لم تعد شهادات فشل إسرائيل في تحقيق أهداف حربها التي شنتها على غزة أمرًا جديدًا؛ إذ تتوالى الاعترافات بالفشل على لسان غالبية الإسرائيليين في كل المستويات؛ السياسية والاستخبارية والبحثية والإعلامية، منذ اليوم الأول وحتى اليوم الأخير من الحرب. ويتحدث كبير الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي، أودي ديكل، والذي شغل سابقًا مناصب عليا في الجيش الصهيوني في مجال الاستخبارات والتخطيط الإستراتيجي، عن أن إسرائيل لم تحقق الانتصار رغم الحرب الطويلة ضد حركة حماس، والتي امتدت 500 يومًا، فهي لم تتمكن من تفكيك القدرات العسكرية والحكومية لحركة حماس بالكامل؛ وتمكنت الحركة، رغم الخسائر الكبيرة من البقاء؛ بحيث أصبح هدف القضاء على سيطرتها على القطاع والتخلص من تهديدها أمن إسرائيل أمرًا بعيد المنال في الظروف الحالية. وينطلق ديكل في حكمه بالفشل العسكري للحرب الإسرائيلية من إستراتيجية الجيش نفسه، والتي تحدد مفهوم النصر بأنه “تحقيق أهداف الحرب التي حددتها القيادة السياسية والقدرة على فرض شروط إسرائيل لوقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية والسياسية بعد الحرب على العدو”، وهذا كله لم تتمكن إسرائيل من تحقيقه في الحرب.[1]
يضاف إلى ذلك أن اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، حسب خبراء إسرائيليّين، ينطوي على مخاطر كبيرة؛ فهو اعتراف واضح بأن إسرائيل لم تحقق النصر، كما أنه يوفر لحماس فرصة للحفاظ على حكمها للقطاع، وإعادة البناء، وإرغام إسرائيل على إطلاق المئات من الأسرى الفلسطينيّين من السجون الإسرائيلية، علاوة على احتفاظها حتى الآن بعدد من الأسرى من أجل الضغط على إسرائيل.[2]
ما تريده إسرائيل لمستقبل غزة
ويمكن القول إن إسرائيل حتى اللحظة الحالية ليس لديها رؤية متبلورة حول مستقبل الوضع في غزة؛ لكن غياب هذه الرؤية لا يعني أن دولة الاحتلال ليس لديها أهداف واضحة تريد أن تتحقق؛ فإسرائيل التي حاربت لمدة 15 شهرًا ضد فصائل المقاومة في غزة، وفي مقدمتها حركة حماس، تعلم أن بقاء الحركة على المستوى العسكري وعلى مستوى إدارة القطاع، يعني عدم تحقق أهداف الحرب التي خاضها الجيش الصهيوني وهزيمة بالمعنى الإستراتيجي، وتدرك في الوقت نفسه أن أي تصور لاتفاق يحقق انسحابًا إسرائيليًّا كاملًا من غزة، وتبادل الأسرى وإعادة إعمار القطاع في ظل بقاء سلاح المقاومة يُعد من دون شك هزيمة كاملة لها، وهو ما لا تريده بالطبع، ويدفعها بشكل متكرر للنكوث عن تطبيق بنود المرحلة الأولى، فضلًا عن المضي قدمًا في المراحل التالية، التي يصبح الوصول إليها أمرًا صعبًا إن لم تتضمن المراحل المنشودة حلًّا سياسيًّا يحقق أهدافها التي لم تستطع إنجازها عن طريق الحرب.
