مقدمة
في ديسمبر من العام 1895م، شهد مقهى “جراند كافي” في باريس أول تجربة لعرض الصور المتحركة، وهو عرض الأخوين لوميير السينمائي”، حينما عرضا على رواد المقهى 10 أفلام سينمائية دفعة واحدة، مدة الفيلم لم تتجاوز الـ 30 ثانية يومها، ولكنها كانت لحظة مبهرة لرواد المقهى اللذين أعتادو على مشاهد الصور الفوتغرافية الثابتة والصور الزيتية المرسومة بايدي الفنانيين التشكيليّين.
بدأت منذ ذلك الحين تظهر دور العرض السينمائي في أوروبا وأمريكا، والملفت أن نصيب العروض الدينية لم يكن قليلًا في تلك الفترة المبكرة، ففي عام 1903م تابع الجمهور الأمريكي فيلم (آلام المسيح) الذي عُرِض في مدة ستين دقيقة متواصلة، بينما عرضت فرنسا تصويرًا لمسرحية حياة وآلام المسيح، مدتها 44 دقيقة.
وعن تاريخ هذه الأفلام الدينية في السينما العالمية، كتب ليزلي هاليلو: “إن صنَّاع السينما قد استلهموا الدين منذ البداية كورقة تجارية رابحة”.
الظهور المبكر للأفلام الدينية في السينما العالمية لم يلفت نظر العاملين في السينما المصرية التي بدأت نشاطها في يناير من العام 1896م بعرضٍ في أحد مقاهي الإسكندرية، أي بعد أسابيع من بداية السينما العالمية، ومَردُّ ذلك يرجع إلى سيطرة اليهود على البنية الأساسية لصناعة السينما في مصر، ومعارضة رجال الدين الإسلامي في البدايات لهذه النوعية من الأفلام.
تأخر إنتاج الفيلم الديني في مصر إلى نهاية الأربعينات من القرن الماضي، ليشهد طفرة استمرت لعقدين من الزمان، ويتوقف بعدها، لتعود هذه النوعية من الأفلام من جديد، بفيلم “أهل الكهف” الذي لم يحقق نجاحًا رغم حشد عدد كبير من النجوم، واحتل المرتبة الأخيرة في الإيرادات.
هذه الورقة البحثية تحاول الإجابة على بعض الأسئلة، لمعرفة أسبب توقف إنتاج الفيلم التاريخي الديني في مصر. وهذه الأسئلة هي:
- ما هو تعريف الفيلم الديني؟
- ما الفرق بين الفيلم الديني والفيلم التاريخي؟
- كيف نشأت السينما الدينية في مصر؟ وما هو الفارق بين نشأتها في مصر ونشأتها في الغرب والولايات المتحدة الأمريكية؟
- ما هي سمات وأقسام السينما الدينية؟
- لماذا توقف إنتاج الأفلام الدينية في مصر؟
- ما هي الأفلام التي تتعرض لموضوعات دينية؟
الفيلم الديني وإشكالية التعريف
بحلول موعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم في كل عام، تطل علينا مذيعات الربط في الشاشات الحكومية لتعلن عن أحد الأقلام المرتبطة بالمناسبة، واصفة الفيلم بعبارة “الفيلم الديني”. وحينما تعددت الفضائيات، أصبحت عبارة “الفيلم الديني” تتبع الترويج البصري (البرومو) للإعلان عن موعد العرض.
الوصف الذي قُدِّم في الحالتين، والذي لا يتعدى عدد الأفلام المقدمة من خلاله أكثر من 13 فيلمًا، هي حصيلة ما قدمته السينما المصرية والعربية، في حقيقته هو وصف مشوش، ومتداخل مع أجناس أخرى من الأفلام، وهي: “الفيلم التاريخي، والفيلم الأسطوري، أو فيلم الأزياء. صحيح أن الفيلم الديني غالبًا ما يتناول مرحلة تاريخية ما، أو قصة من القصص التي تتناول جانبًا مُعيَّنًا من الدعوة الإسلامية، وهو ما يستلزم أن تحتوي على رموز بصرية من ملابس وأثاث وحتى لغة تتناسب مع الزمن الذي تدور فيه، ولكنها أمور لا تكفي بأن نحكم على الفيلم بأنه “فيلم ديني”.
وعلى عكس السينما، استطاعت الدراما الإذاعية وبعض من الدراما التلفزيونية أن تتجاوز هذا الخلط في قطاع كبير من إنتاجها، فكان التعريف أقرب لحقيقة المصطلح، فالمسلسل الإذاعي الديني جاء مأخوذًا من قصة دينية طرحها القرآن الكريم، أو طرحتها السُّنَّة المطهرة، وتناولها قلم الكاتب بصورة صراع بين قوى الكفر والإيمان. فنجد – على سبيل المثال – المسلسل الإذاعي “أحسن القصص” يتناول قصص الأنبياء في إطار الصراع بين الإنسان والشيطان ومجيء النبيّ لإعادة الإنسان إلى طريق الصواب، ويتخذ من الآيات والقصص القرآنية مسارًا للأحداث.
الدراما التلفزيونية أيضًا ورغم خلطها في معظم الأحيان بين الفيلم الديني كنوع مستقل، قدمت أعمالًا يمكن أن نصفها بالمسلسلات الدينية، فمسلسل مثل “الكعبة المشرفة” أو “محمد رسول الله والذين معه” ومسلسل “لا إله الا الله” كلها من المسلسلات التي يمكن أن ندرجها تحت مسمى “الأعمال الدينية” التي تناولت الصراع بين الإيمان والكفر بصورة دعوية.
وهذا يجعلنا نشير إلى تشوش المصطلح في حالة الإنتاج السينمائي، واقترابه أكثر من التعريف الحقيقي في الدراما الإذاعية، بينما تذبذب المصطلح حينما دخلت الدراما التلفزيونية على الخط.
