في ظل حرب الإبادة الجماعية التي قام بها جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد سكان قطاع غزة، وجدت المقاومة الفلسطينية نفسها تواجه آلة عسكرية متطورة تعتمد على تقنيات متقدمة في الذكاء الاصطناعي والتجسس الإلكتروني، مدعومة بتفوق جوي غير مسبوق. كما أن الاحتلال الإسرائيلي انتهج سياسة التدمير الشامل، فلم يترك شيئًا إلا واستهدفه، من المنازل والمستشفيات إلى المدارس، والبينة التحتية، وشبكات الاتصالات. ومع ذلك، أثبتت المقاومة قدرة استثنائية على التكيُّف، ليس فقط عبر التحركات العسكرية، بل من خلال ابتكار تكتيكات دفاعية إبداعية أربكت محاولات الاحتلال فرض سيطرته الكاملة على القطاع.
حرب غير متكافئة.. ولكن ليست غير متوازنة
رغم التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي، نجحت المقاومة الفلسطينية في تبني إستراتيجيات تجعل الحرب غير متكافئة من الناحية التقنية، ولكنها متوازنة من ناحية الفعالية ميدانيًّا. أحد أهم هذه الإستراتيجيات هو استخدام الأنفاق، التي تحوَّلت إلى شبكة معقدة توفر للمقاوم الفلسطيني القدرة على الحركة بعيدًا عن مراقبة الطائرات المُسيَّرة وأجهزة التجسس الإسرائيلية. هذه الأنفاق لم تكن مجرد ممرات، بل منظومة دفاعية وهجومية متكاملة، مَكَّنت المقاومة من تنفيذ عملياتها رغم الحصار الجوي والبري والبحري المفروض على غزة.
لكن الحرب الحديثة لم تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل أصبحت معركة استخباراتية وتقنية، حيث يحاول الاحتلال الإسرائيلي وأجهزة استخباراته فرض تفوقه من خلال الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة. ومع ذلك، واجه تحديات كبيرة بسبب قدرة المقاومة الفلسطينية على التلاعب بالمعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية، وإرباك عمليات الاستهداف الدقيقة عبر تكتيكات التمويه والخداع العسكري.
العقل البشري مقابل الذكاء الاصطناعي: مَن يَربَح المعركة؟
يستثمر الاحتلال الإسرائيلي مليارات الدولارات في تطوير أنظمة عسكرية قائمة على الذكاء الاصطناعي، فقد استخدمت تقنيات متقدمة مثل أنظمة الاستهداف “لاڤندر”، التي تختار الأهداف بشكل شبه ذاتي بناءً على تحليل البيانات الضخمة، بالإضافة إلى برنامج “غوسبل”، الذي يدمج بين قدرات المراقبة وتحليل الأنماط السلوكية للمقاومين، وكذلك تقنية ” أين أبي؟”، وهي تقنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحديد مواقع الأفراد المستهدفين عبر تحليل بيانات الاتصالات والموقع الجغرافي. هذه التقنيات جعلت الحرب أكثر تطورًا من أي وقت مضى، حيث أصبحت القرارات العسكرية تُتخَذ خلال ثوانٍ بناءً على معلومات تحليلية متقدمة.
لكن رغم التقدم التقني، فإن التكنولوجيا وحدها لم تكن كافية لحسم المعركة. فالذكاء الاصطناعي المُستخدَم في الحرب يعتمد على بيانات قد تكون غير دقيقة أو مضللة، خاصَّة في بيئة معقدة مثل غزة، حيث من الصعب التمييز بين المقاومين والمدنيّين. وقد استغلت المقاومة هذه الثغرات من خلال:
- إعادة التمركز السريع مما يجعل استهداف الذكاء الاصطناعي غير فعَّال.
- استعمال مواقع إطلاق صواريخ متنقلة، بحيث تظل نقطة الإطلاق بعيدة عن الأنظار لفترة طويلة، مما يسبب إرباكًا لأنظمة الاستهداف الإسرائيلية.
- استخدام التمويه والخداع من خلال إشارات إلكترونية مضللة لتشتيت الطائرات المُسيَّرة الإسرائيلية.
