في الخامس من أغسطس 2025م، نشرت مجلة “نيوزويك” الأمريكية مقالًا بعنوان: “مصر، الحليف الأمريكي، تُصبح ساحةً لمعركةٍ في مبيعات الأسلحة بين الصين وأمريكا” لـ “أميرة الفقي”، مراسلة نيوزويك التي تُعنى بشؤون السياسة والمجتمع في منطقة الشرق الأوسط، والتي انضمّت إلى مجلة نيوزويك عام 2025م، قادمةً من صحيفة وول ستريت جورنال.
تقول أميرة الفقي إن العلاقات العسكرية الأمريكية مع حلفائها القدامى في الشرق الأوسط تُختبر حاليًا من خلال دبلوماسية الدفاع الصينية المتنامية في جميع أنحاء المنطقة. وبينما وافقت واشنطن على بيع حزمة أسلحة ضخمة لمصر في يوليو، فقد برزت الصين أيضًا كمصدر بديل للمعدات العسكرية المتطورة لمصر، الدولة الواقعة في شمال إفريقيا، والتي تُعتبر حليفًا رئيسيًّا للولايات المتحدة من خارج حلف الناتو منذ عام 1989م.
وترى مراسلة نيوزويك أن حلفاء أمريكا القدامى في الشرق الأوسط بدأوا يبحثون عن بدائل عن الأسلحة الأمريكية، وأن التوجه الحالي لمصر، التي تتلقى مساعدات عسكرية أمريكية بقيمة 1.3 مليار دولار سنويًّا، هو تعزيز علاقاتها مع الصين، مشيرةً إلى توقيع رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانج اتفاقيات تعاون اقتصادي أثناء زيارته لمصر في التاسع والعاشر من يوليو؛ وأن مصر والصين أجريا في شهر مارس أول مناورة عسكرية مشتركة بينهما، مما أثار تكهنات حينها باحتمال اهتمام مصر بشراء طائرات مقاتلة صينية في إطار إستراتيجيتها الأوسع لتنويع مواردها الدفاعية.
لماذا لم يشمل الحظر الجديد مصر؟
في صدر هذا المقال، أوردت المجلة الأمريكية مقطع فيديو هام بعنوان: “ترامب يكشف لماذا لم يشمل حظر السفر الجديد مصر“، حيث يقوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرد على سؤال وجهه له أحد الصحفيين خلال مؤتمر صحفي مشترك له مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس – حول حظر السفر الجديد الذي كان ترامب قد أعلنه ولماذا لم يشمل هذا الحظر مصر، متسائلًا، لماذا الآن؟ مضيفًا، وإذا كان هجوم بولدر أحد الأسباب التي دفعتكم لذلك، فلماذا لا تدرجون مصر في تلك القائمة التي ينتمي إليها المشتبه به في الحادث؟!
وفي رد مباشر على السؤال، قال ترامب: “حسنًا، لأن مصر دولة نتعامل معها عن كثب، والأمور فيها تحت السيطرة. أما بالنسبة للدول الأخرى (المدرجة في حظر السفر) فالأمر ليس كذلك”.
واستطرد ترامب قائلًا: ولماذا الآن؟ بصراحة، لا يمكن أن يأتي هذا الأمر بالسرعة الكافية. فنحن نريد إبعاد الأشرار عن البلاد. فقد سمحت إدارة بايدن لبعض الأشخاص المريعين بدخول البلاد، ونحن نطردهم واحدًا تلو الآخر، ولن نتوقف حتى نطردهم جميعًا. نحن نتحدث عن آلاف القتلة (الذين دخلوا البلاد). أكره أن أقول هذا أمام المستشار.
ثم توجه ترامب للمستشار الألماني، قائلًا: “لأن لديك مشكلة صغيرة أيضًا مع بعض الأشخاص الذين سُمِح لهم بدخول بلادكم. وهذا ليس خطأك. نعم ليس خطأك. ما كان ينبغي أن يحدث ذلك. لقد قلت لها (في إشارة إلى المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل) إنه ما كان ينبغي أن يحدث ما فعلته. إذن فأنت لديك صعوبات خاصة بك في هذا الخصوص. ونحن كذلك لدينا الصعوبات الخاصة بنا. ونحن نطرد هؤلاء. ونطردهم بقوة. لكن لا يمكن أن يأتي ذلك بالسرعة الكافية. نحن نريد إخراجهم. نريد إخراجهم الآن. نحن لا نريد أن يأتي أشخاص سيئون آخرون إلى بلدنا، وعندما استخدام كلمة “سيء” فقط فهذا يعني أنني أتحدث بلطف عن هذا الأمر”.