الفارق بين تناول السينما المصرية والعربية والسينما العالمية واضح منذ البدايات، فالبدايات وكما سوف نوضح في البحث كانت عشوائية، وغير ممنهجة، وأقرب للتدفق العاطفي، ومحاولة للتقليد، بينما جاء التناول في السينما العالمية والأمريكية وفق خطة واضحة، كان هدفها التبشير بالديانه المسيحية، وتثبيت المؤمنين من أتباع هذا الدين، فجاء التعريف للسينما الدينية وسماتها وأنواع الموضعات التي تتناولها متوافقًا مع هذه الرؤية.
الأفلام الدينية في السينما العالمية
عَرَّفت السينما العالمية “الفيلم الديني” خلال مسيرتها بأنه كلُّ فيلم مأخوذ عن قصة توراتية، سواء من العهد القديم أو الجديد، وتظهر فيها شخصيات مقدسة، أو شخصيات قريبة منهم، أو لصيقة الصلة بهم، ولها أثر ديني. والأفلام التي تتناول بأسلوب تبشيري حياة المؤمنين المضطهدين في العصر الروماني، وأفلام القديسين القريبين من السيد المسيح عليه السلام. وبهذا التعريف تمَّ تقسيم الإنتاج السينمائي الديني إلى خمسة أنواع، وهي:
- الأفلام التوراتية: وهي الأفلام المأخوذة مباشرة من القصص الموجودة في الإصحاحات المختلفة من الإنجيل، بعهديه القديم والجديد، وتشمل الحكايات الدينية، لذلك نجد أن قصصًا مثل “شمشون ودليلة” قد حظيت بالإنتاج الديني، ومثلها قصة جالوت وداود، وأفلام أخرى عن قصص الصلب، وسدوم وعامورة، وغيرها.
- أفلام عن أشخاص بعينهم: هؤلاء الأشخاص ذوو اتصال مباشر بالأنبياء، وقد استفاد اليهود من أحدهم، وهو “بن حور”، الأمير اليهودي الذي جاء أنه – وفق الرواية المسيحية – حاول حمل الصليب عن السيد المسيح، واستخدمه المخرجون اليهود في معظم الأفلام للتدليل على أن هناك من حاول منع مقتل المسيح عليه السلام.
- أفلام الفداء والتضحية في زمن الاضطهاد الروماني: امتازت هذه الأفلام بالعمق في تقديم الواقع الاجتماعي والثقافي والطبقي للفترة الزمنية المذكورة، على عكس ما نراه في أفلام مصرية حاولت التقليد. لذلك سنجد أن هذه الأفلام ما زالت تدرس في معاهد السينما بوصفها كلاسيكيات إنتاجية قوية، مثل “كوفاديس” و”الرداء”.
- أفلام القديسين من غير الأنبياء: مثل “مريم المجدلية”، و”سانت تريز”، وغيرها الكثير.
- أفلام عن علاقة الناس بالدين: وهي أفلام متخيلة عن علاقة الناس بالكنيسة، وعلاقتهم بالقساوسة، وتصحيح مسار الانحرافات البشرية، سواء كانت من عامة المسيحيّين أو من رجال الدين، ومناقشة نقاط الخلل، ويدخل في بعضها أفلام كوميدية وأفلام حركة (أكشن)، بل وأحيانًا أفلام رعب.
“الفيلم التاريخي” و”الفيلم الديني”
“الفيلم التاريخي” نوع من الدراما، يستمد مواضيعه من ماضي الأفراد والمجتمعات.
وبصورة أدق، يمكن القول إن الفيلم التاريخي هو فيلم يعتمد في الزمان والمكان على الماضي، ويغفل مواضيع الحاضر، سواء كان هذا الماضي قريبًا أم بعيدًا. وسواء سُجِّلت أحداث الماضي بالصورة السينمائية المتحركة، أو بالصورة الفوتغرافية الثابتة، أو بريشة فنان تشكيلي، أو بقلم مؤرخ، أو رواية أديب.. فمدار الفيلم التاريخي هو الماضي، بهدف كشفه، ومناقشته، دون أن يتبنى صورة من صور التبشير أو النقاش الديني. فمثلًا، فيلم “واسلاماه” الهدف منه عرض الصراع مع التتار والحرب معهم وإنهاء حملتهم الهمجية على العالم. ولم يدخل في هذا الفيلم أيُّ عامل ديني، إنما هو سرد لحدث تاريخي، وكان من الممكن أن يتحول الفيلم الى صراع ديني بين قبائل وثتية (التتار) ودولة إسلامية (الخلافة العباسية).. لكنه كُتِب في إطار الحدث التاريخي.
ويتناول الفيلم التاريخي حدثًا ما (كثورةٍ مثلًا، أو انتفاضة مجموعة بشرية ضد ظلم مجموعة أخرى، أو معركة تحرير، أو … إلخ)، ويعيد بناءه دراميًّا، معتمدًا على الوثائق التاريخية والروايات المختلفة، وينطلق من خلال العناصر الفنية والدرامية وبناء الشخصيات إلى تجسيد فكرة معينة، هي الهدف من صناعة الفيلم(4)، فمثلًا، كانت الفكرة الرئيسة من إنتاج فيلم “صلاح الدين الأيوبي” هي الترويج للقومية العربية وعروبة صلاح الدين، ومحاولة الترويج لصورة البطل القومي المُخلِّص للعرب والمُحرِّر للقدس من أيدي الاحتلال، وربط جمال عبد الناصر بصلاح الدين في مخيلة المتلقي العربي.
أما “الفيلم الديني” فمعياره هو تناول نفس الحدث التاريخي، ولكن من وجهة نظر أخرى، ترتبط بالعقيدة والدفاع عنها، والمواجهة بينها وبين القوى المناهضة لها، ومحاولة نصرتها في نهاية الأمر. فبالرغم من أن الفيلم الديني قد يعتمد على حدث تاريخي (كالهجرة، أو خروج بني اسرائيل من مصر، أو… إلخ) إلَّا أن الصراع الدرامي فيه والشخصيات تتفاعل من منطلق ما تحمله من قيم وعقيدة دينية.