إستراتيجيات المقاومة الفلسطينية في مواجهة الذكاء الاصطناعي
في ظل استخدام الاحتلال الإسرائيلي للذكاء الاصطناعي في عمليات الاستهداف والمراقبة، طوَّرت المقاومة الفلسطينية إستراتيجيات مبتكرة لمواجهته، وهي:
- اللامركزية وعدم الاعتماد على البنية التحتية الرقمية: تميزت المقاومة الفلسطينية ببنية لا مركزية تعتمد على خلايا صغيرة. هذا النموذج جعل من الصعب على أنظمة الذكاء الاصطناعي تحديد القيادات أو التنبؤ بتحركاتهم، حيث إن كل خلية تعمل بشكل مستقل إلى حد كبير. بالإضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد المحدود على التكنولوجيا الرقمية قلل من فرص الاختراق أو التجسس الإلكتروني.
- الاستفادة من البيئة المحلية: اعتمدت المقاومة الفلسطينية بشكل كبير على معرفة عميقة بالمناطق التي تعمل فيها، مثل الأحياء السكنية والمخيمات والمناطق الزراعية. الأمر الذي سَمَح لها بالتحرُّك بسرعة والتخفي بفعالية، وجعل من الصعب على الطائرات المُسيَّرة أو أنظمة المراقبة تحديد مواقعهم بدقة.
- استخدام الأنفاق: ركزت المقاومة الفلسطينية بشكل كبير على شبكة الأنفاق التي حفرتها تحت الأرض، مما سَمَح لها بالتحرُّك بحرية، واستخدمها كوسيلة للتخفي والانتقال بين المواقع المختلفة، مما جعل من الصعب استهداف المقاومين بشكل دقيق.
- استخدام الصواريخ المحلية والتكتيك الدفاعي المتنقل: اعتمدت المقاومة الفلسطينية على الصواريخ المحلية الصنع كأداة رئيسة في مواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي، حيث كانت تطلق الصواريخ من مواقع متحركة أو مخفية، الأمر الذي عزز عنصر المفاجأة وصَعَّب على الدفاعات الإسرائيلية التصدي لها بشكل فعَّال. كذلك اعتمدت المقاومة على سياسة تنوُّع إطلاق الصواريخ من عدة مواقع في وقت واحد، مما صَعَّب على الأنظمة الإسرائيلية المضادة تحديد المصدر بدقة.
- الحرب النفسية والإعلامية: ركزت المقاومة الفلسطينية على الحرب النفسية والإعلامية، بالإضافة إلى المواجهة العسكرية، لتأليب الرأي العام العالمي ضد الاحتلال الإسرائيلي. من خلال تسجيل وتوثيق العمليات العسكرية، وانتهاكات حقوق الإنسان، حيت استطاعت المقاومة كسب تعاطف عالمي.
- التكيف مع التطورات التكنولوجية: بدأت بعض فصائل المقاومة رغم محدودية الموارد، في تبني تقنيات بسيطة من الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية. على سبيل المثال، استخدام تطبيقات المراسلة المشفرة للتواصل، أو استخدام الطائرات المُسيَّرة الصغيرة للاستطلاع. هذه الخطوات، وإن كانت متواضعة، إلا أنها تشير إلى بداية تكيُّف مع التحديات التكنولوجية.
التحديات التي تواجه الذكاء الاصطناعي الإسرائيلي أمام تكتيكات المقاومة الفلسطينية
رغم التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، إلا أن هناك تحديات كبيرة واجهت استخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب على غزة، منها:
- البيئة الجغرافية: الطبيعة العمرانية في غزة تمنع الخوارزميات عن التمييز الدقيق للأهداف، خاصَّة مع حركة المقاومين السريعة داخل الأنفاق والمباني السكنية.
- المعلومات الاستخباراتية غير الدقيقة: تعتمد أنظمة الاستهداف على بيانات تُجمَع من مصادر بشرية وتقنية، لكن إذا كانت هذه البيانات مُضلِّلة، فإن قرارات الاستهداف قد تصبح خاطئة، وهو ما حصل في عدة عمليات إسرائيلية أدَّت إلى مقتل مدنيّين.
