تقدير موقفغير مصنف

الخطة المصرية المقدمة للقمَّة العربية بشأن إعادة تعمير قطاع غزة

للتحميل وقراء الملف بصيغة PDF

مقدمة

قدمت مصر خطتها الخاصَّة بإعادة الإعمار في قطاع غزة إلى القمة العربية، التي عُقِدت بالقاهرة في 4 مارس 2025م، في محاولة لصياغة موقف عربي موحد، للرَّد على خطة الرئيس الأمريكي ترامب بشأن تهجير سكان قطاع غزة.

احتوت الخطة على جانب سياسي وأمني، وآخر خاص بالإعمار، في إطار حل نهائي للقضية الفلسطينية. ولكن هذه الخطة لم تحظ بقبول جميع الأطراف المعنية والفاعلة في الشأن الفلسطيني، في ظِل شكوك حول إمكانية تنفيذها.

ملاحظات عامة

  • تهدف الخطة إلى توفير بديل لخطط ترامب من خلال إقامة بيئة مناسبة للمعيشة.
  • مرتكزات الخطة هي: الإعمار، ودعم مركزية الحكومة الفلسطينية، والتنمية الاقتصادية، وخلق ركائز للسلام.
  • احتوت الخطة المصرية على العناصر الرئيسة في خطة السلطة الفلسطينية.
  • الخطة لم تخرج “عدائية” و”تآمرية” بالقدر المتوقع تجاه حركة حماس وفصائل المقاومة.
  • الجزء الأول من الخطة سياسي أمني، مختصر، يسعى لحل نهائي للصراع.
  • الجزء الثاني من الخطة حول إعادة الإعمار، غارق في التفاصيل. ولعل السبب هو أنه رد على خطة ترامب للاستيلاء على القطاع واستثماره.
  • سوف تقدم الخطة لمنظمة التعاون الإسلامي، لتوفير الدعم السياسي والاقتصادي لها.

الجانب السياسي والأمني

اشتملت الخطة في سياقها السياسي والأمني على عدة محاور، تدور كلها في إطار الحل النهائي، من خلال ما يلي:

  • العودة إلى المسار السياسي: من خلال تدشين أفق سياسي واضح المعالم، يتسق مع القانون الدولي، وعلى أساس حل الدولتين، بوصفه الحل الأمثل لتكريس السلام الشامل.
  • الحفاظ على الحق الفلسطيني: من خلال تسوية عادلة، تحافظ على حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة وغير القابلة للتصرُّف، في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة على حدود 1967م.
  • رفض التهجير: من خلال استبعاد أي مبرر لتهجير الفلسطينيّين من أرضهم، ودعم بقائهم على هذه الأرض، والتأكيد على أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية، وأن تكريس فصل القطاع يَعني مزيدًا من الصراعات.
  • مركزية السلطة الفلسطينية: من خلال تطوير مؤسساتها وأجهزتها، وإشراف الحكومة الفلسطينية على مرحلة انتقالية بقطاع غزة تديرها لجنة إدارية من التكنوقراط وشخصيات غير فصائلية، تمهيدًا لعودة السلطة الفلسطينية الكاملة إلى القطاع.
  • ربط الحل في قطاع غزة بالضفة والقدس: من خلال وقف جميع الممارسات الأحادية غير الشرعية، بما في ذلك الأنشطة الاستيطانية، وضم الأراضي، ومحاولات تغيير الوضع القانوني والتاريخي القائم بالأماكن المقدسة.
  • الدعوة لنشر قوات دولية: من خلال طرح فكرة التواجد الدولي بالقطاع، ونشر قوات حفظ سلام، بجدول زمني ينتهي بإقامة الدولة الفلسطينية وبناء قدراتها.
  • إنهاء المقاومة: من خلال إزالة أسباب وجود المقاومة وتعدد الجهات الفلسطينية الحاملة للسلاح، بإيجاد عملية سياسية تعيد الحقوق إلى أصحابها. والتأكيد على أن نهاية جميع أعمال المقاومة الفلسطينية رهين بالوصول إلى اتفاق الوضع النهائي وإقامة الدولة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال والانسحاب الكامل من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
  • تثبيت إطلاق النار الحالي: من خلال العمل على الحفاظ على استدامة التهدئة الراهنة، وإطلاق سراح الرهائن والمحتجزين، والتحذير من أن انهيار اتفاق وقف إطلاق النار أمر كارثي، ويعوق الجهد الإنساني وإعادة الإعمار.