وتتمثل الشروط الإسرائيلية للمضي قدمًا في الصفقة في عدة نقاط؛ أولها ربط إعادة الإعمار بنزع سلاح حركة حماس، وأن تكون للكيان الصهيوني المسؤولية الأمنية، وأن يفرض نزع السلاح إن تطلب الأمر. وفي حال الموافقة على مقترح مصري يخص إدارة القطاع؛ وقيام مصر والدول العربية باقتراح حكومة من التكنوقراط الفلسطينيّين لإدارة القطاع من دون إشراك حماس، فإن إسرائيل سوف تصر أن تكون هذه الإدارة مخولة بكل شيء (الإدارة المدنية، المساعدات الإنسانية، وتلقي المساعدات الخارجية، وبناء قوة شرطية بدعم عربي)، وفي نفس الوقت ألا يكون البديل هو السلطة الفلسطينية. يضاف إلى ذلك وجود اعتراف دولي بحق إسرائيل في منع حماس من العودة للسلطة، وفرض نزع السلاح، وتحييد التهديدات، ما يعني أن يتفق الجميع على حرية عمل إسرائيل عسكريًّا داخل غزة. علاوة على ما تسميه إسرائيل “إصلاح النظام التعليمي” في غزة، واستبعاد الأونروا، ولا مانع من لعب دول أوروبية دورًا في هذا الصدد، إلى جانب دولة الإمارات التي تمتلك نظامًا تعليميًّا فاعلًا يمكن أن يحد من أي تأثير مستقبلي لأي فكر جهادي. وإلى جانب ما سبق أن تتم مراقبة الحدود لمنع التهريب، واحتفاظ الكيان باعتراض أي عمليات تخص هذا الأمر، ووجود منطقة عازلة داخل القطاع لتوفير مزيد من الشعور بالأمن لمستوطني الاحتلال.. فإذا لم يحدث ذلك فإن إسرائيل يجب أن تكون مستعدة لاستئناف العمليات العسكرية في غزة.[3]
خطة يائير لبيد
خلال الأيام الماضية قدم زعيم المعارضة الإسرائيلية، يائير لبيد، تصورًا حول ترتيب الأوضاع في غزة؛ تضمن قيام مصر بإدارة قطاع غزة لفترة تتراوح بين 8 إلى 15 عامًا، وأن تقود قوة حفظ سلام إقليمية يمكن أن تتعاون فيها السعودية، ودول اتفاق أبراهام، على أن يتم ذلك بالتنسيق مع إسرائيل والولايات المتحدة، للحفاظ على الاحتياجات الأمنية لإسرائيل. وضمان وجود حكم مدني، وإعادة الإعمار. ويرى لبيد أن هذا الحل يضمن تفكيك حماس، وعدم عودتها لإدارة القطاع، ونزع السلاح من كافة الفصائل، ومنع تهريب السلاح. وحسب رؤيته، فإن هذا التصور يضمن أمورًا ثلاثة لإسرائيل؛ مَن يدير القطاع بعد حماس، وألا يؤثر الوضع في القطاع على جهود التطبيع مع السعودية، والحفاظ على دور مصر شريكًا أمنيًّا لإسرائيل.[4]
وقد اعتبر مدير معهد الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، مارك دوفوفيتش، أن الخطة تقدم إجابة فعلية للتخوف الدولي حول مستقبل غزة، عبر الدفاع عن أمن إسرائيل، وإزالة حماس من السلطة. أما مديرة برنامج إسرائيل في المعهد نفسه، أنا كريبي، فأكدت أن الأوان قد حان لرؤية حلول واقعية جديدة يمكن أن تخلق واقعًا جديدًا بعد كل الحلول الفاشلة السابقة، كما قالت الباحثة بالمعهد، مريم وهبة، إن هذا التصور هو الحل الأقل سوءًا، لكن من المطلوب أن يكون هناك التزام واضح من القاهرة للتعاون مع إسرائيل من أجل تفكيك “أنفاق الإرهاب”، حسب لفظها.[5] غير أن الرفض المصري لتصور لبيد كان سريعًا؛ واعتبر المتحدث باسم خارجيتها رفض مصر لهذا التصور، لأنه يقدم “أنصاف حلول تسهم في تجدد حلقات الصراع”.[6]