- الهجمات السيبرانية المضادة: رغم قلة الموارد، استطاعت المقاومة الفلسطينية تنفيذ هجمات إلكترونية على أنظمة الاتصالات الإسرائيلية، مما أثر على مستوى تحليل البيانات واتخاذ القرارات.
بينما يواجه الاحتلال الإسرائيلي تحديات جغرافية وسياسية وأمنية معقدة في استخدام الذكاء الاصطناعي ضد قطاع غزة، فإن المقاومة الفلسطينية تظهر مرونة عالية في تنبني إستراتيجيات دفاعية تتضمن التشويش والتضليل وتستمر في السعي لتحويل هذه التحديات إلى فرص للتحصُّن وتحقيق التفوق التكتيكي في الميدان.
الدعم الخارجي وأثره في الحرب على غزة
لا يمكن فصل التطور التكنولوجي الإسرائيلي عن الدعم الخارجي، خصوصًا من الولايات المتحدة الأمريكية، التي وفرت للاحتلال الإسرائيلي تقنيات الذكاء الاصطناعي والتجسس السيبراني المتقدمة. في الوقت الذي تواجه غزة حصارًا جويًّا وبحريًّا وبريًّا، مما حد من قدرتها على الحصول على تقنيات متطورة، لكن ذلك لم يمنع المقاومة من إيجاد بدائل محلية، وتطوير إستراتيجيات تعتمد على الإمكانيات المتاحة.
شكلت الحرب الإلكترونية والمعلوماتية جزءًا أساسيًّا في هذه المواجهة، فعلى المستوى السياسي، سعى الاحتلال الإسرائيلي إلى تشويه صورة المقاومة إعلاميًّا، من خلال التلاعب بالمعلومات عبر وسائل الإعلام العالمية. لكن بالمقابل، نجحت المقاومة في استخدام الإعلام الرقمي لنقل واقع المجازر والجرائم التي يرتكبها الاحتلال، مما أدَّى إلى تغيير الرأي العام العالمي تدريجيًّا.
التكيُّف.. السلاح الذي يقلب المعادلة
يكون التكيُّف هو العامل الحاسم حين تفشل التكنولوجيا المتطورة في فرض سيطرتها المطلقة، وعلى مدى السنوات الماضية، أثبتت المقاومة الفلسطينية أنها قادرة على إعادة إنتاج إستراتيجياتها وفقًا للواقع الميداني، فكلما كثَّف الاحتلال الإسرائيلي من أدواته، وجدت المقاومة طرقًا جديدة للمراوغة والتصدي. هذه القدرة ليست مجرد رد فعل تكتيكي، بل هي فلسفة بقاء قائمة على الاستفادة من البيئة المحلية، واستثمار أي هامش متاح للرد على العدوان.
ماذا بعد؟
يبدو أن الاحتلال الإسرائيلي مع استمرار المواجهة مع فصائل المقاومة الفلسطينية، سيواصل تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي لتعزيز دقة استهدافاته، لكن السؤال الأهم هو: إلى أي مدى ستظل هذه التكنولوجيا فعَّالة أمام خصم يمتلك قدرة عالية على التكيُّف؟
هناك سيناريوهان محتملان:
- مواصلة دولة الاحتلال الإسرائيلي تطوير أنظمتها العسكرية الذكية، مع اعتماد أكبر على المراقبة السيبرانية، والذكاء الاصطناعي في تحليل أنماط المقاومة.
- ستواصل المقاومة الفلسطينية تطوير تكتيكاتها المضادة، مع التركيز على الحرب الإلكترونية، واستغلال نقاط الضعف في الأنظمة الإسرائيلية.
ختاماً، ورغم كل ما يمتلكه الاحتلال من أدوات استخباراتية وعسكرية، لم يستطع القضاء على المقاومة الفلسطينية أو حتى الحد من قدرتها على الرَّد. وفي زمن تتحكَّم فيه الخوارزميات بقرارات الحرب، لا يزال العنصر البشري، بروحه المقاتلة وإرادته الصلبة، هو العامل الذي يصعب هزيمته. فالحرب في غزة ليست مجرد معركة عسكرية، بل هي صراع بين التكنولوجيا والقدرة على التكيُّف، بين إرادة البقاء والذكاء الاصطناعي.