الجانب الإنساني والاقتصادي

استغرقت الخطة في جانبها الخاص بإعادة الإعمار على تفاصيل كثيرة، خاصَّة بالمرحلة العاجلة، ومرحلة إعادة الإعمار. ولعل السبب في هذه التفاصيل هو تقديم البديل للطرح الخاص بترامب، والذي يقوم على التهجير من منطلق إنساني للقيام بتنمية القطاع وتعميره. هذه التفاصيل جاءت من خلال المحاور التالية:

  • إبراز حجم الدمار: من خلال رصد حجم الدمار الضخم في جميع المجالات، على أساس بيانات المؤسسات الدولية والسلطة الفلسطينية، وعرض المشاريع الخاصَّة بالتعامل مع هذا الدمار ومجالات التعمير المختلفة.
  • إبراز دور السلطة في الإعمار: من خلال التأكيد على أن مسار التعافي والإعمار ملك للشعب الفلسطيني، وبقيادة فلسطينية، ممثلة في السلطة الفلسطينية.
  • إمكانية بقاء السكان أثناء التعمير: من خلال اعتماد مرحلة التعافي المبكر، التي تستمر 6 أشهر، وتضمن إقامة مواقع إسكان مؤقت، ليعيش فيها الفلسطينيون أثناء الإعمار، وإطلاق برنامج حماية اجتماعية وقروض ميسرة لإعادة التأهيل بالجهود الذاتية. وهو ما يُبطِل ما يروجه ترامب من استحالة بقاء الشعب أثناء عملية الإعمار.
  • الاسترشاد بالتجارب السابقة: من خلال الاستفادة من تجارب مدن تعرضت للدمار، مثل هيروشيما وبرلين وبيروت.
  • الإعمار المستدام: من خلال تهيئة الظروف المناسبة لاستدامة عملية الإعمار، كجزء من عملية سياسية لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة لتحقيق السلام في المنطقة. ولهذا تضمَّنت الخطة إنشاء بنية تحتية لدولة متطورة، تمتلك مرافق تساعدهاعلى الاستقلالية، مثل الميناء والمطار والمؤسسات الخدمية.

إيجابيات الخطة

  • رفض فكرة التهجير، ودعم بقاء الشعب الفلسطيني على أرضه.
  • الخطة في مجملها ليست ضد المقاومة؛ لأنها لم تتضمَّن ما يمثل ضغطًا حقيقيًّا عليها.
  • الخطة في مجملها بديل لأي مخطط لتهجير الفلسطينيّين من أرضهم.
  • ربط تنفيذ الخطة بوجود أفق سياسي لحل القضية الفلسطينية وإنهاء أسباب الصراع.
  • ربط إنهاء المقاومة وإلقاء السلاح بالحل النهائي والعادل للقضية الفلسطينية.
  • دعم قطاع غزة من خلال الدعوة إلى تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار.
  • ربط عدم الاستقرار في المنطقة واستمرار النزاع بعدم حصول الفلسطينيّين على حقوقهم.
  • التأكيد على الحقوق الفلسطينية المشروعة في إقامة الدولة المستقلة.
  • ربط الترتيبات في قطاع غزة بالوضع في الضفة الغربية والقدس.
  • الخطة مثالية في جانبها الإنساني والاقتصادي، ولا يمكن رفض ما ورد في هذا الجانب.
  • توسيع رقعة الدول والمؤسسات المطلوب مشاركتها في الإعمار.