يأتي الطرح الذي عرضه لبيد ليقدم دليلًا عمليًّا على استبعاد قطاع واسع من الإسرائيليين إمكانية تنفيذ تصور الرئيس الأمريكي بتهجير سكان غزة، وربما لهذا السبب لم تكن لتحظى بموافقة مكونات الائتلاف الحاكم في إسرائيل؛ وقد عبر كثير من الإعلاميين المقربين للحكومة عن استيائهم من الخطة لاعتبارات مختلفة؛ فالخطة صبيانية، متهورة، تضر بأمن إسرائيل، طبقًا للصحافي في موقع ماكور ريشون، روني إيتان.[7] كما أنها، حسب الصحافي في موقع ميدا، عومير أريخا، لا تبدو عملية مطلقًا في تصورها لدور السلطة في غزة بعد الفترة الانتقالية، علاوة على طرحها اسم مصر للقيام بتولي مسئولية إدارة القطاع، رغم عدم قيامها بالدور المطلوب لمنع تهريب السلاح إلى غزة، والذي أدى في النهاية لما حدث في 7 أكتوبر،[8] فضلًا عن نظرة مصر لإسرائيل باعتبارها عدوًّا بدليل ما يقوم به جيشها من عمليات تسليح متزايدة، دفعت السفير الإسرائيلي في واشنطن، يحيئيل ليتير، للقول إن “إسرائيل ستتعامل في القريب مع مسألة تسلح الجيش المصري”.[9]
الخطة العربية
في ظل هذه الشروط والتصورات الإسرائيلية، وعلى وقع تهديدات الرئيس ترامب بتهجير سكان غزة إلى مصر والأردن، واحتفاء الحكومة الإسرائيلية بالموقف الأمريكي؛ تصاعدت التصريحات العربية حول وجود خطة مصرية، أو عربية بديلة؛ تمنع تكرار مشهد النكبة القديمة من ناحية، وفي الوقت نفسه تمنع تعرض أمن الدولتين؛ مصر والأردن، لمشاكل تضر بأمنهما القومي، علاوة على الاستجابة لشروط إسرائيل فيما يتعلق بالقضاء على أي تهديدات من قطاع غزة.
وتتضمن الخطة العربية مبادئ عامة تتفق عليها الأطراف العربية الفاعلة؛ تتلخص في وجود لجنة حاكمة لإعادة إعمار غزة من التكنوقراط، لا تشارك فيها حماس ولا السلطة الفلسطينية، بميزانية 20 – 30 مليار دولار (حسبما تريد إسرائيل)، تشرف عليها جامعة الدول العربية، وفي مقدمتها مصر والسعودية والإمارات وقطر؛ على أن يكون لمصر الدور الأكبر في إدارة اللجنة والإشراف عليها، وتقوم دول الخليج بتمويل معظم المبلغ المطلوب. وهناك إشارات حول وجود قلق سعودي إماراتي فيما يخص مسألتين؛ التخوف من الفساد في عملية إدارة أموال إعادة الإعمار، وموافقة حماس على عدم المشاركة نهائيًّا في إدارة القطاع، وتسليم السلاح من دون أن تمتلك حماس ولو بندقية واحدة، على أساس أن ذلك يعني تكرار الدمار من جديد.[10] يضاف إلى ذلك أن التصور المصري يطرح، ضمن التفاصيل، تصورًا بإعادة توزيع الكتل السكانية في القطاع؛ بحيث يجري تخفيف أعداد سكان شمال غزة، وتوفير مساحات آمنة ذات كثافة سكانية محدودة في المناطق المتاخمة لمستوطنات الغلاف، مع قيام لجنة عربية بالفصل في أي منازعات أو خروقات من جانب الأجهزة المحلية أو الفصائل المسلحة، مع وجود شركات أمن أمريكية تتواجد في ثلاث مواقع تماس بين القطاع وثلاث مستوطنات.[11]
ويتوافق ما تنقله الصحافة العبرية عن مصادر عربية مع الخط العام للدول العربية المؤثرة في إخراج الخطة في شكلها النهائية، وفي تفاصيلها الداخلية، فرغم الاتفاق على المبادئ العامة للخطة يبدو التباين بين الموقف السعودي/الإماراتي والموقف المصري حول دور حماس في القطاع، ونزع سلاحها؛ فبينما يعد الموقف السعودي والإماراتي أكثر تزمتًا تجاه الحركة ورفض المشاركة الفعلية أو بالتمويل إن لم تكن هناك ضمانات تلزم حماس ألا تكون جزءًا من السلطة الحاكمة في غزة، وأن تسلم سلاحها، يتحرك المصريون بسياسة الخطوة خطوة؛ والتفكير في استيعاب الحركة من أجل “ترويضها”،[12] عبر الحديث عن وضع قيود ورقابة على سلاح المقاومة بدون نزعه، بحيث تكون هناك أماكن محددة لمستودعات الأسلحة تخضع لرقابة أوروبية ومصرية، مع التأكد من خلو المناطق التي سيتم إعادة إعمارها من أنفاق المقاومة، أو أي بنية عسكرية. وهذا يعني اتفاق الطرح السعودي الإماراتي والطرح المصري على التخلص من حركة حماس، ونزع سلاحها؛ وإن اختلفا في أسلوب تنفيذ ذلك واللغة المستخدمة في إقناع الحركة.
وهكذا فإن كل المبادرات المطروحة، أو تصورات التوصل لاتفاق نهائي لوقف الحرب تراعي بشكل أساسي الشروط الإسرائيلية، وتكافئ دولة الاحتلال على جرائمها في القطاع، وتقدَّم للجماهير العربية وكأنها انحناءة ضرورية أمام الريح العاتية المتمثلة في فرض التهجير الذي طرحه الرئيس الأمريكي.
هنا تحديدًا يتحرك الجميع باتجاه معقابة المقاومة، وعدم ممارسة أي دور ضاغط على إسرائيل، ومن ثم يبدو وقوف حركة حماس وبقية فصائل المقاومة وحدها في المفاوضات في مواجهة الاحتلال، والولايات المتحدة، بل وبعض الأطراف العربية أمرًا قد يفوق طاقتها، في ظل غياب أي ضغوط شعبية في العالمين العربي والإسلامي، وهي ضغوط بإمكانها، إن توفرت، أن تخفف الضغط عن المقاومة، وتدعم موقفها الثابت في مواجهة الاحتلال، وتمنعها من أن تعطي لإسرائيل بالمفاوضات ما لم تستطع الحصول عليه بالحرب. خصوصًا وأن هرولة الدول العربية لتقديم خطة ترضي الإدارة الأمريكية الجديدة “لتلافي سيناريو التهجير” لا تراعي أن الإسرائيليّين أنفسهم يدركون أن تصور ترامب غير واقعي، لأنه فضلًا عن صعوبة تطبيقه بشكل يقضي نهائيًّا على المقاومة، فهو يعرض أمن الأردن ومصر لخطر حقيقي وهو ما لا تريده إسرائيل.
[1] – אורי דיקל: הניצחון המיוחל על חמאס לא הוסג, ומה עכשיו? המכון למחקרי ביטחון לאומי 17 בפברואר 2025.
[2] – السابق.
[3] – אורי דיקל: הניצחון המיוחל על חמאס לא הוסג, ומה עכשיו? המכון למחקרי ביטחון לאומי 17 בפברואר 2025.
[4] – עמי רוחקס דומבה: הפתרון המצרי, יאיר לפיד מציג תוכנית להסדרת המצב בעזה. Israel Defense 26/02/2025.
[5] – السابق.
[6] – مصر ترفض مقترح توليها إدارة القطاع. الجزيرة.نت 26/2/2025. https://tinyurl.com/27sqte3h
[7] – רוני איתן: תוכנית לפיד, ילדותית, מופקרת ופוגעת בישראל. מקור ראשון 26/02/2025. https://tinyurl.com/2a3gq8k9
[8] – עומר אריכא: תוכנית יחסי הציבור של לפיד. מידה 26/02/2025. https://tinyurl.com/24jtbxhc
[9] – קסינה סיטלובה: פייק האיום המצרי משרת את האינטרס הישראלי. זמן ישראל 22/02/2025. https://tinyurl.com/238vzlet
[10] – דני זקן: עתיד עזה, סעודיה והאמיריות דורשות לפרק את חמאס מנשקו, מצרים וקטר מתנגדות. ישראל היום 25/2/2025.https://tinyurl.com/29zktclf
[11] – الخطة المصرية لغزة: رقابة على سلاح المقاومة وتوزيع الكتل السكانية في القطاع. العربي الجديد 20 فبراير 2025. https://tinyurl.com/2bf278rm
[12] – דני זקן: עתיד עזה, סעודיה והאמיריות דורשות לפרק את חמאס מנשקו, מצרים וקטר מתנגדות. ישראל היום 25/2/2025. https://tinyurl.com/29zktclf