بذلك نستطيع القول إن كل فيلم ديني هو فيلم تاريخي، وليس كل فيلم تاريخي يمكن أن يُطلَق عليه فيلم ديني، وإن اتخذ من حادثة ذكرت في القرآن الكريم (كحادثة الفيل على سبيل المثال) منطلقًا للعمل، وهو ما سوف يظهر حينما نناقش فيلم حملة أبرهة على الكعبة، وفيلم “الله أكبر”، وهما من الأفلام التي تُعرَض للأن باعتبارها أفلامًا دينية.
السينما الدينية في مصر
في نهايات الاربعينيات من القرن الماضي، بدأت الأفلام الدينية التي أنتجتها السينما الأمريكية والعالمية (السينما العالمية تطلق عادة على السينما الأوربية) تغزو دور العرض المنتشرة في المدن والقرى المصرية، وبدأ المصريون يشاهدون الأفلام التي تتناول حياة المسيح عليه السلام، والاضطهاد الديني للمسيحيّين من قبل الرومان والأحبار اليهود. وحقق بعض هذه الأفلام مشاهدات غير متوقعة، كان منها – على سبيل المثال – فيلم “ملك الملوك”، الذي أنتج عام 1927م، وأخرجه المخرج الأمريكي سيسل دي ميل، عن الأيام الأولى للمسيح، ومقابلته لتلامذته، ومعارضة مجمع الكتبة لوجوده بينهم.
كانت هذه الأفلام بمثابة محاولة من محاولات الجمعيات التبشيرية لعرض الديانة المسيحية والتبشير بها، وتطلع المسلمون في مصر إلى مواجهة هذه الأعمال وإنتاج أعمال تدعو إلى الدين الإسلامي وتقدم الدعوة الإسلامية ورسولها الكريم إلى العالم، ولكن كان الأمر شديد الصعوبة، وباءت محاولة سابقة من الفنان يوسف وهبي بالفشل، وكادت أن تودي به إلى السجن.
بدأت القصة في عام 1926م، عندما عرضت شركة “ماركوس” (شركة ألمانية) عبر وكيلها المخرج اليهودي التركي وداد عرفي إنتاج فيلم عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ونشرت مجلة المسرح الخبر مهاجمة يوسف وهبي في عددها الصادر في مايو من نفس العام.
انتشرت صور ليوسف وهبي وقتها اتخذت له كدعاية استعداد للدور بمكياج مخصص للشخصية، مما أثار حفيظة عدد من الجمهور ورجال الأزهر، وأرسلت مشيخة الأزهر خطابًا احتجاجيًّا إلى وزارة الداخلية (الجهة المختصة وقتها بالرقابة على المصنفات الفنية) تطالبها فيه بالتحقيق في الأمر، ومنع وهبي من أداء الدور، بل ومنعه من السفر خارج البلاد.
انتهت الأزمة بعد استدعاء وزارة الداخلية ليوسف وهبي وإطلاعه على أن الملك فؤاد الأول سوف يقوم بإسقاط الجنسية المصرية عنه إذا أصر على القيام بأداء هذ الدور. وقام وهبي بعدها بالاعتذار وإعلان انسحابه من العمل، معلنًا ذلك في الصحف، وقال في بيان له إن انسحابه جاء احترامًا لرأي العلماء وأصحاب الفضيلة.
ظلت الفكرة معلقة منذ ذلك الوقت، ولم يجرؤ أي من الفنانين ولا شركات الإنتاج على الاقتراب من هذا المجال سينمائيًّا. ولكن في بدايات الأربعينيات، كسر المسرح الذي أنشأه الإخوان المسلمون حاجز الخوف من الإنتاج الديني، وأنتج عددًا من المسرحيات التي تتناول موضوعات من قصص القرآن الكريم. وتصدى الشيخ أحمد الشرباصي وقتها للفتاوى التي راحت تهاجم هذه النوعية من الإنتاج، لكنه وضع ولأول مرة خطوطًا حمراء لا يجوز أن تتخطاها الدراما الدينية، ومنها تجسيد الأنبياء والملائكة، حتى لا يكون ذلك مدخلًا لتعدي ذوي النفوس الضعيفة على قدسيتهم أو الاستهزاء بهم وتصويرهم بصور لا تليق بمقاماتهم الشرف.
ظلت السينما بعيدة عن الأفلام الدينية حتى عام 1949م، عندما عاد المحامي أحمد عز الدين من أمريكا، بعد أن درس فن السينما في أحد معاهد هوليود، وعمل مساعدًا للإخراج في عدد من الأفلام، خاصة أفلام الكاوبوي والحركة.
الفيلم الأول وموقف الحكومة
عاد أحمد عز الدين من أمريكا بعد دراسة السينما، وكانت الصحف تترقب عمله الأول الذي جاء مفاجأة للجميع، فقد اشترى المخرج الهوليودي قصة “الوعد الحق” للدكتور طه حسين من أجل إنتاجها، وهي القصة التي تتحدث عن نشأة الدعوة الإسلامية وما واجهته في بدايتها، لتدور معركة ضخمة من جديد بين المخرج وبين رجال الدين وعلماء الأزهر الذين اتهموه بالإفساد، وحاول العديد من السينمائيّين نصيحة عز الدين بالتراجع عن المشروع لكنه رفض.
أثناء معركة المخرج والأزهر، تبدلت الحكومة المصرية، بعدما فاز حزب الوفد بالانتخابات عام 1950م، وأصبح النحاس باشا رئيسًا للوزارة التي تواجد فيها وزيران لهما علاقة بالفيلم: الأول هو صاحب القصة الدكتور طه حسين الذي عُيّن وزيرًا للمعارف، والثاني هو محمد صلاح عز الدين، وزير الخارجية وشقيق المخرج، وكلاهما دافع عن ضرورة إنتاج العمل.
