في التاسع من فبراير 2025، نشرت وكالة “جيه إن إس” الإخبارية، وهي وكالة أنباء تقدم الأخبار والملخصات والمقالات والآراء والتحليلات لـ 100 صحيفة مطبوعة ومنشورات رقمية على أساس يومي وتُغطي كل ما يخص العالم اليهودي، خاصة “إسرائيل”، مقالاً تحليلياً بعنوان: ” تقييم معارضة مصر والأردن لخطة ترامب حول غزة ” لـ “دان ديكر”، وهو رئيس مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية والمدير السابق لمشروع الحرب السياسية المضادة في نفس المركز؛ و “يوني بن مناحيم”، المعلق المخضرم في الشؤون العربية والدبلوماسية في إذاعة وتلفزيون “إسرائيل”، وهو محلل بارز لشؤون الشرق الأوسط في مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية أيضاً، وشغل منصب المدير العام ورئيس تحرير هيئة الإذاعة الإسرائيلية.
ويرى الكاتبان في هذا التحليل الذي كان قد نشره أيضاً “مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية” أن “إعلان ترامب الجريء حول غزة والتحركات اللاحقة له خلقت الظروف لتصادم قريب المدى مع بعض حلفاء أمريكا العرب، وهو ما له آثار بعيدة المدى على إسرائيل، وبالتالي وضع نموذج جديد بقيادة أمريكية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط”، حيث تواجه القاهرة وعمان الآن تحدياً كبيراً في مواجهة إصرار ترامب على تنفيذ خطته الخاصة بتهجير الفلسطينيين من أرضهم في قطاع غزة.
وفيما يلي يقدم منتدى الدراسات المستقبلية ترجمة كاملة لمقال الصحفي البريطاني جيسون بيرك والذي نشرته صحيفة الجارديان، على النحو التالي:
أحدث الاقتراح الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخراً بـ “تطهير غزة” وإرسال سكانها المهجّرين إلى مصر والأردن، الدولتين المجاورتين، إما بشكل مؤقت أو إلى ما هو أبعد من ذلك، موجات من الصدمة في العالم العربي، حيث يقلب رأساً على عقب التفاهمات التي استمرت لعقود من الزمن حول القضية الفلسطينية.
ويشعر العديد من الزعماء العرب في الشرق الأوسط بقلق عميق إزاء الاجتماع الذي عقده الرئيس دونالد ترامب في المكتب البيضاوي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخراً، وهو ما يشير إلى عملية إعادة ترتيب كبيرة بين بلدانهم فيما يتعلق بمستقبل منطقة الشرق الأوسط.
وكانت المبادرة المقترحة التي أعلن عنها ترامب للضغط على العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ورأس الدولة المصري عبد الفتاح السيسي، وكلاهما يتلقى مليارات الدولارات من المساعدات الأمريكية، بمثابة محاولة (أمريكية – “إسرائيلية”) لإعادة ضبط رقعة الشطرنج في الشرق الأوسط، حتى ولو كان بشكل ظاهري فقط. لقد أثبت ترامب بالفعل في أول أسبوعين من توليه منصبه أنه “يتحدث بلغة الشرق الأوسط”. حيث ألزم حماس وإسرائيل بالفعل بالموافقة على صفقة تبادل تتكون من ثلاث مراحل لإطلاق سراح الأسرى “الإسرائيليين” (الذين تحتجزهم حماس منذ السابع من أكتوبر 2023) مقابل الإفراج عن أسرى فلسطينيين (في سجون الاحتلال). كما أنه قد تجرأ على فعل ما لم يفعله أي رئيس أمريكي من قبل – وهو توجيه ما كان بمثابة صدمة كهربائية بشأن القضية الفلسطينية إلى اثنين من الحلفاء العرب الرئيسيين للولايات المتحدة في المنطقة.
ولا مناص من القول بأن الخطة التي أعلنها ترامب أثارت سلسلة من الاجتماعات العاجلة والتصريحات والتحذيرات من جانب القوى العربية الكبرى، بما في ذلك المملكة العربية السعودية.
