الخبر:
كشفت وسائل إعلام، يوم 22 ديسمبر 2024م، أن ماليزيا تحفظت على مقترح مصري لإبرام اتفاقية تعاون أمني بين البلدين تسمح بتسليم المطلوبين الأمنيّين من الجانبين.
الطلب المصري جاء خلال زيارة رئيس الوزراء الماليزي، أنور إبراهيم، لمصر في نوفمبر 2024م، لحضور الاجتماعات التحضيرية لقمة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي، بالقصر الرئاسي بالعاصمة الإدارية الجديدة.
سبب التحفظ والرفض الماليزي للطلب المصري بتسليم المطلوبين الأمنيّين يعود إلى تعارض المطلب المصري مع القيم الحقوقية التي تلتزمها ماليزيا، خصوصًا فيما يتعلق بالقضايا المرتبطة بالمعارضة السياسية، والنشطاء السياسيّين، والأحكام القضائية ذات الطابع السياسي، حسبما أُعلِن.
لكن ماليزيا أكدت أن هذا التحفظ لا يعني رفض التعاون الأمني مع القاهرة في مجالات أخرى، مثل مكافحة الإرهاب، والتصدي للجرائم العابرة للحدود، وتهديدات الأمن السيبراني، والاحتيال المرتبط بالعملات المشفرة.
التعقيب:
الطلب المصري من ماليزيا يأتي في وقت تتزايد فيه الضغوط على نظام عبد الفتاح السيسي داخليًّا وخارجيًّا، بسبب الفشل الاقتصادي وتراجع دور مصر إقليميًّا ودوليًّا، وحالة قلق غير عادية تنتاب النظام عقب انتصار الثوار في سوريا، خشية أن يكون السيسي هو التالي بعد بشار الأسد.
القلق المصري من مصير بشار الأسد، دفع السلطات للتركيز على خطر المعارضين الخارجيّين الذين ينشطون في دول آسيوية، أبرزها ماليزيا، وغربية مثل أمريكا وبريطانيا، وأدوارهم في قيادة المعارضة وتصعيد الضغوط على النظام، ومن ثم السعي لإجهاض أنشطتهم.
عبد الفتاح السيسي أشار بشكل غير مباشر لهذا الخطر المستمر على نظامه، خاصة من المعارضين في الخارج عبر مواقع التواصل، خلال كلمته في تخريج دفعة من الشرطة يوم 22 ديسمبر 2024م.
قال السيسي: “الخصم لك (عدوك) لن يتوقف، وهيفضل شغَّال، وبكرة والسنة الجاية والسنين الجاية”، وألقى باللائمة على “خطط” تعتمد على مواقع التواصل الاجتماعي تهدف إلى “تحريك الدنيا”، حسب قوله.
أضاف السيسي: “أول مرة نشوف استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في تحريك الدنيا”، و”لازم تكونوا عارفين إحنا لينا خصوم، والخصوم مش مصلحتهم إن مصر تبقى كويسة”.
الطلب المصري الأخير بتسليم معارضين، محاولة لحث ماليزيا على تكرار ما فعلته في 10 مارس 2019م، حيث أعلنت رسميًّا ترحيل 6 مصريين، منهم 5 من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، بالإضافة لشاب مصري من “أنصار الشريعة”، لمصر.
حينها نقلت وكالة “رويترز” للأنباء ووسائل إعلام ماليزية عن المفتش العام للشرطة الماليزية، محمد فوزي هارون، قوله إن المرحلين هم خمسة مصريين اعترفوا بأنهم أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين في مصر، بالإضافة لمصري آخر وتونسي.
وهو ما حذرت منه حينها منظمة العفو الدولية في ماليزيا، وأكدت أن المصريّين الذين تم ترحيلهم أصبحوا معرضين لخطر الاختفاء القسري والتعذيب والاحتجاز لفترات طويلة والمحاكمات غير العادلة، وطالبت الحكومة الماليزية باحترام “مبدأ عدم الإعادة القسرية وضمان عدم ترحيل الأشخاص المعرضين لخطر الاضطهاد أو التعذيب”.
تسليم معارضين مطلوبين لنظام السيسي كان في عهد حكومة “محيي الدين ياسين” رئيس وزراء ماليزيا السابق عامي 2019 و2020، وقبل تولي “أنور محمد” القريب من التيار الاسلامي رئاسة الوزراء منذ 24 نوفمبر 2022م، بعد فوز حزبه بأكثر عدد من مقاعد البرلمان.