الفرق بين الإنتاج الديني المصري والعالمي
جاء الإنتاج الديني المصري بمبادرة فردية، وولادة متعسرة، ودون مخطط واضح المعالم لمرحلة ما بعد النجاح أو الفشل. بل كان مغامرة فرد من أسرة لها نفوذ، وغلبت على نفسه حالة شعورية دفعته إلى أن يقدم خدمة للدعوة الإسلامية، ويفتح الطريق أمام غيره من الراغبين في إنتاج سينمائي يدعو إلى الإسلام، ويضع من خلال هذه التجربة ملامح وخطوط العمل التي يمكن أن تؤدي إلى نجاحه، وهي القصة القوية، والالتزام بمعايير الأزهر لإنتاج مثل هذه الموضوعات، ومنع ظهور الرسول (ص) والملائكة والخلفاء الأربعة الراشدين (قبل أن يتم منع ظهور المبشرين بالجنة أيضًا).
لم تقف المؤسسة الدينية إذا خلف الأعمال الدينية، وكل ما فرضته عليها منذ ذلك الحين وحتى الآن هو ضرورة مراجعة النصوص والموافقة عليها من قبل لجنة مختصة من الأزهر، وهو الأمر المعمول به حتى الآن، رغم المسارات المختلفة والمنصات المختلفة لتي تتيح عرض أى منتج ودون أن يحول بينه وبين الجمهور أيه لجان أو مؤسسات دينية.
أما الإنتاج الديني في أمريكا والسينما العالمية فقد حظي منذ اليوم الأول بمباركة الكنيسة، وشُكِّلت له مؤسسات كنسيَّة تقوم على رعايته والإنفاق عليه، وخُصِّصَت له جوائز كنسيَّة إلى جانب الجوائز العالمية، كجائزة الأوسكار وغيرها.
في المقابل، يؤكد بيتر هازنبيرغ، المسئول عن قسم السينما والإعلام في مؤتمر الأساقفة، أن “الكنيسة كانت دائمًا تهتم بالسينما، بل وهي أكثر الفئات الاجتماعية اهتمامًا بها”، وينفي هازنبيرغ أن يكون الفيلم الديني فيلمًا تلعب الراهبات والرهبان دور البطولة فيه. ويقول “الفيلم الديني هو الذي يهتم بمواضيع تبحث عن ماهية الوجود، وعن معنى الحياة والغفران والخلاص من المعاصي، إلى جانب تيمة الموت والحياة الآخرة. “فكل الأفلام التي تناقش مصير البشر بعد دمار مأساوي متخيل يلحق بالعالم، كأفلام “حرب النجوم” و”سيد الخواتم”، والتي تبحث في خلاص البشرية من مصير قاتم، هي أفلام دينية.
إذا استطاعت السينما العالمية برفد من الكنيسة ودعم منها، سواء كان ذلك الدعم فكريًّا أو عقائديًّا، وتمويليًّا أيضا، أن تضيف إلى أفلام الديانة المسيحية وقصص الأنبياء والقديسين مواضيع دينية من ثقافات أخرى، وهو الأمر الذي ساهم في استمرار الإنتاج السينمائي الديني الغربي والأمريكي إلى الآن.
إذا المنتج السينمائي في مجال السينما الدينية في مصر نشأ كحالة شعورية عاطفية، وبمبادرة فردية، ولم تقف خلفه أيه جهة تدعمه أو تخطط له، ولاقى تعنتًا من المؤسسة الدينية (الأزهر) ومن رجال الدين بشكل عام، في الوقت الذي لم تنتبه فيه الدولة لأهمية هذا النوع من الأفلام، رعم لجوء الدولة إلى تيمة الفيلم التاريخي واستغلاله في الترويج لأفكارها، من خلال أفلام منها فيلم “الناصر صلاح الدين”، وهو نموذج مصري، وفيلم “القادسية”، وهو نموذج عراقي.
ظهور الإسلام.. بداية قوية وقبول جماهيري
بمقاييس الفيلم الديني الذي تحدثنا عنها، سوف نجد أن فيلم “ظهور الإسلام” فيلم ديني، وفق التعريف العلمي لهذه النوعية. فعلى مدار 97 دقيقة هي مدة الفليم قدم لنا المخرج معاناة الدعوة الإسلامية في بداياتها، حيث عانى المسلمون الأوائل من الاضطهاد والظلم كفئة ظهرت تخالف أعراف وتقاليد ومعتقدات السائدة في قبيلة قريش.
ركز الفيلم على حال العرب في الجزيرة العربية وحالة الجاهلية التي كانوا يعيشونها، وعبادتهم للأوثان والأصنام. ومع ذلك، أظهر الفيلم أن هناك فئة قليلة من الناس ترفض هذه المظاهر وتجتنبها، لكنها فئة حائرة تحتاج لمَن يهديها إلى الطريق الصحيح. وركز الفيلم على نماذج بعينها، مثل عمَّار بن ياسر، وبلال بن رباح، وعبد الله بن مسعود، في مقابل شخصية تنتهج العنف والغطرسة، هي شخصية عمرو بن هشام (أبو جهل)، ذلك السيّد الذي يمكنه إيذاء المستضعقين.
معادلة واضحة يقدمها لنا الفيلم، هي معادلة التمسُّك بالعقيدة لمجموعة بشرية مستضعفة في مواجهة مجموعة أخرى تضطهدها.. فـ”سُميَّة” تسقط شهيدة، بعدما عذبها أبو جهل، في سبيل معتقدها ودينها الجديد، ويتبعها زوجها “ياسر”.
ويتصاعد الخط الدرامي للفيلم بداية من صعود الإسلام في نفوس قليلة، تؤمن به وتتفاني في الدفاع عنه، ما بين الدفاع السلبي “بالصبر على الإيذاء ومقاومة المشركين بالثبات”، وهو ما يُطلَق عليه “المقاومة المدنية” بلغة العصر الحديث، وبين الفرار بالدين في هجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة، مرورًا بحمل السلاح في مواجهة الخصم والانتصار عليه في نهاية الأمر.