وفي هذا السياق، فإن الخطة ورد الفعل المتوتر الذي أعقبها يمهد الطريق لحدوث صدام محتمل بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، والمؤسسة العربية السُنّية من جهة أخرى. ولا شك أن النظام الإيراني سوف يستغل هذه الاختلافات على طريقته أيضاً. ومع ذلك، فإن ترامب عازم على تعطيل ذلك النموذج “الفاشل” الذي دام عقوداً من الزمان والذي أدى فقط إلى الحيلولة دون حل الصراع العربي الإسرائيلي (من وجهة النظر “الإسرائيلية”).
ومن جانبهما، أعرب الملك عبد الله والسيسي بشكل شديد الوضوح عن معارضتهما لخطة ترامب لإعادة توطين الفلسطينيين من قطاع غزة في بلديهما.
وتُشكل المعارضة التي أظهرتها الأردن ومصر لخطة ترامب تحدياً أمنياً ودبلوماسياً كبيراً للمنطقة، لأنها تفتح الطريق أمام انتهاج المواجهة مع الإدارة الأميركية.
ويمثل إعلان ترامب المبتكر المرة الأولى في تاريخ الشرق الأوسط الحديث التي يقترح فيها رئيس أمريكي مثل هذا الحل الشامل الذي يقلب رأساً على عقب كل التفاهمات العربية الأمريكية التي استمرت عبر عقود من الزمن حول “حل الدولتين”.
من وجهة نظر العالم العربي، فإن المبادرة التي قدمها ترامب تشير إلى تراجع الولايات المتحدة عن “صفقة القرن” التي كان ترامب نفسه قد طرحها في عام 2020.
ولم يهدر ترامب أي وقت في الترويج للفكرة. ففي السابع والعشرين من يناير 2025، أخبر ترامب الصحافيين أثناء رحلة له على متن طائرة الرئاسة الأميركية أنه تحدث مع السيسي بشأن تهجير الفلسطينيين من غزة إلى مصر.
وقال ترامب “أريد لهم (الفلسطينيون سكان غزة) أن يعيشوا في مكان خالٍ من العنف. لقد كانت غزة جحيماً لسنوات عديدة، ويمكنهم العيش في مناطق أفضل وأكثر راحة”.
وأوضح ترامب نهجه في دبلوماسية “الصديق والعدو”. ففيما يتعلق بالسيسي، قال ترامب، “لقد ساعدته كثيراً، وآمل أن يساعدنا. أعتقد أنه سيستقبل الفلسطينيين من غزة، وأعتقد أن ملك الأردن سيفعل الشيء نفسه”.
ومن جانبه، يعكس الاهتمام المركزي للملك عبدالله عبد الله نظرية مؤامرة قديمة مفادها أن إسرائيل تعتبر الأردن هي بمثابة دولة فلسطينية، وتعتزم إغراق المملكة بملايين الفلسطينيين من الضفة الغربية (التي تطلق عليها إسرائيل “يهودا والسامرة”) وقطاع غزة.
وليست المملكة الأردنية هي الوحيدة التي أعلنت رفضها للمبادرة الأميركية، فقد انتقدت مصر والسلطة الفلسطينية تلك الخطة أيضاً.
ومع ذلك، فلم يحدث أن أعلن أي رئيس وزراء إسرائيلي وهو في السلطة أنه يعتبر الأردن دولة فلسطينية.
ويبدو أن حساسية الأردن ومصر تجاه خطة ترامب متجذرة بعمق في خوفهما المشترك من أن “إسرائيل” كانت تخطط بهدوء منذ بداية حرب السابع من أكتوبر لإعادة توطين سكان غزة وإنشاء مجتمعات يهودية جديدة هناك (على أنقاض القطاع الفلسطيني).