أنور أبراهيم منفتح علي التيار الإسلامي عمومًا، لذا اختلف تعامله مع قضايا الاسلاميّين المطلوبين لدول قمعية مثل مصر عن الحكومات السابقة.
في انتخابات ماليزيا الأخيرة 2022م، ضاعف الحزب الإسلامي الماليزي (PAS)، القريب من فكر جماعة الإخوان المسلمون، حصته بأكثر من الضعف (150%) وحصد 49 مقعدًا، مما جعله أكبر حزب منفرد في البلاد يحصل على هذه النتيجة مقارنة بـ 18 مقعد فقط كانت له في برلمان 2018م، وهو ما يصعب حاليًا أن تقبل ماليزيا بأي مطالب مصرية لتسليم المعارضين.
تزامن تسليم معارضين مطلوبين لنظام السيسي مع وضع وزارة الداخلية المصرية عام 2019م قوائم تضم صور أشخاص قالت إنهم مطلوبين أمنيًّا، وتتنوع الاتهامات بين قضايا عسكرية وجنائية، وذلك في محاولة لوقف الانتقادات التي يقومون بها ضد النظام وفضح ممارسات وانتهاكات حقوق الإنسان في مصر.
لا أحد في العالم، باستثناء بعض الديكتاتوريات العربية، يثقون في أي أحكام أو طلبات تسليم يصدرها نظام السيسي بسبب القمع والوضع السلبي لحقوق الإنسان، والتشكيك في النيابة والقضاء المصري بعد تطويعهم للسلطة، ومن ثم في أن تجري محاكمة عادلة لأي مطلوب، لذا يتم رفض الطلبات المصرية حتى ولو جاءت عبر الإنتربول في كثير من الأحيان.
عمليات تسليم المطلوبين تعتمد أساسًا على الإرادة السياسية للدول، وليست مسألة قانونية أو قضائية بحتة، وبعض الدول قد توقع اتفاقيات ثنائية لتسليم المطلوبين، لكنها قد تمتنع عن التسليم في حالات معينة وفق ما تراه هي.
يمنع القانون الدولي والمعاهدات الحقوقية التعاطي مع مطالب تسليم “مطلوبين سياسيّين”، وتدرك دول العالم أن المطالب المصرية تتعلق بمطلوبين سياسيّين أكثر منها مطالب جنائية لذا يتم رفضها.
وفقاً للقانون الدولي، تخضع اتفاقيات تسليم المطلوبين الأمنيّين لمبادئ منها: عدم تسليم اللاجئين السياسيّين، بل وتُلزم المواثيق الدولية الدول المضيفة بعدم تسليم الأفراد الملاحقين على خلفية قضايا سياسية، استنادًا إلى معاهدات، مثل اتفاقية جنيف لعام 1951م.
المبدأ القانوني في مسألة تسليم المطلوبين الأمنيّين ينص على أن الفصل في تحديد ما إذا كان الشخص مرتكبًا لجريمة عادية أو جريمة ذات طابع سياسي يعود إلى دولة الملجأ نفسها، حيث تحتفظ هذه الدولة بحقها في التكييف المنفرد، خصوصًا عندما ترى أن المطلوبين مضطهدون سياسيًّا، فتمنحهم حق اللجوء وترفض تسليمهم.
الإنتربول الدولي يلتزم بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بما يشمل حماية المطاردين سياسيًّا، ويحترم القوانين المحلية للدولة المطلوب منها التسليم، لذا يرفض في كثير من الأحيان مطالب مصر باعتبارها دولة يحكما نظام قمعي استبدادي.
الإنتربول يصدر ستة ألوان من النشرات، أبرزها النشرة الحمراء، التي تشير إلى أن المطلوبين يشكلون تهديدًا للأمن والسلم الدوليّين، ومع ذلك، هذه النشرة ليست ملزمة للدولة المطلوب منها التسليم، بل تُعتبر مجرد طلب تنسيقي خاصة إذا رأت الدولة التي لجأ لها المطلوبين سياسيًّا أنهم “مضطهدون” لا “مجرمون”.
الدولة التي تمنح اللجوء السياسي تلتزم بعدم تسليم اللاجئين لأي دولة إلَّا في حال ارتكابهم أفعالًا تهدد أمنها القومي.