ركز الفيلم على دور المرأة في الدعوة الإسلامية واحتمالها الأذى والتعذيب، وحتى نيلها الشهادة مثلها مثل الرجال، وبالغ الفيلم في إظهار التعذيب الوحشي من حرق لبيوت المؤمنين، وتحريقهم بالنار، وجلدهم بالسياط، وسحلهم شبه عرايا في الصحراء الحارقة، وغيرها الكثير. وهي تيمة سوف تتكرر فيما بعد في معظم الأفلام التي أنتجت في تلك الفترة.
ويُعَد فيلم “ظهور الإسلام” أحد الأفلام القليلة المأخوذة عن قصة أدبية، وهي رواية “الوعد الحق”، والتي شارك مؤلها طه حسين في كتابة الحوار لها، فجاء ممتلئًا بالاستدلالات من النص القرآني والسُّنة النبوية المطهرة، ووردت إشارات كثيرة في الحوار إلى أسباب نزول بعض الآيات، مثل سبب نزول الآية الكريمة: “وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ” [البقرة: 207].
أسس فيلم “ظهور الإسلام” للملامح الفنية للأفلام الدينية، بل للدراما الدينية بعده، فالراوي سوف يكون عنصرًا أساسيًّا في هذه الأفلام، للخروج من أزمة الشخصيات والأحداث التي يصعب تصويرها على الشاشة، ومشاهد تعذيب المؤمنين والمصطدمين مع مجتمعاتهم سوف تظهر حتى في أفلام السيرة الذاتية للأولياء، مثل فيلم “رابعة العدوية”.
حقق الفيلم نجاحًا ساحقًا، فلأول مرة يظل أحد الأفلام سبعة أسابييع متصلة في دور العرض المصرية، وغطى تكاليفه كاملة من هذه العروض، وكان الفيلم قد تكلف 7 آلاف جنيه مصري فقط، بسبب دعم الدولة له، من خلال توفير سلاح الفرسان، ليقوموا بدور المجاميع وينفذوا المعارك الحربية، وبتوفير معدات من استديو مصر دون مقابل، رغم أن الفيلم من إنتاج مخرجه، وأيضًا قام بعض الممثلين بالتنازل عن حقوقهم المادية في الفيلم ومنهم الممثل عباس فارس.
أغرى نجاح الفيلم وتوزيعه الواسع في دول كثيرة، منها العربية والإسلامية، المنتجين على خوض غمار التجربة مرة أخرى، خصوصًا بعدما وصل سعر بيع نسخة الفيلم خارجيًّا إلى 10 آلاف جنيه مصري، في الوقت الذي كان غيره من الأفلام يباع بألفي جنيه فقط، هذا بالإضافة إلى الاستقبال الجماهيري له من جماهير متعطشه لفيلم دعوي، حتى قيل إن رواد دور السينما في دولة أندونيسيا كانوا يخلعون أحذيتهم قبل الدخول لمشاهدة الفيلم، وذلك لاعتقادهم أنهم سوف يشاهدون عملًا دينيًّا يجب أن يُحترَم.
اثنا عشر فيلمًا هي حصيلة الإنتاج المصري للأفلام التي وُصِفت بأنها دينية، وإن كان بعضها – كما سوف نفصل لاحقًا – لا يمت لنوعية الأفلام الدينية بصلة. واللافت للنظر هو أن ثمانية أفلام من هذا الإنتاج أنتجت بمبادرات من شركات إنتاج خاصة، بعضها شركات يمتلكها مسيحيون، ومعظم الموزعين لهذه الأفلام أيضًا من مسيحيي لبنان تحديدًا، الذين تميزوا في إنشاء شركات إنتاج وتوزيع الأفلام السينمائية.
ويُرجِع الباحث والصحفي محمد صلاح الدين في كتابه “الدين والعقيدة” سبب هذه الظاهرة إلى العائد المادي، والطلب المتزايد على هذه الأفلام في وقت كان المشاهد العربي والمسلم في حاجة لجرعة من المشاعر الدينية ولمحاولة استدعاء الزمن الأول للدعوة الإسلامية، خصوصًا بعد سيل الأفلام التبشيرية التي كانت تنتج، فضلًا عن الأسعار التي كانت تباع بها هذه الأفلام والتي تتجاوز بكثير أسعار نسخ العرض من الأفلام الأخرى.
في عام 1968م، دخلت مؤسسة السينما المصرية للمرة الأولى على خط إنتاج الأفلام الدينية، ويبدو أن الأمر جاء نتيجة هزيمة يونيو 1967م، ومحاولة الدولة تغيير وجهتها العقائدية بعدما مُنيت بهزيمة قاسية على يد الصهاينة، فتلقفت مؤسسة السينما عرضًا من مدير التصوير عبد العزيز فهمي بالمشاركة في إنتاج فيلم “فجر الإسلام”، وكان فهمي قد عجز عن إنتاج الفيلم الذي تعاقد على قصته مع الكاتب عبد الحميد جودة السحَّار، ووافقت المؤسسة أن تكون شريكة له في الإنتاج، غير أن الفيلم تأخر خروجه للنور حتى عام 1971م.
أفلام لم تحقق شروط الفيلم الديني
وضعتنا السينما سواء عالمية أو محلية أمام ضرورة التعريف وتحرير المصطلح، ونشأ بسبب ذلك عدة أسئلة، لعل أهمها هو: هل الحوار هو ما يُحدِّد نوعية الفيلم؟ وهل يكفي أن نضع بعض الآيات والأحاديث النبوية على ألسنة الأبطال أو نتخذ حادثة تاريخية لنقول إننا أمام فيلم ديني؟
الإجابة على هذه الأسئلة جاءت واضحة ومباشرة مع الفيلم التالي، الذي أنتج عام 1952م، بمبادرة شخصية من أحد الوجهاء في مصر، وهو محمود حلمي شلتوت، الذي تحمس وأنشأ شركة إنتاج أعلن للصحف أنها سوف تتخصص في إنتاج الأفلام الدينية والأفلام التي تحمل قيمًا نبيلة فقط، وكانت باكورة أعماله هي فيلم “إنتصار الإسلام”.