وبعد عرض محتوى مقطع الفيديو ذي الدلالة المهمة حول منطق الإدارة الأمريكية الحالية في التعامل مع النظام المصري بقيادة السيسي، جاء نص مقال أميرة الفقي، مراسلة مجلة نيوزويك في منطقة الشرق الأوسط، حيث يقدم “منتدى الدراسات المستقبلية” ترجمة كاملة للمقال على النحو التالي:
تخضع العلاقات العسكرية الأمريكية مع حلفائها القدامى في الشرق الأوسط لاختبار صعب في ظل دبلوماسية الدفاع الصينية المتنامية في مختلف أنحاء المنطقة. وكما سمحت واشنطن ببيع حزمة أسلحة ضخمة لمصر في شهر يوليو، برزت الصين أيضًا كمصدر بديل للمعدات العسكرية المتطورة للدولة الواقعة في شمال إفريقيا، والتي كانت حليفًا رئيسيًّا للولايات المتحدة من خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو) منذ عام 1989م.
وكانت مجلة نيوزويك قد تواصلت مع وزارة الخارجية الأمريكية والجيش المصري للتعليق على التقارير المتداولة في هذا الخصوص.
مدى أهمية ذلك:
تتحول مصر شيئًا فشيئًا إلى ساحة بارزة للتنافس الأمريكي الصيني المتصاعد، حيث تعتبر واشنطن بكين منافسها الرئيسي على الساحة العالمية. ولا تزال القاهرة، التي تعتمد منذ فترة طويلة على مساعدات عسكرية أمريكية سنوية تبلغ نحو 1.3 مليار دولار، شريكًا أمنيًّا مهمًّا لواشنطن، على الرغم من الخلاف السياسي بين البلدين حول غزة (خاصة مساعي الصهاينة لتهجير أهل غزة من أرضهم) بالإضافة إلى تزايد مؤشرات الارتباط بين جمهورية مصر العربية وجمهورية الصين الشعبية.
والآن تنظر دول الخليج العربية والدول العربية الأخرى إلى الدخول في شراكات مع الصين ليس باعتبارها تحولًا (في علاقاتها الخارجية)، بل باعتبارها حقها الطبيعي في تنويع الصناعات الحيوية لديها بما يتجاوز الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة (خاصة في مجال التسليح)، وهو ما يحدث بالتزامن مع الصفقات التجارية الكبرى (التي تعقدها دول خليجية كبرى) مع الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب.

قاذفة صواريخ أرض-جو من طراز ناسامس NASAMS (النظام الوطني المتقدم للصواريخ أرض-جو) تظهر أثناء الإنتاج في خط التجميع بمصنع أسلحة الدفاع والفضاء كونجسبرج في كونجسبرج، النرويج، في 30 يناير/كانون الثاني 2023. بيتر بيرنتسن/وكالة الصحافة الفرنسية/صور جيتي
ما يجب معرفته:
أعطت الولايات المتحدة مصر حديثًا الضوء الأخضر لشراء أسلحة متطورة من واشنطن كانت في السابق غير واردة في حسابات الأخيرة للحفاظ على التفوق العسكري لإسرائيل في المنطقة، في إشارة إلى أن واشنطن قد تغير من مواقفها تجاه حلفائها في الشرق الأوسط.
فقد وافقت وزارة الخارجية الأمريكية مؤخرًا على بيع أنظمة الدفاع الجوي “ناسامس” NASAMS (النظام الوطني المتقدم للصواريخ أرض-جو) لمصر في صفقة بقيمة 4.67 مليار دولار. وتشمل الصفقة أيضًا 200 صاروخ أمرام AMRAAM (صاروخ جو-جو متوسط المدى متقدم) و 600 صاروخ سايد ويندر Sidewinder (صاروخ جو-جو قصير المدى)، بالإضافة إلى رادارات ومنصات إطلاق للصواريخ ووحدات قيادة وتدريب.