إن الدراما التي تمزق الشرق الأوسط حالياً حول تلك المسألة ليست في الحقيقة مفاجأة للمراقبين الإقليميين. فمنذ بداية الحرب التي شنتها “إسرائيل” على حماس (بعد شن الأخيرة هجوماً على المستوطنات في غلاف غزة)، أصبحت هذه القضية محور الاهتمام الأساسي للعالم العربي والإسلامي.
فقد شهدت الأردن مظاهرات احتجاجية قادتها جماعة الإخوان المسلمين دعماً لحركة حماس في قطاع غزة، الأمر الذي يمثل تهديداً لاستقرار النظام الملكي الأردني. حيث يشعر الملك عبد الله بقلق عميق إزاء حفاظه على السلطة في المملكة. ومن المفهوم والمؤكد أيضاً لدى المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين أن الملك عبد الله يعارض أي مبادرة أميركية يمكن أن يُنظَر إليها على أنها تضر بالحقوق والمصالح الفلسطينية في قطاع غزة وكذلك في الضفة الغربية. ويعكس موقف الملك عبد الله ذلك مدى هشاشة النظام الملكي في الأردن.
ويواجه السيسي مأزقاً مماثلاً، إذ تشكل جماعة الإخوان المسلمين في مصر أيضاً تهديداً لاستقرار النظام الحكم الذي يرأسه السيسي. ولذلك يسعى الزعيمان العربيان بدأب ونشاط إلى إيجاد سبل لإزالة تلك الخطة من أجندة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
وهناك سابقة في ذلك. فبينما دعمت مصر والمملكة العربية السعودية دعوة ترامب خلال إدارته الأولى لاستئناف المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، انضمت الأردن إلى السلطة الفلسطينية في رفض خطة السلام التي طرحها ترامب في شهر يناير 2020، والتي كان قد أطلق عليها “صفقة القرن”، على الرغم من تضمينها دولة فلسطينية في نحو 70% من أراضي الضفة الغربية.
وترى القيادات المصرية والأردنية أن مبادرة ترامب لتهجير الفلسطينيين من غزة إلى مصر والأردن هي نسخة منقحة تم إعادة تصميمها وهندستها من واقع ذلك الاقتراح (صفقة القرن).
وقد أثار اقتراح ترامب الجديد (بتهجير الفلسطينيين من غزة) سلسلة من ردود الفعل العنيفة. وقال كبار المسؤولين الفلسطينيين إن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ومصر والأردن ينسقون معارضتهم له جنباً إلى جنب مع المملكة العربية السعودية من خلال تعزيز علاقاتهم الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين.
والحقيقة أن المخاطر كبيرة من وراء ذلك.
فكل من مصر والأردن تعتمدان بشكل كبير على المساعدات الاقتصادية والعسكرية السنوية التي تقدمها الولايات المتحدة. ويبعث قرار ترامب الأخير بخفض المساعدات الخارجية للأردن برسالة قوية إلى كلا الدولتين وغيرهما من الدول في المنطقة. حيث تواجه كل من مصر والأردن صعوبات اقتصادية شديدة، بما في ذلك في نقص العملات الأجنبية، والديون الخارجية الضخمة، وتحدي توفير الضروريات الأساسية مثل الغذاء والوقود لسكانهما.
وقد ذكرت صحيفة العربي الجديد، التي تتخذ من لندن مقرا لها، في الثامن والعشرين من شهر يناير أن مصر تتبنى استراتيجية “الصبر الاستراتيجي” – أي الانتظار ومحاولة إدارة الأزمة من خلال حسابات دقيقة خلف الأبواب المغلقة. حيث تدرك مصر أن أي مواجهة مباشرة مع ترامب قد تلحق الضرر بعلاقاتها السياسية والاقتصادية مع الولايات المتحدة.
كما أن مصر تدرك تمام الإدراك خطورة وضعها الحالي. حيث لا تقتصر علاقتها متعددة الأبعاد بالولايات المتحدة على الجانب السياسي فقط، بل تشمل أيضاً الدعم المالي والعسكري الكبير الذي تقدمه لها واشنطن. وتتطلب حساسية هذه العلاقة من كل من السيسي وعبد الله أن يتعاملا بحذر مع إدارة ترامب.
