الخبر:
بينما كان عشرات الآلاف من النازحين من أهالي غزة يستعدون للعودة لمنازلهم المدمرة في شمال غزة، عبر محور نتساريم، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحات مثيرة للجدل عن استضافة مصر والأردن لمليون ونصف فلسطيني من قطاع غزة.
ترامب قال إنه يود أن يرى الأردن ومصر ودول عربية أخرى تزيد من عدد اللاجئين الفلسطينيّين الذين تقبلهم من قطاع غزة، بما يؤدي إلى إخراج ما يكفي من السكان و”تطهير” المنطقة التي مزقتها الحرب لإنشاء “سجل نظيف”، وفق مزاعمه.
اختيار ترامب تهجير مليون ونصف، وفق تصريحه، رغم أن سكان غزة 2.2 مليون نسمة، كان مؤشرًا على أنه يتماهى مع الخطط الإسرائيلية بشأن إخلاء شمال غزة وتحويله لمنطقة عازلة ضخمة بين دولة الكيان الصهيوني والفلسطينيّين.
كما أن اختياره مصر والأردن لتهجيرهم، كان مفاجأة سيئة لحكام البلدين، لآثاره الضارة على حكمهما، لذا انتقل الحديث لنقل الفلسطينيين إلى دول إسلامية مثل إندونيسيا وألبانيا. ورغم إعلان الدول الأربعة رفضها خطة ترامب، فقد أظهر الإصرار عليها رغبة ترامب في تنفيذ الشق الثاني من “صفقة القرن”.
التعقيب:
تؤكد عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الحديث عن صفقة القرن مجددًا، وخصوصًا مقترحه تهجير سكان قطاع غزة إلى أي مكان حتى ولو كان إندونيسيا، أبعادَ هذه الخطة وطبيعة أهدافها.
تشير تصريحات ترامب إلى سعيه لتنفيذ شق ثان من “صفقة القرن”، مستغلًا النتائج التي ترتبت على الحرب في غزة ولبنان ومع إيران، وتوسيعها بمحاولة فرض ما فشل الاحتلال في تنفيذه من تطهير عرقي لقطاع غزة بالقصف الإجرامي والإبادة الجماعية، ولكن هذه المرة عبر ضغوط سياسية على أنظمة عربية.
في صفقة القرن الأولي التي طرحها ترامب خلال فترته الرئاسية الأولي (2027-2021م)، كان الحديث يدور حول استضافة مصر بعض النازحين من غزة فقط داخل سيناء ضمن مشاريع للفلسطينيّين تبنيها مصر بأموال أمريكية على الحدود، لكن في الصفقة الحالية يتحدث عن تهجير دائم لأكثر من نصف الشعب الفلسطيني في غزة لإنهاء القضية الفلسطينية.
استخدم ترامب عبارة “تطهير” أو “clean out”، وهو يتحدث عن نقل الفلسطينيّين من غزة إلى مصر والأردن، و”تنظيف هذا الأمر برمته”، أظهر أنه يتحدث عن “تهجير دائم”.
هدف صفقة القرن الأولي والثانية، هو اغلاق ملف القضية الفلسطينية تحت مسمى السلام والإنسانية، والانتهاء بشكل نهائي من مسألة الحقوق السياسية للفلسطينيّين، والاكتفاء ببعض الحقوق الاقتصادية.
القناة 12 الإسرائيلية، في 26 يناير، نقلت عن مسؤولين إسرائيليّين قولهم إن “تصريحات ترامب حول تهجير سكان غزة إلى دول عربية وإسلامية ليست مجرد زلة لسان، بل تمثل جزءًا من عملية أوسع وأشمل مما يبدو عليه الأمر في الظاهر”.
تعترض صفقة القرن عقبات كبيرة، أبرزها استمرار المقاومة في غزة وظهور قوتها خلال استعراضات تسليم أسرى الاحتلال، فضلًا عن تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه سواء داخل غزة أو في الشتات، وهو ما أفشل صفقة ترامب الأولي عام 2019م.
برغم فشل صفقة القرن الأولي ووجود صعوبات تعترض الصفقة الثانية، يبدو أن إعادة طرح الصفقة يعكس رغبة أمريكية إسرائيلية في استغلال الظروف الإقليمية والدولية لتحقيق مكاسب مثل توسيع التطبيع الإقليمي، مع السعودية خصوصًا ودول آسيوية والتغطية على الفشل الإسرائيلي في احتواء المقاومة ومكافأة نتنياهو لقبوله وقف الحرب.
هناك توقعات، تغذيها صحف إسرائيلية، أن تعرقل أمريكا وإسرائيل جهود إعمار قطاع غزة كوسيلة للضغط على الفلسطينيّين ودفعهم نحو قبول فكرة التهجير أو التوطين طالما ظلت غزة مكانًا لا يصلح للعيش وفق الدعاية الصهيونية.
يُعتقد أن الخلاف الذي ظهر بين السيسي وترامب بشأن مسألة التهجير جاء بسبب محاولة ترامب فرض الامر علي السيسي عبر وسائل الإعلام، ما أحرج الأخير الذي أظهر تخوفه لاحقًا من رد فعل الشارع، لذا بادر بنفي قبول فكرة التهجير عبر الخارجية لا الرئاسة المصرية، ثم عبر “مصدر مسئول” لقناة المخابرات (القاهرة الإخبارية)، ثم بالظهور ورفض الأمر بعد عاود ترامب تأكيد أنه اتصل به وأنه (السيسي) وافق.
التقديرات تشير إلى أن هناك توافقًا بين السيسي وترامب بشأن ضرورة إبعاد حماس عن حكم غزة، وإضعاف المقاومة المسلحة، لكن الخلاف هو حول كيفية ذلك وتداعياته. فبينما يرى ترامب أن هذا سيفيد السيسي اقتصاديًّا عبر مساعدات أمريكية كمكافأة له، يخشى السيسي من ردة الفعل الداخلية.
مصر رفضت الصفقة لأنها لا تخلق فقط مشكلات أمنية واقتصادية، ولكنه تشكل خطرًا على حكم عبد الفتاح السيسي، الذي يخشى انتقال سكان ينتمون لحماس ذات المرجعية الإسلامية إلى مصر واحتمالات زعزعة استقرار حكمه.
أبرز سبب لقلق السيسي من الصفقة، والذي تحدث عنه بوضوح في المؤتمر الصحفي يوم 29 يناير الجاري، هو من “الشعب المصري” ذاته، لو تماهي مع الخطط الأمريكية الصهيونية، لذا قال بوضوح: “الشعب المصري لو طلبت منه هذا الأمر (تهجير الفلسطينيّين) هيخرج كله في الشارع المصري يقولي لأ”، أي الثورة عليه.
يعود سبب رفض الأردن لخطة ترامب بشأن قبول لاجئين فلسطينيّين إلى أنها تشكل خطرًا على أمنها القومي، إذ ترسخ فكرة صهيونية مفادها أن “الأردن هي موطن الفلسطينيّين”، ومن ثم هدم الحكم الهاشمي أو إلغاء ثنائية “فلسطين” و”الأردن”.
لذا قالت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” في 26 يناير 2025م، إن اقتراح ترامب “كان بمثابة خط أحمر بالنسبة للدول العربية، وخاصة الأردن ومصر، التي تنظر إلى الهجرة الجماعية للفلسطينيّين إلى بلدانها باعتبارها تهديدًا وجوديًّا محتملًا”.