م – أكثر الأفكار انفصالًا عن الواقع في فترة ولاية ثانية تزداد انفصالًا. صرح ترامب في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الولايات المتحدة “ستتولى إدارة قطاع غزة”، وستكون “مالكة له” على المدى الطويل وستقوم بتطويره، بل وطرح فكرة تحويله إلى “ريفييرا الشرق الأوسط”.

أثارت هذه التصريحات صدمة في الشرق الأوسط، سواءً بين معارضي ترامب وحتى بين حلفائه المحليين. إذ أن تنفيذ مثل هذا الاقتراح سيعني تهجير مليوني فلسطيني من أراضيهم – حيث اقترح ترامب إنشاء عدة تجمعات لهم في أماكن أخرى – وإقحام الأميركيين في مِرجَل الشرق الأوسط. كما سيستلزم الأمر على الأرجح تعبئة ضخمة للقوات الأميركية، على الرغم من انتقادات ترامب المستمرة لفكرة بناء الدول الأجنبية.

السؤال المباشر هنا هو: هل هو جاد بالفعل؟ إليك بعض النظريات المحتملة.

إنه مجرد تشتيت للانتباه

لطالما كان هناك انتقاد متكرر للتغطية الإعلامية لترامب يتمثل في أن أفكاره الجامحة ليست سوى “تشتيت” للانتباه – أي أنها تهدف إلى تحويل نظر الصحفيين والجمهور عن قضايا أكثر أهمية وإن كانت أقل إثارة. ومع أن هذه النظرية قد تبدو فكرة مبالغة فيها، لكن هذا لا يعني أنها ليست استراتيجية حقيقية، إذ لا شك في أن ترامب الآن أكثر من أي وقت مضى يغمر الساحة السياسية بأفعال جريئة (وغالبًا ما تكون مشكوكًا فيها من الناحية القانونية) مما يجعل من الصعب على الجميع مجاراته.

“إنها تعمل” صرح بذلك ستيفن بانون، مستشار البيت الأبيض السابق لترامب، الشهر الماضي قائلا “إنه أمر مذهل بالنسبة لي ما يفعلونه، لكنه لا يحصل على تغطية لأنه كثير جدا. إنهم يغرقون النظام”. إذ بشكل ملحوظ جاء اعلان ترامب عن خطته حتى مع قيام المعارضة فجأة بتعبئة المزيد للتصدي لمحاولته العدائية بالمشاركة مع إيلون ماسك للسيطرة على الحكومة.

قبل تصريح ترامب مباشرة، ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن العديد من تحركات ماسك للسيطرة على وظائف حكومية ضخمة قد تكون غير قانونية. كما نشر تشارلي سافاج من نيويورك تايمز مقالًا حول كيف أن ترامب “زاد من جرعة تحديه للحدود القانونية”.

وقال ديفيد سوبر، أستاذ القانون في جامعة جورجتاون، لواشنطن بوست: “العديد من هذه الأمور غير قانونية إلى حد كبير لدرجة أنني أعتقد أنهم يراهنون على عنصر الكمية، ويفترضون أن النظام لن يتمكن من التعامل مع كل هذا في وقت واحد”.

كما حث السيناتور كريس مورفي (ديمقراطي من ولاية كونيتيكت) والنائب دان جولدمان (ديمقراطي من نيويورك) الجميع على عدم المشاركة في هذه اللعبة. “عندي اخبار جديدة لكم – نحن لن نستولي على غزة” صرح بذلك مورفي على منصة إكس، مضيفا “ولكن وسائل الإعلام والثرثارون سيركزون على هذا الأمر لبضعة أيام، حتى يكون ترامب قد نجح في صرف انتباه الجميع عن القصة الحقيقية – المليارديرات يستولون على الحكومة ليسرقوا من الناس العاديين.

لكن كما هو الحال دائمًا مع ترامب، فإن المشكلة تكمن في تحديد ما هو جاد وما هو غير جاد، وتجاهل مثل هذه الاطروحات قد يكون أمر محفوف بالمخاطر. ماذا لو كان ينوي فعلًا إرسال قوات أميركية إلى غزة، لكن هذه الفكرة لم تُناقش بجدية لأن الجميع افترضوا أنها مجرد خدعة؟ وحتى مجرد طرح ترامب لهذه الفكرة قد يؤدي إلى إعادة إشعال الفتيل في المنطقة التي شهدنا فيها للتو اتفاقية سلام، وذلك من خلال اقتراح التهجير الجماعي والدائم للعرب الفلسطينيين من أراضيهم. وقد بدأت دول عربية أخرى بالفعل في رفض هذا. كما رأينا من قبل كيف تم رفض بعض أفكار ترامب الأكثر جنونًا باعتبارها غير جادة، فقط لكي ينفذها.

إنها خدعة تفاوضية

نظرية أخرى قريبة، ولكنها مختلفة قليلاً، هي أن هذا في الواقع مجرد خدعة، لكنها موجهة إلى الشرق الأوسط بدلاً من كونها موجهة للجدل السياسي في الداخل الأمريكي. يشبه ذلك تهديدات ترامب الأخيرة بفرض تعريفات جمركية ضخمة على كندا والمكسيك، ثم التراجع عنها مقابل تنازلات بسيطة. فقد يكون هذا تهديدًا غير منطقي من ترامب لإجبار دول الشرق الأوسط على البحث عن سلام أكثر استدامة، إذ قد تكون الفكرة “إذا لم تتمكنوا من حل هذه المشكلة، فسوف نتدخل نحن”. هل يمكن أن يدفع ذلك حماس للتخلي عن السلطة؟ هل يمكن أن يضغط على السعودية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل والتخلي عن إصرارها على قيام دولة فلسطينية والمشاركة في عملية ما بعد الحرب؟ يبدو أن هذه بعض الأهداف المحتملة.