وكان مراقب الشؤون الدفاعية الأمريكية توماس نيوديك قد كتب في شهر يوليو في موقع “ذا وور زون” المتخصص في تغطية الشؤون العسكرية: “إن التسليم المحتمل لنظام ناسامس NASAMS (أو النظام الوطني المتقدم للصواريخ أرض-جو) يمثل بالفعل تقدمًا كبيرًا في إمداد مصر بالأسلحة الأمريكية المتقدمة، مع عرض أحد أكثر أنظمة الدفاع الجوي قدرة في فئته”.
ومنذ توليه السلطة في مصر عام 2014م، بعد انقلاب عسكري (قاده منتصف عام 2013م على حكومة الرئيس الراحل محمد مرسي المنتخبة)، سعى الجنرال عبد الفتاح السيسي إلى تنويع مصادر التسليح في البلاد في ظل تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة (لأسباب عديدة منها انتهاكات حقوق الإنسان). وعارض السيسي أيضًا القيود الأمريكية المفروضة على تحديث طائرات إف-16 التابعة لسلاح الجو المصري، وأعرب بشكل معلن كذلك عن استيائه من موقف واشنطن من الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة وخطة ترامب “لتهجير” أهل غزة من القطاع.
وأبدت القاهرة اهتمامًا علنيًّا بالطائرات المقاتلة الصينية مثل جي-10 (J-10) و جي-35 (J-35) الأحدث، والتي قد تُشكّل بدائل واقعية للمنصات الجوية الأمريكية. كما عزّزت مصر والصين علاقاتهما العسكرية في عام 2025م من خلال التدريبات المشتركة وتوسيع التعاون الدفاعي.
وفي الشهر الماضي، قالت بكين إنها مستعدة “لمشاركة إنجازات تطوير معداتها مع الدول الصديقة”، وسط تقارير تفيد بأن إيران، الخصم الإقليمي الرئيسي للولايات المتحدة، قد تسعى أيضًا إلى الحصول على مقاتلات صينية.
ما يقوله الناس:
في تصريح لمجلة نيوزويك، قال سيد غنيم، وهو ضابط متقاعد في الجيش المصري: “دعونا نضع في اعتبارنا إصرار الشركات الأمريكية على عدم خسارة أي مشترٍ، خاصةً وأن الصين تحاول إظهار أنها تتمتع بعلاقات أوثق مع مصر مقارنةً بالولايات المتحدة الأمريكية”.
وصرّح هشام الحلبي، اللواء المتقاعد في القوات الجوية المصرية، لـ “المشهد”، وهي منصة رقميّة تفاعليّة تقدم برامج وأخبار متعددة ومتنوعة عابرة للحدود، في شهر يوليو، قائلًا: “الرسالة العسكرية هنا هي أن مصر لا تزال تحظى بأهمية كبيرة لدى الولايات المتحدة، وأن التعاون العسكري مستمر بينهما رغم بعض الخلافات السياسية. وهناك إجماع في الإدارة الأمريكية على مواصلة التعاون وتحديث أنظمة الدفاع المصرية”.
وذكرت وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية في إشعارٍ لها صدر في شهر يوليو بشأن صفقة نظام الدفاع الجوي الصاروخي الأمريكي ناسامس NASAMS، المعروف بـ “النظام الوطني المتقدم للصواريخ أرض-جو”: “ستُؤدي الصفقة المقترحة إلى تحسين قدرة مصر على مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية من خلال تحسين قدرتها على اكتشاف مختلف التهديدات الجوية. (…) ولن يُغيّر البيع المقترح لهذه المعدات والدعم (المقدم لمصر) التوازن العسكري الأساسي في المنطقة”.
ماذا سيحدث بعد ذلك؟
من المحتمل أن تكشف مصر والصين قريبًا عن مزيدٍ من التفاصيل حول اتفاقيات التعاون الدفاعي المخطط لها، وذلك في أعقاب الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانج إلى القاهرة في شهر يوليو الماضي واستمرت يومين (التاسع والعاشر من شهر يوليو 2025م).