سلبيات الخطة

  • الخطة بشكلها الحالي غير واقعية لعدم وجود إرادة سياسية لتنفيذها.
  • عدم إدانة إسرائيل بشكل صريح وواضح بسبب جرائمها في قطاع غزة.
  • عدم النص على تحميل إسرائيل وحلفائها في الحرب مسؤولية تعويض الفلسطينيّين عن الدمار والمشاركة في الإعمار.
  • المساواة بين الشعب الفلسطيني و”الشعب الإسرائيلي” في الحديث عن الحق في الأمن، في تجاهل لوجود عدوان إسرائيلي على الشعب الفلسطيني صاحب الحق في المقاومة.
  • تصدير السلطة الفلسطينية كممثل وحيد للفلسطينيّين، وتجاهل المقاومة.

إمكانية تنفيذ الخطة المصرية

الخطة المصرية حملت في طياتها عوامل عدم التنفيذ على أرض الواقع؛ لأنها جعلت الإعمار وترتيبات إدارة قطاع غزة واستبعاد حماس من المشهد وإنهاء المقاومة المسلحة في مقابل إيجاد أفق سياسي واضح ومجدول زمنيًّا لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، ويضمن حقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود 1967م.

الواقع على الأرض يقول إن هذه المعادلة (إنهاء المقاومة ووقف الصراع في مقابل حل الدولتين) لا توجد مقومات تنفيذها أو دفع إسرائيل للقبول بها، على جميع المستويات.

فالمقاومة الفلسطينية بعد ما تعرَّضت له من ضربات شديدة في الحرب الأخيرة، والسلطة الفلسطينية بما وَصَلت إليه من حالة مذرية في تضييع حقوق الشعب الفلسطيني والتعاون مع إسرائيل للبقاء في مكانها، والدول العربية التي تكافح أنظمتها الحاكمة لاسترضاء أمريكا ولا تملك إرادة سياسية للعمل على تنفيذ هذه الخطة، لا يملكون القدرة على إجبار إسرائيل أو دفعها في المرحلة الحالية إلى التجاوب مع الخطة المصرية.

على الجانب الآخر، توجد في إسرائيل حكومة هي الأشد تطرفًا في تاريخها، ولديها خطة تزيد من حالة التغيير الديمغرافي على الأرض، من خلال التوسع غير المسبوق في عمليات الاستيطان وضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية، وهو ما يعني أن حدود 1967م لم تعد موجودة بالفعل لإقامة دولة فلسطينية عليها.

هذه الحكومة الائتلافية لن يغامر رئيسها نتنياهو بتعريضها للانهيار في حالة القبول بالخطة المصرية، خاصَّة أن الوزراء المتطرفين فيها يستندون إلى رفض شعبي إسرائيلي لحل الدولتين، يقدر بنسبة 65 بالمئة، في مقابل 30 بالمئة فقط في 2012م.

على ضوء ما ذكرناه عن ممارسات الجانب الإسرائيلي، يمكن أن نفهم التصريحات التي خرجت عن إسرائيل بأن الخطة غير واقعية وتستند إلى مفاهيم قديمة.

هذا بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة تقودها اليوم إدارة ترامب التي تُعَد أكثر الإدارات الأمريكية عداءً للفلسطينيّين، حتى إن ترامب يَرى ضرورة زيادة مساحة إسرائيل على حساب الأراضي الفلسطينية، ولا يَعترف مستشاروه ووزراؤه بحل الدولتين.

مواقف القوى الفاعلة

تباينت مواقف القوى الفاعلة في الشأن الفلسطيني، ما بين القبول والرفض للخطة المصرية لإعمار قطاع غزة:

– الدول العربية

تبنت الدول العربية، المُشارِكة في القمَّة الطارئة بالقاهرة، الخطة المصرية، وجاء البيان الختامي ليؤكد على الخطوط العريضة التي تضمنتها الخطة، وهي التحذير من محاولات التهجير وتبعاتها على المنطقة، وتشكيل اللجنة الإدارية، والعمل على تمكين السلطة الفلسطينية للعودة إلى غزة، واستكمال وقف إطلاق النار.

كما تمسَّكت الدول العربية بالسلام مع إسرائيل كخيار إستراتيجي، يقوم على رؤية حل الدولتين كسبيل لتحقيق الاستقرار في المنطقة.

وكان لافتًا أن القمة أكدت على العمق الإسلامي للقضية، من خلال التأكيد على أهمية التنسيق العربي الإسلامي ضمن إطار اللجنة العربية الإسلامية.

يمكن قراءة الإجماع العربي على تبنِّي الخطة المصرية، رغم المواقف التي تصدر عن بعض الأنظمة المعادية للمقاومة الفلسطينية، على ضوء ما يلي:

  • أن حادث التهجير يصعب على الأنظمة العربية تمريره وتحمُّل تبعاته، ويمكن أن يؤدي إلى اضطرابات واحتجاجات شعبية؛ لأنه يُعتبر “نكبة” ثانية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
  • أن الخطة – في حال توفر متطلبات تنفيذها – تُعَد البديل المقبول، الذي يلبي مطالب الحلفاء في إسرائيل وأمريكا، وعلى رأسها إنهاء المقاومة، ويوفر بعض الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، وعلى رأسها إقامة دولة على ما تبقى لهم من الأرض. ومِن ثمَّ تتفرغ الأنظمة العربية للسير في مسار التطبيع إلى أبعد مدى دون معوقات.
  • أن تبنِّي الدول العربية للخطة المصرية، يَرفع عنها الحرج، ويُلقي بالكرة في ملعب المجتمع الدولي، بعد أن قدمت البديل الذي يُبطِل حجَّة ترامب، وهي ضرورة التهجير لأسباب إنسانية بحتة، تتعلق بعدم صلاحية المكان للمعيشة الإنسانية.
  • أن تبنِّي الدول العربية للخطة يتفق مع عدم دعمها للمقاومة الفلسطينية، وتماهيها مع المخططات الرامية إلى إخراج حماس من مشهد إدارة القطاع، عن طريق التدويل وإعادة السلطة الفلسطينية إلى القطاع.

– حركة حماس

رحبت حركة حماس بالخطة المصرية التي تبنَّتها القمَّة العربية لإعادة إعمار قطاع غزة، ودَعَت لتوفير جميع مقومات نجاحها. يمكن قراءة موقف حماس المرحب بالخطة رغم تهميشها لدور الحركة في الترتيبات المستقبلية، في ضوء ما يلي:

  • أن الخطة غير قابلة للتنفيذ؛ لأنه لا توجد مقومات تنفيذها على الأرض، الأمر الذي يقلل من أثر ما ورد فيها من تهميش للحركة في الترتيبات المنتظرة.
  • أن حماس بقبولها للخطة المصرية تنزع من الأنظمة العربية المُطبِّعة والمتعاونة مع إسرائيل ورقة الضغط على الحركة، وهي الادعاء بأنها خارجة على الإجماع العربي، وتهتم بمصلحتها على حساب مصالح الشعب الفلسطيني.
  • أن الحركة تدرك أن الخطة المصرية ما هي إلَّا وسيلة من جانب مصر والدول العربية للتخلُّص من ضغوط ترامب من أجل القبول بالتهجير.
  • أن الحركة بقبولها للخطة المصرية تقدم مساعدة كبيرة للنظام المصري الذي يتعرَّض للضغوط من جانب إسرائيل وأمريكا بسبب مستقبل قطاع غزة، وهو ما قد يقلل من العداء المصري الرسمي للحركة.
  • أن تنفيذ الخطة بكل ما ورد فيها يحقق الكثير من الأهداف التي تحارب من أجلها حركة حماس، وفي مقدمتها حماية حقوق الشعب الفلسطيني وإقامة الدولة المستقلة، وهو جوهر رؤية حماس للحل السياسي الشامل، التي أعلنها إسماعيل هنيَّة أثناء الحرب، وهي وقف العدوان، وفتح المعابر، وتبادل الأسرى، وفتح المسار السياسي لقيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس وحق تقرير المصير.
  • أن رفض الخطة بشكلها الحالي من جانب إسرائيل، مع وجود رغبة حقيقية في الهدنة من جانب الإسرائيليّين (إن تواجدت هذه الرغبة)، يُعيدنا إلى قواعد فض الاشتباك التي سَرت قبل 7 أكتوبر، وهي هدنة طويلة، مع بقاء حماس في إدارة القطاع، استعدادًا لجولة أخرى من الحرب.   