وتخشى مصر أن يؤدي الرفض الصريح لخطة ترامب إلى تعقيد علاقاتها مع واشنطن، التي تلعب دوراً محورياً في تأمين المساعدات الدولية لمصر – سواء من الولايات المتحدة مباشرة أو من خلال حلفائها الخليجيين. وبالإضافة إلى ذلك، فإن أي مواجهة دبلوماسية مع واشنطن حول القضية الفلسطينية قد تعرض القاهرة لضغوط داخلية وخارجية لا تستطيع تحملها.
ويقدّر كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين أن القيادة المصرية تعتمد على عدة عوامل بهذا الخصوص:
- الرفض الفلسطيني واسع النطاق للخطة – حيث ستعارض كل من السلطة الفلسطينية وحماس خطة ترامب.
- الرفض العربي التام للخطة – حيث سترفض الأردن والدول العربية الأخرى التعاون في هذا الشأن.
- التحولات في أولويات الولايات المتحدة – حيث تراهن مصر على أن السياسة الخارجية الأميركية أو اتجاه الإدارة الأمريكية الحالية قد يتغير بمرور الوقت.
وتواجه مصر والأردن الآن تحدياً كبيراً في التعامل مع تصميم ترامب على تنفيذ خطته لتهجير الفلسطينيين من غزة.
ومن المفهوم في الدوائر السياسية الأميركية أن ترامب يسعى إلى الحصول على جائزة نوبل للسلام، وأنه “عندما يقرر شيئاً ما، فإنه يبذل قصارى جهده لتحقيقه”.
ويجادل البعض بأن ترامب كان يستحق جائزة نوبل للسلام في ولايته الأولى بعد توقيع اتفاقيات أبراهام، لكن هذا لم يحدث لأسباب سياسية.
وتحاول مصر والأردن كسب الوقت لمنع تنفيذ خطة ترامب، ولا يمكن أن يردع ترامب عن تنفيذ اقتراحه إلا الاحتجاجات الشعبية الحاشدة التي يمكن أن تندلع في مصر والأردن، والتي تتركز حول قيادة السيسي وعبد الله (فيما يتعلق بالموقف من خطة التهجير).
وليس من غير المعقول أن نتوقع أن تقوم كل من حماس والسلطة الفلسطينية بتوحيد جهودهما لإثارة الرأي العام الفلسطيني ضد خطة ترامب لتهجير سكان غزة. وقد اكتسبت هذه القضية بالفعل زخماً كبيراً في وسائل الإعلام الفلسطينية وعلى شبكات التواصل الاجتماعي كذلك.
وعلى أرض الواقع، فقد نظم بالفعل عدة آلاف من المصريين احتجاجات مناهضة للخطة في الحادي والثلاثين من شهر يناير 2025 – بدعم من النظام المصري – وذلك على الجانب المصري من معبر رفح مع قطاع غزة.
وخلاصة القول، أن خطة ترامب تمثل صافرة بداية قوية لمظاهر التفوق الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، وذلك على العكس من “سياسة الاسترضاء” التي كانت إدارة أوباما وبايدن تنتهجانها.
فقد خلق إعلان ترامب الجريء حول غزة والتحركات اللاحقة له الظروف لتصادم قريب المدى مع بعض حلفاء أمريكا من الدول العربية، وهو ما يخلف آثاراً بعيدة المدى على إسرائيل.
ولكن من الممكن أيضاً أن ينجح التأكيد الجريء من ترامب على القوة الأميركية، واستخدامه للنفوذ الاقتصادي والمساعدات العسكرية، في تخفيف المعارضة الأردنية والمصرية لخطته، وبالتالي إرساء نموذج جديد تقوده الولايات المتحدة للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط. وقد يُنبئ هذا أيضا بمسار غير متوقع تماماً نحو الاستقرار الأمني الإقليمي والتخفيف المحتمل للصراع الفلسطيني “الإسرائيلي” الذي تفرضه الولايات المتحدة.