ورغم عنوان الفيلم، وتوقع المشاهد أنه سوف يشاهد صراعًا يؤدي إلى ظهور الإسلام، واستخدام الآيات القرآنية، إلَّا أن الفليم في مجملة لا يعدو أن يكون فيلمًا عن حياة البدو في مكان ما غير محدد من الصحراء، حتى إن الحوار جاء مزيجًا من اللهجة البدوية واللغة العربية الفصحى. وتدور أحداث الفيلم حول صراع غريمين على حب أمرأة أسلمت هي وحبيبها، ولكن الغريم قام بخطفها، والصراع يدور حول هزيمة الغريم وإعادة الحبيبة على طريقة “حواديت” السينما. وتمَّ حشو الفيلم بصراع هامشي بين الاسلام والجاهلية.
كانت محاولة مخرج الفيلم أحمد الطوخي في “انتصار الإسلام” أن يتخصص في هذه النوعية من الأفلام، وبالفعل قام بإخراج فيلمه التالي بعنوان “بلال مؤذن الرسول”، لكنه استطاع هذه المرة أن يقدم فيلمًا دينيًّا عن الصراع بين الإسلام والكفر، متمثلًا في شخصية بلال، ذلك العبد الذي واجه قريشًا بسادتها، وتحمَّل العذاب قي سبيل إيمانه وحبه للرسول صلى الله عليه وسلم. والفيلم ينتمي للنوعية العالمية التي تتخذ من سير القديسين والمحيطين بالأنبياء سبيلًا للتبشير أو الدعوة إلى الدين (إسلام/مسيحية).
لو تتبعنا الأفلام الدينية المصرية، سوف نجد أن ستة منها اتخذت من السير الذاتية منطلقًا لها، وهي “بلال مؤذن الرسول”، و”خالد بن الوليد”، و”شهيدة الحب الإلهي رابعة العدوية”، و”السيد البدوي”، و”الشيماء”، إضافة الى فيلم وحيد جمع أربع قصص للخفاء الراشدين، وهو أقرب للفيلم الوثائقي منه إلى الدراما، وهو فيلم “عظماء الإسلام”، من إنتاج التلفزيون المصري.
ونستطيع أن نلخص الخطوط الدرامية التي قدمتها السينما المصرية في تلك النوعية من الأفلام، سواء أفلام السيرة الذانية، أو أفلام الصراع بين الإيمان والكفر، فهي لا تخرج عن:
- تصوير المجتمع الجاهلي كمجتمع خمر، ومجون، وربا، وزِنا، وضياع بشري، ويَحتاج ليد حانيه تخرجه من الظلمات إلى النور،
- وشخصيات المجتمع إما غليظة ومتغطرسة ولديها كِبر وتستهين بالقيم الإنسانية، أو حائرة وفيها رقة تنتظر لحظة فارقة لتنتقل من الكفر إلى الايمان،
- والتعذيب على طريقة الرومان والأفلام الغربية دائمًا ما يظهر حتى في الأفلام التي تتحدث عن سيرة زاهد أو زاهدة. ففي فيلم شهيدة الحب الالهي وفيلم رابعة العدوية”، وكلاهما يتحدث عن شخصية رابعة العدوية، أفرد المخرج مشاهد لتعذيب رابعة بعد أن تابت وسارت في طريق الصلاح.
- وجود قصة حب ما في هذه الأفلام، وهي مدار الفكرة الرئيسة.
توقف الأفلام الدينية
بدا أن السينما المصرية كانت تختتم أعمالها الدينية بفيلم “الشيماء”، فقد جمع الفيلم كل العناصر والمراحل الخاصة بالدعوة الإسلامية، فهو الفيلم الوحيد الذي تتبع رحلة البعثة منذ سِريَّة الدعوة الى الإسلام حتى أصبح دينًا عالميًّا. فصراع الشيماء ضد قبيلتها وأخوها وزوجها من أجل النبيّ كان المنطلق إلى التعريف بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، ودعوته، وخلقه، وصراعه مع الكفار.
و(الشيماء) التي كتب قصتها على أحمد باكثير، هي أخت الرسول في الرضاعة وابنة مرضعته حليمة السعدية.
الفيلم اختلف في طريقة تقديمه عن كل الأفلام السابقة، فقد بدأ بأغنية “أيها الأمي علمت الأمم، أثناء نزول التترات، وختم بأغنية “إنك لن تهدي الأحبة”، وبين البداية والنهاية جاءت ثمان أغاني، إحداها كانت حوارًا غنائيًّا طويلًا بين الشيماء وقبيلة هوازن التي جمعت رجالها لمحاربة النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء الغناء جزءًا من التصاعد الدرامي للحدث الذي انتهى بهزيمة هوازن وأسر رجالها.
جاء فيلم “الشيماء” بشخصيات درامية ثرية، على عكس الأفلام التي سبقته، فهو يتحرك بين “بجاد” زوج الشيماء، وهو شديد الحقد على الرسول صلى الله عليه وسلم، ويتصاعد حقده عليه بعد أن منعت الشيماء نفسها عنه امتثالًا لأوامر الرسول، بعدما نزلت آيات تُحرِّم زواج المؤمنة بالمشرك، وبين المؤمنين الذين يخفون إيمانهم، والشيماء التي تجاهر بالإيمان، وثمَّة صراعات متشابكة تؤدي كلها لعرض الدعوة الإسلامية والمؤامرات التي حيكت ضدها.
جاء إنتاج فيلم الشيماء كثاني فيلم من أفلام المؤسسة العامة للسينما، بعدما توقفت شركات الإنتاج الخاصة عن إنتاج هذه النوعية من الأفلام، ولكن أقلام النقاد التي رأت في توجه مؤسسة السينما خطرًا سوف يؤدي لمزيد من الأفلام القيمية، خصوصًا مع وجود الكاتب عبد الحميد جودة السحَّار على رأس المؤسسة في تلك الفترة، وهو المعروف بميوله الدينية، فبدأ هجوم واسع من تلك الأقلام لإفشال تجربة السحَّار.
استغل النقاد أن مؤسسة السينما قد فرغت لتوها من إنتاج فيلم “فجر الإسلام”، وراحوا يهاجمون التجربة بسبب التكاليف التي تضمنت بناء ديكورات ضخمة في صحراء أبو رواش، وأن الفيلم لم يحقق ربع تكاليفه من إيرادات العرض في صالات السينما المصرية.
ولم تفلح محاولات السحَّار في الرد عليهم بالحجج المنطقية التي ساقها، فالفليم الديني هو أطول الأفلام عمرًا، ويَظل مطلوبًا للتوزيع أزمنة طويلة، بما يحقق له الأرباح على المدى الطويل، كما أن الديكورات التي تمَّ بناؤها يمكن أن تستخدم في أفلام أخرى.
حمل فيلم الشيماء معه مشكلتين: الأولى في الميزانية التي كان مقررًا لها أن تكون مائة ألف جنيه مصري (قابلة للنقصان وليس للزيادة)، مما اضطر المخرج إلى القبول بتخفيض الإنتاج من مائة ألف جنيه إلى 90 ألفًا فقط. ومع ذلك استمر الهجوم الحاد على إنتاج الأفلام الدينية، ليصبح فيلم الشيماء آخر تلك الأفلام التي تنتجها الدولة، والتي توقفت كليًّا عن الإنتاج بعد عام 1974م، حيث بدأت موجة الانفتاح الاقتصادي والاعتماد على شركات القطاع الخاص التي لم ترغب في المغامرة.
الأفلام الدينية بعد السبعينات
بعد فيلم “الشيماء”، توقفت السينما المصرية تمامًا عن الإنتاج الديني المرتبط بالتاريخ، واستمر هذا التوقف حتى تمَّ إنتاج فيلم “أهل الكهف”، الذي أنتجته السينما المصرية عام 2024م، ليكون بداية إنتاج جديد للأفلام الدينية التاريخية.
وقبل أن نتوقف عند هذا الفيلم، لابد أن نجيب على سؤال: هل توقف طرح الدين في السينما المصرية من خلال أفلامها طوال تلك الفترة التي أمتدت لأكثر من خمسين عامًا؟
واقع الإنتاج يقودنا إلى أن السينما بعدما توقفت عن تناول البعد التاريخي للدين والأحداث التي مرت في بداية الدعوة، راحت تناقش موضوعات دينية متعددة، حاولت فيها تفكيك المجتمع والانطلاق الى مرحلة الدخول إلى منظومة القِيم الأمريكية، فراحت السينما تلعب على وتر تمكين المرأة ومهاجمة بعض الآراء الفقهية الخاصة بحريتها، فناقشت موضوع نشوز المرأة في فيلم أريد حلًّا، وناقشت القوامة وحرية اختيار النوع في فيلم “السادة الرجال”، وركبت موجه الصراع بين الدولة والحركة الإسلامية، وراحت تشوه كلَّ مَن يلتزم بالمظهر الإسلامي، واتهمت طوائف المتدينين عمومًا بالرجعية والتخلف والعنف والخروج على النسيج الوطني، حتى إنها نفت عنهم المواطنة.
ومع ذلك، ظل إطار التناول الديني لموضوعات حياتية مطروحًا في السينما المصرية، يمضي على استحياء، ويمرر من خلال أفلام كوميدية أحيانًا، مثل صورة المتدين في فيلم “الإرهاب والكباب”، كموظف يتهاون بحقوق المواطنين، أو الرجل الصالح في فيلم “كراكون في الشارع”، الذي نصب على مواطنين كادحين وباع لهم الوهم.
الأفلام والدين بعد 2013م
وقع انقلاب يوليو 2013م، لنجد أنفسنا أمام موجة من الأفلام تشكك في الدين، وتدعو للإلحاد، كان أخطرها ثلاثة أفلام لإبراهيم عيسى، هي: “مولانا”، و”صاحب المقام”، و”الملحد”.
قدم فيلم “مولانا” مجموعة من الرسائل شديدة التحيز ضد الدين، بل يمكن أن نقول إنها رسائل محفزة للإلحاد. فالداعية (مولانا حاتم الشناوي) منافق رغم شهرته وبرامجه الفضائية، وأزمة إسلام البنات المسيحيات وراءها مشاكل أسرية وتشجيع من المسلمين، والمتطرفون من المسلمين يقتلون الجميع، حتى إن المسلم الصوفي المعتدل لا ينجو منهم، بحجة تكفيره (في إشارة الى الشيعي الذي قتل بعد ثورة يناير)، وهكذا تمضي الرسائل تشوه الإسلام والمسلمين، وتجعل الإسلام دينًا للمافقين والانتهازيين.
وفي فيلم “صاحب المقام”، وعلى عكس محاربة كل أشكال التدين التي تمتليء بها أعمال إبراهيم عيسى، يروج كاتب القصة وهو نفسه كاتب السيناريو للتدين القبوري المبني على أسطورة الولي المعاقِب لكل مَن يقترب من مقامه. روج عيسى للإيمان الطقسي المرتبط بخرافة الأضرحة، فليس مهمًا أن تكون مدمنًا للمخدرات، أو أن تكوني عاهرة، فالايمان سهل بالواسطة، ويمكنكم أن تراسلو صاحب المقام برسالة وتطلبوا ما تشاؤون، فالرسالة ستصل من الضريح إلى الله.
في هذا الفيلم، يعالج عيسى أزمة بطله “يحيى” الذي يمثل الجانب العلماني المادي للحياة عن طريق شخصية “روح” التي تمثل له الضمير المفقود، ولكن روح لا ترده للتوبة ولا تعيده إلى طريق الله، بل ترشده إلى إرضاء الأولياء، أو بمعنى أدق إرضاء الولي صاحب المقام، الذي أراد هدمه، وذلك بمراعاة مريديه وحل مشاكلهم وأزماتهم والإنفاق عليهم.
رغم أن الفيلم يطرح ظاهريًّا مناقشة االتعامل مع حالات الإلحاد وكيف يتم مواجهتها بعنف يؤدي إلى التمسك بها، إلَّا أنه في المقابل وبطرف خفي ينفر من الدين والتدين ومن الملتزمين دينيًّا عمومًا، ويصمهم بالتعنت والقسوة إلى حد الوصول لقتل أبنائهم إذا خرجوا عن المسار المرسوم.
أما فيلم “الملحد” فإن وجهه الأول يناقش، ووجهه الآخر يشجع على الإلحاد وخوض التجربة، فضلًا عن نفس الصور النمطية التي يقدمها الفيلم للشخصيات، فالأب داعية ديني متشدد، ومع ذلك متناقض التصرفات، والابن حالم حائر لديه أسئلة منطقية تنتهي به إلى الإلحاد، أو حتى إلى الكفر كما ذكر لأمه.
الفيلم يضعك أمام ثلاث خيارات للشخصية التي يمكن أن تحياها: إما السلفي المتشدد الذي يعذب ابنه من أجل حفظ القرآن فيخرج الابن كارهًا للدين، أو الوسطي الذي يزني ويشرب الخمر ويقدم الدين على أنه يسر لا عسر فيه ولا حرمات، أو الحائر الذي يقع في الإلحاد.
دارت حول الفيلم ضجة كبرى وقضايا ومساجلات كلها أدت لمنع عرضه سينمائيًّا، لكن بالطبع عرضه على وسائل التواصل الاجتماعي سيكون أفضل ويحقق انتشارًا أوسع بين الشباب.
“أهل الكهف” وعودة الأفلام الدينية
بعد توقف لأكثر من نصف قرن، يأتي إنتاج فيلم “أهل الكهف” كأول فيلم تاريخي ديني مستوحى من القصص القرآني. الفيلم عن مسرحية للكاتب توفيق الحكيم، بنفس العنوان، استوحاها من القصص القرآني وما جاء في العهدين القديم والجديد، وأضاف إليها الحكيم بعدًا فلسفيًّا حول صراع الإنسان مع الزمن والمتغيرات الطارئة. كما أضاف إلى مسرحيته أبعادًا قيمية حول البطولة والفداء.
على عكس المعتاد في إنتاج هذه النوعية من الأفلام، من ضعف الإمكانيات المادية وفقر المعادل البصري عمومًا، حظي الفيلم بعدد من مقومات النجاح، على رأسها الإنتاج الضخم، والإخراج المتميز الثري بصريًّا، إضافة إلى الموسيقى التصويرية القوية ودقة اختيار الملابس المناسبة للعصر الذي دارت فيه القصة.
تمثلت أزمة الفيلم في السيناريو المبتذل، والحوار الركيك الذي صاغه السيناريست أيمن بهجت قمر، الذي حشد عددًا من الشخصيات التي بدت مباشرة وسطحية لا تحمل أية أبعاد درامية، رغم أن بعضها شخصيات رئيسة في الفيلم.
يحسب للفيلم عدد من النقاط الإيجابية والتي لا ندري أفعلها الكاتب بوعي أم جاءت عفوية، وهي ابتعاده عن موجة تجديد الخطاب الديني التي سادت في سنوات الانقلاب، كما أنه طرح الشخصية اليهودية بشكل يقترب من تاريخهم التآمري على أهل الأديان الأخرى، ولم يخف من مناقشة ولو هامشية حول استغلال الكنيسة للدين.
لابد أيضًا أن نشير إلى أن الفيلم قدم المعارك بصورة قوية ورائعة وثرية، لكنه أفرد لها مساحة كبيرة من زمن الفيلم، مما أثر على تدفق الأحداث، وقلل من صراع الأبطال مع المتغيرات التي طرأت على الساحة والتطور المخيف الذي واجههم بعد 300 عام.
مما يذكر أن مسرحية “أهل الكهف” عرضت على المسرح عام 1935م، ولم تلق نجاحًا جماهيريًّا، تمامًا كما حدث للفيلم الذي جاء في ذيل قائمة الإيرادات.
الخاتمة
نشأت السينما الدينية في مصر نشأة عشوائية، بدافع من الغيرة والعاطفة، ولم تتبنَّاها المؤسسة الدينية (الأزهر)، على عكس ما حدث في الغرب وأمريكا، حيث استغلت الكنيسة فن السينما في التبشير بالدين، والتعريف بالأبطال والأنبياء والقديسين، فضلًا عن إنتاج أفلام عن قصص الإنجيل وهو ما غاب تمامًا عن السينما المصرية.
وقعت السينما الدينية في مصر ضحية لتيارين: التيار العلماني الرافض للدين، والذي هاجم تلك الظاهرة، ورفضها رفضًا تامًّا، حتى أجهز عليها نهائيًّا في السبعينيات من القرن الماضي، ورجال الدين الذين وضعوا شروطًا قاسية لإنتاج هذه النوعية، بل هاجموها في البدايات باعتبارها بدعة مفسدة قد تؤدي لهدم الدين.
لم يبدع منتجو هذه الأفلام في تقديم عروضهم السينمائية، وداروا في فلك واحد، ولم يستطيعوا أن يطوروا صناعة هذه الأفلام، وراحوا يستنسخون من قصص الدراما ويلصقوا بالأفلام الدينية، ما جعل الإنتاج ضعيفًا وغير مقنع للمشاهد. ويبدو أن ذلك راجع لقلة التكوين الثقافي بالحياة العربية وقلة التكوين الثقافي الديني أيضًا لدى صنَّاع السينما المصرية.
بعد انقطاع طويل للأفلام المعتمدة على قصص القرآن الكريم، تعود هذه الأفلام بفيلم “أهل الكهف”، لكنه يلاقي مصير الأفلام الدينية، فهل يستمر إنتاج هذه النوعية؟ وهل تتدخل الدولة من جديد لإحياء هذه الموجة أم تتوقف؟