– إسرائيل

رفضت إسرائيل مخرجات القمَّة العربية وتمسَّكت بخطة ترامب، وبَررت رفضها للخطة المصرية التي تبنَّتها القمَّة بأنها لا تعالج حقيقة الوضع في قطاع غزة. واستندت تل ابيب إلى أن مخرجات القمة “لا تعكس الواقع بعد 7 أكتوبر 2023م، وأن الخطة تستند إلى مفاهيم ورؤى قديمة.

الرفض الإسرائيلي، رغم أن الخطة تنتهي بإيقاف المقاومة المسلحة، يمكن قراءته على ضوء أسباب أخرى، منها ما يلي:

  • أن الخطة سوف تحرم إسرائيل من العودة إلى الحرب مرة أخرى.
  • أن الخطة المصرية ربطت بين ترتيبات الوضع في غزة وحل الدولتين وإنهاء الصراع بشكل عادل، وهو ما ترفضه إسرائيل.
  • أن الخطة المصرية لم تكن واضحة فيما يخص مستقبل حركة حماس ووضعها في قطاع غزة، وربطت بين إلقاء السلاح والحل النهائي.
  • أن الخطة تعيد السلطة الفلسطينية إلى المشهد مرة أخرى، وهو ما يرفضه المتطرفون في الحكومة الإسرائيلية.
  • أن الخطة ربطت الوضع في قطاع غزة بالوضع في الضفة الغربية والأماكن المقدسة، وهو ما يتعارض مع مخططات المتطرفين الذين يريدون التوسع في الاستيطان وضم الضفة أو أجزاء كبيرة منها.

– الولايات المتحدة

رفضت الولايات المتحدة الخطة المصرية التي تبنَّتها القمَّة العربية، وأعلنت على لسان المتحدث باسم مجلس الأمن القومي، براين هيوز، أن الاقتراح الحالي لا يعالج الواقع القائم بأن غزة أصبحت غير صالحة للسكن، ولا يستطيع السكان العيش بإنسانية في منطقة تغطيها الأنقاض والذخائر غير المنفجرة. وتمسَّك براين اقتراح ترامب الخاص بالتهجير.

هذا الرفض الأمريكي لا يعني حتمية مضي أمريكا في طريقها لتنفيذ خطة ترامب، التي تهدف إلى القضاء على المقاومة وإخراج الشعب الفلسطيني من أرضه. والدليل على ذلك دخول الولايات المتحدة في مفاوضات مباشرة مع حركة حماس حول إطلاق سراح الأسرى وإمكانية التوصُّل إلى اتفاق أوسع لوقف إطلاق النار في غزة، رغم التصريحات العلنية عن ضرورة القضاء على الحركة وتهجير السكان.