نتنياهو لم يؤيد صراحة خطة ترامب، بل تعامل معها باعتبارها مجرد فكرة أكثر من أنها قد تكون نيَّة أميركية ثابتة، وأشار أن أفكار ترامب قد لا يمكن تطبيقها، قائلا “لدي ترامب فكرة مختلفة، وأعتقد أنها تستحق الاهتمام بها. نحن نتحدث عنها. إنه يستكشفها مع شعبه وموظفيه”. ولا ننسى أنه في حين كان ترامب مختلفًا تمامًا عن ريغان في نهجه لتأكيد الزعامة الأمريكية في جميع أنحاء العالم، فقد أوضح أنه يرى تحركاته في الشرق الأوسط كجزء كبير من إرثه.

إنه يميل إلى نظرية المجنون

ربما تتذكرون في فترة ولاية ترامب الأولى أن الناس كانوا يستشهدون غالبًا بنظرية “الرجل المجنون”. والفكرة تقوم في الأساس على جعل البلدان الأخرى تعتقد أنك غير قابل للتنبؤ تمامًا وقادر على فعل أي شيء، لإبقائهم في صفك. وقد استخدم ريتشارد نيكسون هذه النظرية في تعاملاته مع الاتحاد السوفييتي من قبل، ويبدو أن ترامب يرى في ذلك فائدة.

في مقابلة أجريت في أكتوبر مع صحيفة وول ستريت جورنال، رد ترامب على سؤال حول استخدام القوة العسكرية لحماية تايوان من الصين ورئيسها شي جين بينج، فقال “لن أضطر إلى ذلك، لأنه يحترمني ويعرف أنني …. مجنون”، قال ذلك ترامب عن -الرئيس الصيني- شي.

وقد صرح الثلاثاء -4 نوفمبر- مستشار قديم لترامب لموقع أكسيوس: “إن ترامب ينقل حدود الجنون إلى مستوى جديد، وهو في هذه المرة لا يخشى العناوين الرئيسية للصحف أو النقاد والمحللين السياسيين: سوف يلقي بكل ما يريد أن يلقي به ببساطة”.

إن ميوله الإمبريالية حقيقية تمامًا

لا شك أن التهديد باحتلال غزة يتعارض مع الطريقة التي عرض بها ترامب سياسته الخارجية لسنوات عديدة. فقد أكد ترامب على مبدأ “أميركا أولا” وقال إن الولايات المتحدة ليس لديها أي مصلحة في بناء الأمم في الشرق الأوسط. ففي عام 2019م صرح ترامب قائلا “لقد تم استبدال سياستنا المتمثلة في الحرب التي لا تنتهي، وتغيير الأنظمة، وبناء الدول بملاحقة واضحة للمصالح الأمريكية”، وشدد مرارا وتكرارا في عام 2016م أن “عصر بناء الدول” قد انتهى. وعلى العكس من ذلك لا يتحدث ترامب الآن عن بناء الدول فحسب، بل يتحدث أيضًا عما رجحه النقاد من أنه قد يرقى إلى التطهير العرقي للشعب الفلسطيني.

فبطريقة ما، يبدو ان هذا صار جزء من ميوله الامبريالية المتزايدة، فلقد تحدث ترامب بطريقة جدية عن المطالبة بجرينلاند وقناة بنما – حتى ترك الباب مفتوحًا أمام إمكانية استخدام الإكراه العسكري للقيام بذلك. وتحدث عن جعل كندا الولاية رقم 51. وخصص جزءًا من خطاب تنصيبه قبل أسبوعين لفكرة “المصير الواضح” – والفكرة هي أن التوسع الأمريكي هو حقنا الإلهي.

وفي تصريحات سابقة سرعان ما عادت إلى الظهور يوم الثلاثاء الماضي، قال صهر ترامب جاريد كوشنر في مارس أن “الممتلكات الواقعة على الواجهة البحرية في غزة قد تكون ذات قيمة كبيرة”، واقترح أنه يمكن “إخراج الناس ثم تنظيفها”.

لا أحد يروج لإمكانات “العقارات المطلة على الواجهة البحرية” مثل ترامب، الذي كرر يوم الثلاثاء تصريحات صهره، قائلاً إن غزة يمكن أن تصبح “ريفيرا الشرق الأوسط”.

من المحتمل أن يكون هذا الحديث الإمبريالي مجرد استعراض، لكنه قد يعكس أيضًا شعور ترامب بأنه أصبح أكثر تحررًا في ولايته الثانية، بعد سنوات من استغلال شعار “أمريكا أولًا” لتحقيق مكاسب سياسية، مما قد يدفعه إلى تغيير استراتيجيته وجعل توسيع نفوذ الولايات المتحدة (في المناطق التي تهمه فعليًا) جزءًا أساسيًا من إرثه السياسي.

وإذا كان يطمح حقًا إلى ذلك، فمن المرجح أن يكون هناك عدد أقل من العوائق التي تقيده. فقد رحل خبراء السياسة الخارجية التقليديون الذين كانوا جزءًا من إدارته الأولى، والذين كانوا بلا شك سينصحونه بعدم الإقدام على خطوات كهذه. وبينما كان الجمهوريون في مجلس الشيوخ يقاومون في كثير من الأحيان نزعات ترامب في السياسة الخارجية خلال فترة رئاسته الأولى (2017-2021م)، فقد أظهروا إرادة أقل بكثير لمعارضته في حال فوزه بولاية ثانية.

بعبارة أخرى، لا أحد يعلم بالضبط ما سيحدث، لكن من المهم فهم دوافعه وما الذي قد تعنيه هذه التهديدات، حتى لو كانت مجرد تهديدات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى