في الخامس والعشرين من ديسمبر 2024م، نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية مقالًا بعنوان: “نُذُر المجاعة في شمال غزة تستجلب انتقادات حادة من الولايات المتحدة وتثير التساؤلات“، لـ “إفرات ليفني”، مراسلة نشرة “DealBook“، التي تُصدرها صحيفة نيويورك تايمز، والتي تقدم أهم أخبار الأعمال والسياسة، ومقرها واشنطن.
تتناول ليفني في مقالها تقريرًا جديدًا صدر مؤخرًا عن الأمن الغذائي في قطاع غزة والذي كان قد حذّر من أن خطر وقوع المجاعة في القطاع الفلسطيني، ولو في جزءٍ منه، “مرجَّح للغاية”. وقد اعتمد التقرير الذي أصدرته يوم الاثنين شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة – وهي مبادرة للأمن الغذائي تُعرف باسم FEWS Net – على بيانات إمدادات الغذاء الأخيرة في القطاع وتقديرات عدد السكان، حيث يشير إلى أن منطقة شمال غزة، التي عاودت “إسرائيل” شن هجمات عسكرية عليها من جديد على مدى الأشهر الثلاثة الماضية، قد تكون على وشك الوصول إلى حافة المجاعة.
وفيما يلي يقدم منتدى الدراسات المستقبلية ترجمة كاملة لمقال الصحفية بنيويورك تايمز إفرات ليفني، على النحو التالي:
وجّه دبلوماسي أمريكي يوم الثلاثاء (24 ديسمبر 2024م) انتقادات حادة لتقرير جديد صدر مؤخرًا وتناول الأمن الغذائي في قطاع غزة، حيث قال التقرير إن وقوع المجاعة في جزءٍ من القطاع “مرجَّح للغاية”. وقد أدت الانتقادات التي وجّهها الدبلوماسي الأمريكي للتقرير إلى تأجيج حالة الارتباك والجدل حول الأزمة الإنسانية هناك والتي جذبت اهتمامًا دوليًّا كبيرًا.
وقد استشهد التقرير الذي أصدرته يوم الاثنين (23 ديسمبر 2024م) شبكة أنظمة الإنذار المبكر من خطر وقوع المجاعة، وهي مبادرة للأمن الغذائي تعرف اختصارًا بـ FEWS Net، ببيانات إمدادات الغذاء الأخيرة في القطاع وتقديرات أعداد السكان هناك؛ حيث استخلص أن منطقة شمال غزة، التي جدّدت “إسرائيل” حملتها العسكرية عليها على مدى الأشهر الثلاثة الماضية، كانت على وشك الوصول إلى ظروف وقوع المجاعة.
وفي رده على ذلك، قال جاك ليو، الدبلوماسي الذي يشغل منصب السفير الأمريكي لدى إسرائيل، يوم الثلاثاء، إن تقرير شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة “غير مسؤول” وإنه يعتمد على بيانات سكانية “قديمة وغير دقيقة“، مما يجعله مؤشرًا ضعيفًا للتنبؤ في قضايا الأمن الغذائي.
وأضاف السيد ليو: “في الوقت الذي تتسبب فيه المعلومات غير الدقيقة في إحداث حالة من الارتباك وكَيْل الاتهامات، فإن إصدار تقرير على هذه الشاكلة يُعد تصرفًا غير مسؤول. إننا نعمل ليل نهار بالتعاون مع الأمم المتحدة وشركائنا “الإسرائيليّين” لتلبية الاحتياجات الإنسانية، وهي احتياجات كبيرة”.
ويُبرز هذا النزاع مدى الصعوبات التي تعرقل عملية جمع البيانات في قطاع غزة والتي أدت بدورها إلى إعاقة الجهود الإنسانية هناك منذ بدء الحرب (الإسرائيلية على القطاع). وقد أدى القصف الإسرائيلي المستمر للقطاع، والذي بدأ في أعقاب الهجوم الذي قامت به حماس على المستوطنات “الإسرائيلية” في غلاف غزة في السابع من أكتوبر لعام 2023م، إلى عمليات نزوح جماعية متكررة، مما جعل من الصعب للغاية على هيئات الإغاثة تتبع (بيانات) المدنيّين وتحديد احتياجاتهم، والأهم من ذلك، الوصول إلى فهم إلى أي مدى يمكن أن تعكس التحولات التي تطرأ على بيانات السكان حالات النزوح أو أعداد الوفيات.
وتزعم إسرائيل أنها تعمل جاهدة على تسهيل وصول الإمدادات إلى غزة، وتتهم هيئات الإغاثة بأنها فشلت في كثير من الأحيان في تقديم المساعدة، وتعزي ذلك إلى انتشار عمليات النهب وغياب سلطة القانون. وقد حذرت إدارة بايدن إسرائيل في أكتوبر بضرورة السماح بدخول المزيد من المساعدات أو مواجهة قيود على المساعدات العسكرية. وفي شهر نوفمبر، قالت الإدارة الأمريكية إن إسرائيل أجرت تغييرات مهمة من أجل تحسين تدفق الإمدادات ولكن لا يزال هناك المزيد مما يتعيّن عليها القيام به.
وقد استند اعتراض السيد ليو على تقرير شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS Net) إلى الاختلاف في تقدير عدد السكان المتواجدين حاليًا في شمال غزة. فقد قدّر التقرير أن هناك ما بين 65 ألفًا إلى 75 ألف شخص ما زالوا يعيشون هناك. بينما زعم السيد ليو أن ما بين سبعة آلاف وخمس عشرة ألف مدني فقط يعيشون في تلك المنطقة من القطاع، وهذا يعني أن الموارد اللازمة لإعاشتهم ستكون بالطبع أقل.
وقال ليو إن تقديره يستند إلى مجموعتين منفصلتين من البيانات: الأولى من الأمم المتحدة التي قدرت عدد السكان من المدنيّين في منطقة شمال غزة بما يتراوح بين عشرة آلاف وخمس عشرة ألف مدني؛ والثانية من السلطات “الإسرائيلية” التي قدرت عددهم بما يتراوح بين خمسة آلاف وتسعة آلاف من السكان المدنيّين.
ولم تستجب الهيئة “الإسرائيلية” المسؤولة عن تنسيق تدفق البضائع إلى قطاع غزة، Coordination of Government Activities in the Territories””، والمعروفة اختصارًا بـ COGAT، لطلبات التعليق على تقرير الأمن الغذائي الجديد الذي صدر مؤخرًا.
ولكن الهيئة الإسرائيلية هاجمت في بيان لها نشرته على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الاثنين (23 ديسمبر) تقريرًا حديثًا لم يتم ذكر اسمه، زعمت أنه “يتجاهل عمدًا وبشكل غير دقيق الجهود الإنسانية المكثفة التي تبذلها “إسرائيل” في شمال قطاع غزة”، مضيفة أنه “يخلق صورة زائفة للمجتمع الدولي”.
من جهتها، قالت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS Net) يوم الثلاثاء (24 ديسمبر) إنها اعتمدت على أرقام الأمم المتحدة منذ منتصف شهر نوفمبر لإعداد تقريرها، وإنها ستقوم بتحديث النتائج التي توصلت إليها استنادًا إلى أرقام أحدث. لكنها لم تسحب تقدير الموقف الذي نشرته مؤخرًا.
وبغض النظر عن حجم السكان في شمال غزة، فقد قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية يوم الثلاثاء إن الإمدادات الإنسانية التي تصل إلى منطقة شمال غزة غير كافية لدعم المدنيّين المتبقين هناك.
واتهم المكتب التابع للأمم المتحدة السلطات “الإسرائيلية” برفض معظم محاولات الأمم المتحدة لتنسيق وصول المساعدات الإنسانية إلى تلك المنطقة من قطاع غزة في شهر ديسمبر (2024م)، وأعرب عن قلقه إزاء العنف (الذي تقوم به إسرائيل) في المستشفيات وما حولها.
وقالت الوكالة الأممية إن الإخلاء المتسرع والضربات العسكرية الإسرائيلية الموجهة إلى أو بالقرب من ثلاثة مستشفيات في القطاع في الأيام الأخيرة تركت أحد المنشآت (الصحية) على الأقل بدون أي موظفين تقريبًا متواجدين على رأس عملهم في الموقع وأنها تسببت في إثارة حالة من الذعر وألحقت أضرارًا باثنين آخرين.
وكان الجيش “الإسرائيلي” قد صرح يوم الثلاثاء (24 ديسمبر) بأنه قد نفذ “عملية محدودة” ضد مسلحين بالقرب من المستشفى الإندونيسي في شمال غزة بعد أن زرع المسلحون متفجرات في المنطقة. كما ادعى الجيش “الإسرائيلي” أنه تمَّ إخلاء المستشفى قبل العملية.
كما قال الجيش “الإسرائيلي” أيضًا إن خمسة مسلحين قد قُتلوا في تلك الهجمات، كما تمَّ اعتقال العديد من المسلحين الآخرين في وقت لاحق، بما في ذلك شخص متورط في هجوم السابع من أكتوبر 2023م، بحسب زعمه.
ودأبت إسرائيل على اتهام حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بـ “استغلال السكان المدنيّين والبنية التحتية في غزة مما يُعد انتهاكًا للقانون الدولي”، كما أنها تزعم أنها تبذل الجهود من أجل التخفيف من الأضرار التي تلحق بالمدنيّين.
ولم تهدأ أبدًا وتيرة مثل تلك الهجمات العسكرية المتعمدة والمستمرة بلا هوادة، باعتبارها جزءًا من الاستراتيجية التي يتبناها رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو بشكل معلن بهدف “استنزاف حركة حماس وخلق الظروف المناسبة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار”، على حد زعمه. لكنه مع ذلك لم يحدد أي جدول زمني للتوصل إلى اتفاق (لوقف الحرب) حتى مع ارتفاع حصيلة القتلى من الفلسطينيّين وتزايد الأدلة على أن العمليات العسكرية الإسرائيلية ساهمت على الأرجح في مقتل العديد من الأسرى “الإسرائيليّين” في غزة، وفقًا لتحقيقات قام بها الجيش “الإسرائيلي” نفسه.
وتشير الأرقام الرسمية التي تُعلنها السلطات في غزة أن أكثر من 3,780 شخصًا قد قُتلوا في القطاع منذ شهر أكتوبر 2024م، وأن أكثر من خمس وأربعين ألف شخص قُتلوا منذ بدء الحرب على القطاع (دون تحديد عدد القتلى من بينهم من المقاتلين).
وكان الكثير من القتلى الذين سقطوا في شمال غزة، كما في مختلف أنحاء القطاع، من السكان المدنيّين، وإن كان من غير الواضح على وجه التحديد النسبة التي يشكلونها من إجمالي عدد القتلى المعلن حتى الآن.