سيناريوهات تنفيذ الخطة

ثمَّة سيناريوهات ثلاثة محتملة لإمكانية قبول الخطة المصرية وتنفيذها على أرض الواقع، وهي على النحو التالي:

  1. التنفيذ الكامل للخطة: أي قبول إسرائيل بالخطة بعد قبول حركة حماس لها، والدخول في مفاوضات تنفيذها بدعم إقليمي ودولي، وصولًا إلى الحل النهائي، وهو إقامة الدول الفلسطينية على حدود 1967م.
  2. عدم تنفيذ الخطة بالكامل: أي رفض إسرائيل للخطة، وهو ما حدث بالفعل، وفشل الدول العربية في تحقيق إجماع دولي للضغط على تل أبيب للتجاوب معها، خاصَّة أن الولايات المتحدة ترفض هذه الخطة.
  3. العودة إلى مقاربات ما قبل 7 أكتوبر: أي العودة إلى قواعد فض الاشتباك التي اتبعت في جولات الصراع السابقة، دون الخوض في قضايا لا تريد إسرائيل إثارتها في الوقت الراهن، حول إنهاء الصراع وفق حل الدولتين.

السيناريو الثالث هو الأقرب إلى التنفيذ حتى الآن، وهو ما يَعني الدخول في هدنة طويلة الأمد، بعد تسليم كافة الأسرى لإسرائيل، والبدء في إعمار القطاع بالقدر الذي يوفر الحد الأدنى من احتياجات سكان القطاع ومتطلباتهم المعيشية، مع تشديد الحصار حول القطاع والتضييق على سكانه، انتظارًا لجولة أخرى من المواجهات بين المقاومة وإسرائيل التي لن تسمح بعودة السلطة الفلسطينية للقطاع، وسوف تقبل ببقاء حماس، بغض النظر عن شكل هذا البقاء.

ولكن بعد 7 أكتوبر، ثمَّة متغيرات كثيرة طرأت على قواعد الاشتباك بين المقاومة وإسرائيل، ومِن ثمَّ فإن هذه المتغيرات سوف تنعكس على قواعد فض الاشتباك أيضًا.

لهذا، يمكن أن نرى تشديدًا غير مسبوق للحصار، وانتهاكات إسرائيلية متكررة لوقف إطلاق النار في القطاع، تصل إلى حد التدخل للقيام بعمليات عسكرية خاطفة وسريعة، أو القيام بعمليات اعتقال واغتيالات بين الحين والآخر، أو فرض تواجد عسكري إسرائيلي، في شكل نقاط ارتكاز أو مناطق عازلة.

هذه الانتهاكات في حالة تكرارها سوف تُعتاد من جانب المجتمع الدولي الذي لن يُصدَم بها؛ لأنها في النهاية لن تصل إلى حد المجازر التي ارتكبت في قطاع غزة بعد 7 أكتوبر، الأمر الذي يمكن أن يُحوِّل الفطاع إلى صورة أخرى من لبنان المستباحة من جانب إسرائيل.

هذا بالإضافة إلى إمكانية ظهور دور للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة، يتجاوز شروط التوافق الوطني والاحتكام إلى الشعب الفلسطيني في انتخابات تحدد الجهة التي تحكم القطاع، لتجنب استعداء الدول العربية التي تفضل التعاون مع السلطة. وأقرب مظاهر هذا الدور هو اللجنة الإدراية التابعة لحكومة السلطة.

خاتمة

الخطة المصرية لم تكتب لتنفذ؛ لأن مقومات تنفيذها غير متوفرة على الأرض. وقُدِّمت الخطة للقمَّة العربية لتُعتمَد، وتصبح وثيقة تدل على إمكانية إيجاد البديل لخطة ترامب، وتُستخدَم في مواجهة الضغوط الأمريكية الإسرائيلية من أجل تهجير الفلسطينيّين من قطاع غزة، الذي يمكن أن يُعرِّض أنظمة هذه الدول، خاصَّة في مصر والأردن، لمشاكل داخلية تزعزع الاستقرار. ومن ثمَّ قبلت بها المقاومة الفلسطينية ورفضتها إسرائيل التي لا يوجد ما يدفعها لقبولها. ولن يتبقى أمام المقاومة وإسرائيل غير العودة إلى قواعد فض الاشتباك السابقة لـ 7 أكتوبر، مع الإقرار بوجود متغيرات سوف تترك آثارها على شكل الهدنة القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى