ترجمات

نيويورك تايمز: الاقتصاد المصري المتضرر يرى في اللاجئين “كبش فداء” وحلًّا محتملًا

في التاسع من يناير 2025، نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تقريرًا بعنوان: “الاقتصاد المصري المتضرر يرى في اللاجئين “كبش فداء” وحلًا محتملًا “، لـ  فيفيان يي“، مراسلة نيويورك تايمز التي تغطي شمال أفريقيا والشرق الأوسط الكبير.

تقول الصحفية فيفيان يي إنه بينما وجد الفلسطينيون والسودانيون والسوريون -الفارون من جحيم الحرب- في مصر ملاذًا آمنًا لهم، كانت القاهرة ترى أن اللاجئين الذين قدموا للإقامة فيها، هربًا من ويلات الحروب في بلادهم، كانوا بمثابة عبء على موارد الدولة.

لذلك يطالب القادة المصريون الدول الغربية بضرورة تقديم مساعدات مالية لمصر، لدعم الحكومة من أجل تحمل أعباء اللاجئين، ولمساندة الاقتصاد المصري المتضرر أصلًا، حيث أصبحت الحكومة ترى في قضية اللاجئين  “كبش فداء” لتحميله أسباب فشلها وحلًا محتملًا لاقتصادها المتعثر من خلال الضغط على الغرب لتلقي المزيد من المساعدات.

وفيما يلي  يقدم منتدى الدراسات المستقبلية ترجمة كاملة لتقرير الصحفية بنيويورك تايمز فيفيان يي، عن كيفية تعاطي الحكومة المصرية مع قضية اللاجئين على أراضيها في ظل أزمتها الاقتصادية الطاحنة، وذلك على النحو التالي:

في أوقات كانت أكثر يُسرًا بالنسبة للاجئين في مصر، لم يكن لدى عزة مصطفى، المذيعة التلفزيونية والإعلامية الموالية للحكومة المصرية، سوى كلمات سخية وجّهتها للآلاف من المواطنين السوريين الذين أنشأوا حياة جديدة لهم في مصر، بعد أن انزلقت أقدام بلادهم إلى أتون حرب أهلية في عام 2011.

وكانت الإعلامية عزة مصطفى قد قالت في بث مباشر لها (على قناة صدى البلد) في عام 2019: “أود أن أقول لعائلاتنا السورية وإخواننا السوريين في مصر، والله انتوا منورين مصر … فعلًا منورين مصر”.

ولكنها كانت أيضًا هناك في برنامجها “صالة التحرير” على صدى البلد، في شهر يونيو 2024، عندما هاجمت بشدة تزايد أعداد اللاجئين في مصر – وهو ما يمثل انعكاس مباشر للرؤى التي يتبناها قادة البلاد، الذين أصبحت سياستهم تجاه اللاجئين والمهاجرين أكثر صرامة في ظل صراعهم لمواجهة الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت بشكل كبير بسبب الحروب التي تدور رحاها في قطاع غزة والسودان وليبيا المجاورة.

وبعد أن اتهمت المهاجرين برفع الإيجارات والترويج لعملية ختان الإناث، قالت السيدة عزة مصطفى: “لقد أصبح هذا الأمر لا يطاق. فهناك العديد من الأفعال التي تجاوزت الحدود. هل هذا مقبول؟ بعد أن فتحنا بلادنا لهم؟”

لقد دأبت مصر منذ فترة طويلة على التيسير على الأجانب من جميع الأنواع للعيش والعمل في البلاد، دون تدخل إلى حد كبير، سواء كانوا لاجئين أو عمال مهاجرين أو حتى غربيين فروا من الإغلاقات المرتبطة بفيروس كورونا (كوفيد-19).

وقد شهدت الأعوام الثلاثة عشر الماضية تدفقًا بشكل شبه متواصل من الوافدين الجدد الفارين من الصراعات الدائرة في بلادهم إلى مصر، البلد الذي يُعرف بين العرب بأنه “أم الدنيا”. وهذا الأمر لا يشمل السوريين فحسب، بل يشمل أيضًا السودانيين واليمنيين والإريتريين، ومؤخرًا الفلسطينيين الفارين من غزة.

ودفعت القواعد المتساهلة المنظمة للهجرة في مصر، العديد من اللاجئين إلى عدم التسجيل رسميًا كلاجئين أو السعي للحصول على إذن رسمي بالبقاء على المدى الطويل، ومع ذلك فقد تمكنوا من الاندماج في المجتمع المصري بسلاسة إلى حد كبير، وإلى دعم أنفسهم كذلك، وفي بعض الأحيان تدشين أعمال تجارية لهم.

ولكن منذ أن أدت الحرب الأهلية في السودان إلى زيادة تدفق اللاجئين إلى مصر بدءًا من عام 2023، بدأت الحكومة الفقيرة في القاهرة تشتكي بصوت أعلى وأعلى من الأعباء التي تتكبدها بسبب تدفق الأجانب إليها. وسرعان ما قامت بتشديد سياساتها في هذا الخصوص – على أمل كسب المزيد من الدعم من الداعمين الدوليين الحريصين على منع تدفق الهجرة إلى دولهم، كما يقول محللون ودبلوماسيون.

وتقول مصر إنها تنفق حوالي 10 مليار دولار سنويًا على تسعة ملايين لاجئ دخلوا البلاد، وفقا لمسؤولين ووسائل إعلام تسيطر عليها الحكومة (على الرغم من أن الخبراء يقولون إن كلا الرقمين مبالغ فيهما إلى حد كبير)، كل هذا في حين يرزح المصريون تحت نير ارتفاع الأسعار وخفض الدعم.

وقد أدت سنوات من بذخ الإنفاق الحكومي المفرط، والاعتماد على الواردات، والسياسات الحكومية التي أهملت نمو القطاع الخاص، إلى ترك الوضع المالي في البلاد في حالة هشة قبل أن تؤدي الحروب التي اندلعت في أوكرانيا وغزة إلى انهيارها. ووفقًا لمسؤولين حكوميين، فقد خسرت مصر ما يُقدَّر بـ 7 مليار دولار من العائدات بالغة الأهمية من قناة السويس في عام 2024 حيث أدى الصراع في غزة إلى الضغط على حركة الشحن في البحر الأحمر.

ومع غرق مصر في الديون وصعوبة سداد ثمن الواردات مثل القمح والطاقة، انهارت قيمة العملة المحلية، في حين أصبح من الصعب العثور على بعض السلع.

وألقى أحمد أبو اليزيد، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة السكر المملوكة للحكومة، شركة الدلتا للسكر، باللوم على اللاجئين في نقص السكر في البلاد والذي يربطه الخبراء بالأزمة الاقتصادية. واتهمهم الرئيس باستنزاف مياه مصر الثمينة. وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، اتهمت حسابات مؤيدة للحكومة – بعضها اتضح أنها مزيفة – اللاجئين السودانيين برفع الإيجارات والترويج لعملية ختان الإناث.

وبحسب المهاجرين واللاجئين والمدافعين عنهم، فقد تبعت هذه الاتهامات مباشرة حملة صارمة. حيث تم القبض على لاجئين سودانيين في حملات أمنية، واحتجازهم وترحيلهم على وجه السرعة. كما طُلب من السوريين الذين يعيشون في مصر منذ سنوات أن يدفعوا آلاف الدولارات إذا رغبوا في البقاء. ويظل كثيرون مترددين في العودة إلى بلادهم، على الرغم من سقوط نظام الأسد في شهر ديسمبر2024، في انتظار أن تستقر الأوضاع هناك.

ويواجه العمال الأجانب، بما في ذلك القادمون من آسيا وأجزاء أخرى من أفريقيا الآن عقبات إضافية للمحافظة على وضعهم القانوني في مصر، وفي بعض الحالات، يتم القبض عليهم لإجبارهم على دفع رسوم باهظة، بحسب المدافعين عن حقوقهم.

وفي الشهر الماضي، أقرت مصر قانونًا من شأنه أن ينقل مسؤولية تدقيق  وفحص أحوال اللاجئين وغيرهم إلى الحكومة، بدلا من وكالة الأمم المتحدة للاجئين.

وقال مسؤولون حكوميون إن هذا الإجراء من شأنه أن يضمن توفر مجموعة واسعة من حقوق اللاجئين. ومع ذلك، فقد قال منتقدو هذه الخطوة إن الإجراءات من شأنها أن تجعل إمكانية حصول اللاجئين على الحماية أو الوصول إلى الرعاية الصحية والمدارس أصعب كثيرًا. كما يمنح القانون الحكومة سلطة إلغاء وضع اللاجئ لأسباب غامضة مثل انتهاك الأمن القومي أو ممارسة نشاط سياسي أو انتهاك العادات الاجتماعية المصرية.

وقال أبو صالح (32 عامًا)، وهو سوري يعمل في محل بقالة صغير في القاهرة، إنه عاش في المدينة لمدة 13 عامًا “دون مواجهة أي مشكلة” حتى اكتشف في شهر يوليو أنه لم يعد بإمكانه تسجيل ابنه في المدرسة دون أن يكون لديه تصريح إقامة.

وقال إنه لكي يقوم بتجديد التأشيرات السياحية لعائلته، قيل له إنه سيتعين عليه العودة إلى سوريا ودفع رسوم قدرها 2,000 دولار لكل شخص منهم – وهي العملية التي يتعين عليه تكرارها كل ستة أشهر.

وقال أبو صالح، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه الحقيقي في المدينة لتجنب أي عواقب محتملة: “كانت مصر إلى جانبنا طوال الوقت. وأود أن أناشد الحكومة المصرية: نرجوكم امنحونا الإقامة، حتى لو كانت أكثر تكلفة بعض الشيء. فنحن نواجه ظروفًا صعبة”.

ولم تقم مصر بشرح موقفها المتشدد تجاه الأجانب. لكن محللين ومدافعين عن المهاجرين يربطون ذلك بالأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، والتي ولَّدت مرارة بين المصريين على نطاق واسع وقوضت عُرى حكم الجنرال عبد الفتاح السيسي.

وتقول جماعات حقوق الإنسان إن الوافدين الجدد أصبحوا يشكلون “كبش فداء” مناسب لتبرير المصاعب التي يواجهها المصريون. ويمكن للرسوم المفروضة على المهاجرين، والتي يتم فرضها بالدولار، أن توفر بعض العملات الأجنبية التي تحتاج إليها مصر بشدة. وتقول جماعات حقوقية إن الأجانب يُعتبرون أيضًا بيادق ثمينة وقيمة في مساعي مصر للحصول على المزيد من الدعم المالي من شركائها الدوليين.

وتقول نور خليل، المديرة التنفيذية لمنصة اللاجئين في مصر، والتي تدافع عن حقوق المهاجرين: “إنهم يفكرون، كيف يمكن لهؤلاء الأشخاص أن يكونوا مفيدين للحكومة؟”. وتقدر وكالة الأمم المتحدة للاجئين وجود حوالي 818 ألف لاجئ مسجل في مصر، يحق لهم الحصول على الرعاية الصحية العامة والتعليم المجاني. ومن المرجح أن يكون هناك المزيد من اللاجئين غير المسجلين، على الرغم من أن بعض المحللين وعمال الإغاثة يشككون في أن الرقم يمكن أن يصل إلى تسعة ملايين (كما تزعم الحكومة).

وفي مؤتمر صحفي عقده الشهر الماضي، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن المزايا التي يحصل عليها اللاجئون المسجلون في البلاد تعني أن مصر “تعاملهم كمصريين، على الرغم من حقيقة أننا لسنا دولة غنية”. وأضاف: “لا توجد دولة في العالم تتحمل كل هذه المسؤوليات والتحديات كما تفعل مصر. ليس لدينا مخيم واحد للاجئين – فهم مندمجون بشكل كامل في المجتمع المصري”.

ويتفق المدافعون عن اللاجئين على أن مصر تحتاج إلى المزيد من الموارد. وعلى النقيض من دول أخرى في المنطقة، بما في ذلك الأردن ولبنان وتركيا، حيث ضخت الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي مليارات الدولارات لدعم اللاجئين، لم تتلق مصر أموالًا كبيرة للمساعدة في إيواء اللاجئين السوريين أو غيرهم من اللاجئين.

ولكن هذا الأمر بدأ يتغير.

يقول المحللون والدبلوماسيون إن الدول الغربية قد سارعت إلى تقديم المساعدة لمصر، في ظل تأثيرات الحرب الدائرة في غزة على وضع المالية العامة في مصر، حرصًا منها على منع الانهيار الاقتصادي في أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، حيث من شأن الانهيار الاقتصادي في مصر أن يزيد من زعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط ويدفع بموجات من المهاجرين عبر البحر الأبيض المتوسط ​​إلى قارة أوروبا، حيث توجد ضغوط شعبية شديدة لفرض قيود على الهجرة إليها.

وقد تعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم حزمة مساعدات سريعة لمصر تُقدّر بـ 8 مليار دولار في شهر مارس، في تكرار للصفقات التي أبرمها الاتحاد الأوروبي مع دول مثل موريتانيا وتونس وتركيا لتمويل إنفاذ قوانين الهجرة في تلك الدول.

كما أرسل داعمون آخرون، بما في ذلك صندوق النقد الدولي، مليارات أخرى من الدولارات بهدف تحقيق حالة من الاستقرار في الاقتصاد المصري.

ويقول المنتقدون لهذه الخطوات إن الاتفاق الذي أبرمه الاتحاد الأوروبي مع مصر، على غرار اتفاقيات الهجرة الأخرى التي أبرمها الاتحاد مع دول أخرى، يمكّن الحكومة من القيام بانتهاكات لحقوق الإنسان من خلال مكافأة الاستبداد الذي ينتهجه الجنرال السيسي، وربما ضمن ذلك تمويل الحملة الدائرة حاليًا ضد المهاجرين.

وقد وثّقت جماعات حقوقية، بما في ذلك منظمة العفو الدولية ومنصة اللاجئين في مصر، ما يقولون إنه نمط من ضروب الاعتقالات التعسفية الجماعية والترحيل غير القانوني للاجئين السودانيين – حيث احتُجز بعضهم أثناء تهريبهم عبر الحدود، بينما تم القبض على آخرين خلال حملات عشوائية على الأحياء التي تقطنها أغلبية السودانية في مصر.

وقال السيد نور خليل من منصة اللاجئين في مصر إن بعض السوريين طُردوا من البلاد أيضا. وأضاف أن منظمته وثقت أيضًا أكثر من 50 حالة اعتقال لعمال أجانب، بعضهم كان لديه إقامة نظامية بالفعل، وتم احتجازهم حتى دفعوا مبلغ 1,000 دولار على شكل رسوم وغرامات.

وقد أدى الجو المفعم بالخوف هذا إلى تدفق حشود من السودانيين إلى أبواب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في القاهرة، سعيًا وراء الحصول على الحماية الرسمية منها. ولكن الحصول على وضع اللاجئ قد يستغرق شهورًا، إن لم يكن سنوات: فالمواعيد لبدء هذه العملية لن تكون متاحة حتى أواخر عام 2025. وقال السيد نور خليل إن بعض اللاجئين السودانيين الذين تم احتجازهم وترحيلهم يحملون شكلًا من أشكال الهوية الصادرة عن الأمم المتحدة، مما يثير الشكوك حول ما إذا كانت المنظمة قادرة أصلًا على ضمان الأمن لهم.

ومن بين أولئك الذين كانوا ينتظرون بالخارج أمام المفوضية ذات صباح كان محمد عبد الوهاب، والذي يبلغ من العمر 36 عامًا. وبمجيء الوقت الذي حاول فيه عبد الوهاب هو وعائلته عبور الحدود من السودان إلى مصر هذا الربيع، كانت البلاد قد فرضت قيودًا صارمة على الحركة الحرة بين البلدين، مما ألجأهم ذلك إلى المهربين لمساعدتهم بدلًا من ذلك.

وفي غياب الأوراق القانونية اللازمة، كان السيد عبد الوهاب وابنه مهند البالغ من العمر 14 عامًا يجمعان الزجاجات البلاستيكية من شوارع القاهرة لبيعها من أجل كسب لقمة العيش. وفي أحد أيام شهر يونيو، كان السيد عبد الوهاب يبحث عن عمل أفضل عندما اختفى ابنه مهند تمامًا. وبعد مرور عشرين يومًا، عاد مهند إلى الظهور من خلال رسالة تم إرسالها على تطبيق واتساب: لقد تم القبض عليه مع مجموعة من السودانيين الآخرين وتم ترحيلهم.

كان السيد عبد الوهاب يبحث عن مهند في مدينة أخرى. وعندما عاد إلى القاهرة، تم طرد زوجته وثلاثة أطفال آخرين بسبب عدم القدرة على سداد المبالغ المطلوبة.

وقال عبد الوهاب: “إنه أمر لا يمكن وصفه أبدًا”، وأضاف: “هم الآن يخيمون جميعًا هنا”، في إشارة إلى أفراد عائلته، مشيرًا إلى الرصيف الممتد أمام وكالة شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، حيث كانت مجموعات كبيرة من السودانيين الآخرين ينتظرون بلا اهتمام تحت أشعة الشمس الحارقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى